فهرس الكتاب

الصفحة 1696 من 2255

وقد أفرز هذا الانفتاح التفكيري تيارات ومناهج متعددة للنظر في المستقبل الإسلامي وصياغة مشروع للنهضة ـ إن صح التعبير ـ يعبر تعبيرا راشدا وحقيقيا عن روح الإسلام ودوره في الحياة الإنسانية ، ويمكن استجماع شتات هذه التيارات في ثلاثة اتجاهات ، وإن كان كل اتجاه منها يحمل بداخله بعض التباينات في طرح منتسبيه في الدرجة والحدة ، إلا أن الوجهة العامة والخطوط الأساسية متجانسة إلى حد بعيد . الاتجاه الأول ، وهو اتجاه سلفي واضح النزعة ، يأوي إلى نصوص الوحي ، بصرامة كاملة ، ويأوي إلى السنة المشرفة فيما يعن من مسائل ، صغيرها وكبيرها سواء ، بحكم أن السنة هي الموضحة والشارحة للنص القرآني ، كما أنه تيار يصدر عن قناعة بأن انفلات الفكر من إطار الوحي ودخوله في باب الاجتهاد العقلاني الواسع يوقعه حتما في المعسكر المعادي أو المفارق للوحي ، ويتحول بمرور الوقت إلى عنصر هدم وتخريب في قواعد الإسلام حتى وإن ظن أنه يحسن صنعا ، ويهتم هذا التيار بشكل كبير بالقضايا العقدية ، وتفاصيلها ، والفروق المنهجية والعقدية بين التيارات الإسلامية المختلفة قديمها وحديثها ، وفي الوقت الراهن برز اهتمام هذا التيار بمسألة القبور والأضرحة وما يقع فيها من بدع الطواف والاستغاثة والنذر ونحو ذلك مما لا يجوز إلا لله ، وخاضوا حروبا مريرة مع هذه البدع في العالم العربي وفي أطراف العالم الإسلامي المختلفة ، وحيثما حلوا ، كما يولي هذا التيار اهتماما واضحا بالهدي الظاهر والالتزام به ، من الزي واللحية والنسك والتزام المساجد وعمارتها والآداب النبوية وإحيائها في السلوك العام ، والذي لا شك فيه أن هذا التيار يمكن القول بأنه الوجه الأكثر حضورا وبروزا في الصحوة الإسلامية الأخيرة التي عرفتها الأمة ، من حيث الجهد الضخم الذي بذله أبناؤه والروح الجديدة التي بثوها في جنبات الأمة ، والبصمة الواضحة التي وضعوها في الحياة الاجتماعية والدينية بشكل خاص ، بل إن الصدمة الكبيرة التي أحدثها الحجاب والنقاب واللحية ومعالم الهدي الظاهر ، إنما خاض معتركها هذا التيار بكل جسارة ، وهذه الجوانب كانت بمثابة الراية التي تمثل حضور الصحوة الإسلامية في بلاد المسلمين . ولكن هذا التيار كان يشوبه العديد من الأخطاء والسلبيات التي تعوق مسيرته في قيادة الأمة ، وإكمال مشروع حضاري ملائم لها ، بل إن غياب هذا المشروع عن وعي وطرح رواد هذا التيار ، كان من أبرز المعالم السلبية فيه ، إن هذا التيار عرف ما يرفض أكثر مما عرف ما يقول أو ما يطرح ، وكان من الصعب أن تصنع مستقبل أمة بمجرد الوقوف عند معاني الهدي الظاهر ، أو حتى عند التنبيه على أخطاء عقدية تقع من بعض أبناء الأمة ، الناس كانت في حاجة إلى مشروع سياسي يحتوي طموحاتها ويحقق لها الإحساس بالكرامة الإنسانية في أوطانها ، وكانت في حاجة إلى رؤى جهادية تحقق لها آمالها في صراعها مع اليهود وغيرهم ، وكانت في حاجة إلى مشروع اجتماعي يحقق لها الاطمئنان والاتزان في البناء النفسي للمجتمع واحتواء نزعات الشطط والانفلات الموارة داخله ، ومحاصرة الغزو القيمي والنفسي الخطير للغاية الذي ينفذ كل يوم إلى ساحة الدار ونحن عاجزون عن وقفه أو مدافعته ، كانت الأمة في حاجة إلى بناء ثقافي وفكري وفني وإنساني جديد يستوعب طاقات فطرية عند الإنسان المسلم ، وخاصة عند ملايين الشباب والشابات الباحثين عن المتعة الحلال وتنفيس طاقاتهم في مسالك آمنة ، وكل هذا مع الأسف لم نلحظه في أطروحات التيار السلفي ، الأمر الذي أدى إلى وجود فراغات ومساحات من الفوضى في الحالة الإسلامية تقدمت قوى وتيارات أخرى لمحاولة ملئها وقيادة الأمة من خلالها .

التيار الثاني ، وهو التيار السياسي والحركي ، وهو ينتظم في جماعات وأحزاب سياسية متعددة ، وهو تيار يعود إليه الفضل في تسجيل الحضور السياسي الفاعل والمثير للدعوة الإسلامية في مختلف أنحاء العالم ، وكان وما يزال يمثل المجال الحيوي لاستيعاب طاقات أجيال من الإسلاميين ممن يملؤهم الشوق لتسجيل حضور الشريعة الإسلامية في مؤسسات الدولة الحديثة ، والدفاع عن حق الإسلاميين في المشاركة في الحكم أو الشورى أو الهموم العامة في الدولة ، وإن كان هذا التيار يتوزع على جبهات عديدة منها من قبل العمل من خلال مؤسسات الدولة العلمانية لدفع صائلة قوانين العقوبات التي تضطهد العمل خارج القانون الرسمي للدولة ، ويحمد لهذا التيار أنه أعطى الصحوة الإسلامية نوعا من الهيبة في العمل العام والسياسات المحلية والدولية ، ولكن المشكلة الكبرى في هذا العمل هي في التبعات التي تعلق بأي نشاط سياسي ، وهي خفة الضبط العقدي والمنهجي والقيمي لخدمة ما تراه الحركة مصالح عملية أو سياسية ، كما أن التربية في صفوف أبنائها ترتكز على تنشيط الوعي العام بأحوال الأمم والواقع السياسي المحلي والدولي على حساب عمق التربية العقدية والسلوكية ، ولعله مما يلاحظ عامة على تلك التوجهات قلة الاهتمام بالسنن ومعالم الهدي الظاهر ، بل هناك نوع من الاستخفاف بها وربما التهكم على الملتزم بها ، والأمر الجدير بالملاحظة أن التيار الحركي السياسي الذي ينشط خارج المؤسسات الرسمية ، في تنظيمات لها طابع سري أو غير قانوني ، هي ـ من بين أبناء ذلك التيار ـ التي تكون أقرب إلى التربية العقدية ، وهي ملاحظة تحتاج إلى تحليل بلا شك ليس هنا مكانه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت