فهرس الكتاب

الصفحة 1678 من 2255

من أخطر ما يواجه أمتنا أنها تعيش في مرحلة متقدمة من التبعية للغرب في كثير من أمورها الحياتية، فهناك برنامج جاهز للحياة جاءنا من الإعلام، وهو البرنامج الذي يجعلنا زبائن دائمين لدى الحضارة الغربية وللأفكار وأنماط الاستهلاك الجاهزة لديهم، وبالتالي تحولنا إلى مشترين دائمين للسلع التي قد لا تكون مناسبة لظروفنا وبيئاتنا. وأخطر ما في الأمر أن ذلك النموذج تم تسويقه بنجاح في مجتمعاتنا الإسلامية؛ فبدءًا من أنواع الثياب وأشكاله المختلفة التي يتصارع عليها الشباب حاليًا، وحتى مجال الصناعة التي تعدّ عصب الحياة ومستقبل الأجيال القادمة.. وانطلاقًا من تلك التبعية اختار القائمون على الإدارة والصناعة من حكومات ورجال أعمال وسلطات مختلفة الاستعانة بالخبرة الأجنبية، وفضلوا المشروعات"تشطيب مفتاح"-كما يسميها رجال الأعمال- أكثر من الاعتماد على النفس؛ مما أضعف الدور الوطني للصناعة في المنطقة العربية كثيرًا، وأصبحت الصناعات وتكنولوجيا الاختراعات تهرب للغرب، وتحوّلت الشركات المتعددة الجنسيات لمعوّق يلعب دور عاقري ناقة الإنتاج في مجتمعاتنا الإسلامية، فالمستثمر يختار دائمًا المكسب السريع الذي يتحقق غالبًا عن طريق الاستيراد لكل شيء من الخارج، وللأسف على مستوى المواطن العربي البسيط غابت عنه حاسة الابتكار والتفكير ومن ثم التطوير، وانتشر المثل القائل:"شراء العبد ولا تربيته"، كما لو كنا نقول: لماذا نتعب وغيرنا يقدم لنا كل شيء جاهزًا؟!! فلا داعي للتفكير، ولا أن تكون لدينا حلولنا الخاصة، وهو ما أفضى لاستسهال الأمور على المدى القريب، إلا أنه لا يبني أمة، وهذا الوضع حرمنا من حرية الاختيار، بالمعنى الحضاري: عدم بناء أنفسنا، واعتمدنا على فكر وإدارة وإنجازات وإنتاج الآخرين، فمتى سنفكر وننجز لأنفسنا؟ إننا نضحي بامكاناتنا التنموية من أجل أن يرتقي الآخرون بأنفسهم ويتسيّدوا علينا، فنحن نمثّل عاملًا مساعدًا للغرب في الازدهار الحضاري والفكري والاقتصادي ، الأمر الذي يمثّل قصورًا كبيرًا في فهم الإسلام ودوره في تحقيق التنمية، لكون تلك الحالة تعبّر عن تركيزنا على الجوانب العباديّة دون الاستفادة من الإسلام بحثّه القويّ على التقدم والرقي في جميع المجالات..

الفطام الاقتصادي والاعتماد على الذات

وكيف تكون أولى خطوات النهضة وتحقيق الصحوة الإدارية والتنموية في مجتمعاتنا الإسلامية؟

أولى تلك الخطوات هي الفطام عن الاعتماد على كل ما هو جاهز من الموضات الغربية، وأساليب الحياة التي هي باعتراف أصحابها غير قابلة للاستمرار والتواؤم مع النسق البيئي؛ لأن الانسياق وراء ظاهرة الاستهلاك الغربي يفصل المجتمع عن رؤية الإسلام كنموذج حضاري، كما أن الاستمرار في تبني هذا النموذج يؤدي إلى تضييع الدور الحقيقي في تنمية المجتمع؛ لأن الحداثة والمعاصرة الحقيقية تعني أن نبدأ بما لدينا من رؤية حضارية إسلامية وقدرات محلية، ثم نصنع نموذجنا الخاص للحداثة والمعاصرة الذي لابد أن يشارك في بنائه وإدارته كل أفراد المجتمع كل حسب موقعه، وهذا هو التقدم الحقيقي.. لا تقليد الآخرين تقليدًا أعمى؛ لأن هذا التقليد يغري بالخلاص الفردي على حساب مصلحة المجتمع ككل.

ونحن نضع أرجلنا على أولى درجات سلم التنمية؛ قرأنا عن نظرية تنمية الصناعات التقليدية التي تبنّيتموها.. نودّ التعرف على معالم تلك النظرية التي تقوم على توطين الصناعات وتنمية الذات بإدارة مستقلة؟

لابد من التأكيد على عدة مبادئ أساسية قبل الدخول في تفاصيل نظرية التنمية الذاتية للمجتمعات المحلية، وأولى تلك المعاني أن الاعتماد الكامل على الآخرين ما هو إلا تكريس لعجزنا بكل ما تعنيه الكلمة من آثار نفسية واجتماعية مدمرة، فالإنسان العاجز ماديًا يكون تديّنه عاجزًا وقاصرًا، ويكون بعيدًا عن التفكر والابتكار والتجديد الذي جاء به الإسلام.

وقد استشعرت تلك المعاني منذ أكثر من (15) عامًا؛ إذ اتجهت إلى دراسة المجتمعات المحلية عن طريق إجراء دراسات ميدانية لتنمية وإدارة تلك المجتمعات، ووجدت أنه يتوافر بها الكثير من الخامات المحلية الرخيصة إضافة إلى ظروف التنوع البيئي والمناخي والجيولوجي، إضافة إلى خبراتنا التاريخية في مجالات التنمية والصناعات والإدارة.. مما أكد لديّ منطلقًا مهمًا للتنمية في الوطن العربي، ووجهت اهتمامي لتوليد رؤية جديدة للصناعة تقوم على الخامات المحلية.

التراث الحضاري

ولكن نريد أن نكون أكثر تحديدًا عن ماهيّة الصناعات التقليدية التي تتمحور حولها نظريّتكم كأساس لمشروع تنموي على مستوى العالم العربي؟

الصناعات التقليدية هي نتاج حضاري لآلاف السنين من التفاعل الحي بين المجتمعات المحلية بما تحمله من رؤى وقيم حضارية وبين بيئتها الطبيعية، وبينها وبين المجتمعات الأخرى، وهى مكوّن أصيل للذاكرة الحضارية -خاصة في شقها التقني- ورصيد ومخزون للخبرات الحياتية والإمكانات الإنتاجية الذاتية المتاحة داخل كل مجتمع محلي.

ما أهمية الصناعات التقليدية في مجتمعاتنا العربية؟

في الحقيقة أن الصناعات التقليدية تغطي مدى بالغ التنوع والاتساع من المجالات: من تصنيع الغذاء والأدوية والغزل والنسيج والملابس والسجاد والحصير والفخار، وكذلك الصناعات التي تتعلق ببناء المساكن وإقامة السدود وحفر الآبار ووسائل المواصلات.. الخ، كما أنها واسعة -وقابلة للانتشار وصولًا إلى أصغر وحدة عمرانية؛ قرية كانت أو كَفْرًا أو واحة أو حيًا، وصولًا إلى أصغر وحدة للنسيج الاجتماعي الحضاري ... وانطلاقًا من هذه الرؤية تمثّل الصناعات التقليدية الشمعة التي نلجأ إليها عندما تنطفئ الكهرباء العمومية -أي الوسائل المدارة مركزيًا لسد حاجات الناس-. كما تضم الصناعات التقليدية تراثًا تقنيًا اُختبر بالممارسة عبر الأجيال، وهى بهذا المعنى تعطينا اتجاهات مستقبلية متميزة للتفكير والخيال، وبالتالي الإبداع المنطلق والمرتكز على خصوصيتنا الحضارية.

وماذا عن واقع الصناعات التقليدية ودورها في التنمية المحلية في الوطن العربي؟

واقع الصناعات التقليدية في اللحظة الراهنة في المجتمعات الإسلامية يشير إلى كثير من نواحي القصور التي على الحكومات والمنظمات الأهلية في العالم الإسلامي النظر إليها بأهمية كبيرة؛ إذ تعاني الصناعات المحلية من فجوة رهيبة في المعلومات لدى الجهات القائمة على التنمية الصناعية عن قطاع الصناعات التقليدية، إضافة إلى عدم وجود سياسات ملائمة على المستوى القومي يمكن أن تسهم في صنع المناخ الملائم لنمو وتطور الصناعات التقليدية والاستفادة منها - بالتالي- في تنمية المجتمعات الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت