فهرس الكتاب

الصفحة 1679 من 2255

ومما عمّق أزمة الصناعات التقليدية أنها وُضعت في التجارب الحديثة للتصنيع في وضع تنافسي شديد الصعوبة مع قطاع الصناعة الحديثة، ولم تُبذل أي محاولات جادة للربط أو التكامل بين القطاعين، كما جرى تنميط التعليم الفني مركزيًا، ولم تتم صياغة ملامح (P صلى الله عليه وسلم ofiles ) مميزة له بما يخدم تنمية الصناعات التقليدية في المجتمعات المحلية المختلفة، ولعل مستقبل تلك الصناعات المحلية يحوطه الكثير من الغموض في ضوء المناخ الثقافي السائد -والذي تمثّل فيه أجهزة الإعلام القوة الضاربة- لا يرسّخ قيم احترام - ناهيك عن حب - كل ما هو موروث أو محلى بما في ذلك الصناعات التقليدية. ثم يأتي بعد ذلك عجز الكيانات العملاقة (مثل وزارت الشؤون الاجتماعية والصناديق الاجتماعية والتنموية) عن الوصول للصناعات التقليدية وتقديم أي مساندة حقيقية لها. علاوة على ضعف البنية التنظيمية لقطاع الصناعات التقليدية، كما أن الانتشار السريع لنمط الاستهلاك الغربي وتغلغله اجتماعيًا وصولًا للشرائح الاجتماعية الأدنى، وجغرافيًا لأقصى أقاصي العمران في الريف والمجتمعات الصحراوية- قد أدّى إلى تحلل النسيج الاجتماعي الحضاري للمجتمعات المحلية والحامل لتراث الصناعات التقليدية، والى إهمال عناصر البيئة المحلية التي قامت عليها هذه الصناعات مثل: مكونات الغطاء النباتي الطبيعي، والمنتجات الثانوية للحاصلات الزراعية.. ناهيك عن زيادة معدلات التضخم، وأثرها في ارتفاع تكاليف معيشة الصانع الحرفي وارتفاع أسعار خاماته المستوردة؛ مما يؤدي إلى انخفاض القيمة النسبية للعمل في تكلفة المنتج.

وماذا عن الجدوى الاقتصادية لتلك المشروعات في ضوء رؤية الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية.. التي تعتمد نماذج تنموية أكثر تعقيدًا وارتباطًا بالسوق العالمية؟ في ظل سيادة قيم العولمة والنظام العالمي الجديد؟

الجدوى الاقتصادية لتك المشروعات كبيرة جدًا؛ إذ تتمتع معظم الصناعات التقليدية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة بميزات نسبية، محققة تطورًا نوعيًا لفئات المجتمع كافة؛ مما يحقق استقرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا في بلادنا العربية والإسلامية؛ حيث إنها تنتمي للقطاع الخاص أو المجتمع المدني بشكل عام، بما يرفع عن كاهل الحكومات التشوهات الناجمة عن أنماط التنمية الحالية والتي أنتجت في كثير من تطبيقاتها على صعيد العالمين العربي والإسلامي إفقار فئات واسعة من الشعوب مقابل تكدّس الثروات والأموال في يد فئة قليلة، كما أن إنشاءها لا يحتاج إلى رأس مال كبير؛ إذ تمثل تكلفة فرصة العمل قيمة صغيرة للغاية بالمقارنة بمنشآت الصناعات الحديثة الصغيرة، كذلك فهي ذاتية النشأة غالبًا: أي أن الغالبية العظمى ممن يعملون بالصناعات المنزلية وأصحاب الورش والمصانع الصغيرة من أبناء المجتمع المحلي بالميلاد.

ولعل ما يرفع جدواها الاقتصادية في ضوء أنماط الاقتصاد المعيش هو أن احتياجاتها من خدمات البنية الأساسية متواضعة للغاية؛ إذ إن احتياجاتها من المعدات والآلات ومستلزمات الإنتاج بسيطة نسبيًا؛ إذ يغلب عليها استخدام معدات يدوية أو ميكانيكية يتم تشغيلها يدويًا، كما أنها تعتمد بشكل أساس على الخامات المحلية (سواء على المستوى القومي أو مستوى الإقليم أو المجتمع المحلى) ؛ ويعتمد الكثير منها على استخدام المخرجات الثانوية (صناعات الخوص والجريد على سبيل المثال) لبعض الحاصلات أو على إعادة استخدام Recycling) ) كافة المكونات والعناصر المتوفرة محليًا (توسيع مجال استخدام بعض الأجزاء النمطية، استخدام الخردة وبقايا الخامات والمخلفات في تصنيع منتجات جديدة) ، ولا تحتاج بالضرورة لا لتلقي تدريب على مهارات معينة في المؤسسات الرسمية، ولا للتعليم الرسمي، سواء بالنسبة للعمال أو لأصحاب الأعمال في هذا القطاع. كما أن عائد العمل فيها يمثّل النسبة الكبرى من عوائد عناصر الإنتاج، وتتميز غالبًا بالمرونة العالية وإمكانية التغيّر السريع، والتي تساعد على تحقيق الاستجابة السريعة لأي طلب جديد.. ويُضاف إلى ذلك كله أنها تتميز بـ: المرونة العالية في الإدارة والتوظيف، والاستغناء عن العمالة، والتي تسمح بالاستفادة من مصادر متنوعة للعمالة (الأطفال - الطلبة - سيدات المنازل - العمال) قبل وأثناء وبعد سن العمل القانونية، ومن كافة الوفورات المتاحة في الوقت (إطالة يوم العمل وتجاوز الساعات الرسمية، عطلة نهاية الأسبوع، العطلات الرسمية، الإجازة الصيفية، وقت الفراغ، سنوات بعد المعاش.. الخ) ، وأفضل ما تتميز به كم المرونة العالية في مكان العمل (حجرة في منزل، فناء المنزل، ساحة مفتوحة، دكان، ورشة صغيرة.. الخ) ، والمساحة المطلوبة (والتي يمكن ألاّ تتعدى 2 × 3 م في الكثير من الأحيان !) .. مما يسهّل إمكانية تنفيذ مشروعاتها لكافة فئات المجتمع. ولعلّ قيمتها الإستراتيجية التي تخفى على كثير من صانعي قراراتنا الاقتصادية أن تلك الصناعات التقليدية ترتبط -في معظم الأحوال- بحكم نشأتها الذاتية في مجتمعات محلية معينة، واعتمادها الأساسي على السوق المحلي فالإقليمي، فالقومي، بإشباع الحاجات الضرورية لأفراد المجتمع المحلي (صناعات الملابس - الصناعات الغذائية - الأثاث - الورش الهندسية وورش إصلاح السيارات والماكينات.. الخ) .

رفع الحرج الاجتماعي عن كاهل الحكومات

وماذا عن الجدوى الاجتماعية للصناعات التقليدية ومستهدفاتها لتحقيق التنمية الذاتية في المجتمعات الإسلامية؟

تهدف الصناعات التقليدية لرفع الدخل الحقيقي لأبناء المجتمعات الريفية والصحراوية، ولعل الصناعات التقليدية المرتبطة بإشباع الحاجات الأساسية (الصناعات الإعاشة Subsistence indust صلى الله عليه وسلم ies) مثل الصناعات الغذائية والأثاث وبناء المساكن.. الخ- مثال جيد على هذا الدور. وعلى المدى الإستراتيجي تعمل الصناعات التقليدية على دعم نسيج العلاقات الاجتماعية، ومنع تحلّله من خلال إضفاء وظائف اقتصادية جديدة في إطار نشر وتطوير الصناعات التقليدية المناسبة في كل مجتمع محلي. إضافة إلى تجسيد سياسة الاعتماد على الذات على المستوى المحلي؛ إذ تعتمد الصناعات التقليدية على حشد الموارد والإمكانات المحلية؛ من خامات محلية وشبكات علاقات اجتماعية، وخبرات ومهارات محلية وصولًا إلى مصادر تمويل محلية، كما تدعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي للمجتمع من خلال إعطاء أولوية للاهتمام بالصناعات التقليدية لدى الشرائح الاجتماعية الأكثر حاجة أو الأشد فقرًا؛ مما يؤدى إلى خفض التباين بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، مع توفير فرص عمل للمرأة التي لا تتيح لها ظروفها المختلفة العمل في القطاع الرسمي، وتمثل الصناعات المنزلية بمختلف أطيافها نموذجًا مناسبًا في هذا الإطار.

و لابد من الإخلاص وتفعيل الحس الوطني إزاء تفعيل تلك الإستراتيجية التنموية والنظر بعيوننا نحن لمشاكلنا الإدارية وإمكاناتنا، وليس بعيون الخبراء الأجانب الذين لا يهمهم غير تكريس تبعيّتنا لهم، وليس بإعطائنا العلم الذي يُمكّننا مستقبلًا من صناعة حياتنا بأنفسنا..

وأطرح هنا إستراتيجية إدارية عامة للنهوض بالصناعات التقليدية تقوم على عدة أسس: حصر الموارد الطبيعية المحلية، ودراسة الأنشطة الاقتصادية الأولية.. مع حصر وتقييم الاستخدامات المختلفة للموارد الطبيعية والخامات المحلية، وإعداد دراسة تشخيصية للصناعات التقليدية، ودراسة أسلوب الحياة السائد والاتجاه لتطوره في المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت