ويبقى التيار الأخير وهو ذلك التيار الذي ينزع إلى الاجتهاد العقلاني في فهم النصوص والواقع الدعوي والعام ، وهو تيار قوي يملك أصحابه قدرا عاليا من رجاحة العقل ، ويملكون ـ عادة ـ خبرة عميقة بالحالة الثقافية والسياسية في المجتمع المحلي والدولي ، كما أنه بالنظر إلى أن كثيرا من أقطاب هذا التيار هم من المتحدرين من تجارب عقدية ومنهجية مغايرة للمنهج الإسلامي وعقيدته ، من ماركسيين وقوميين وبعثيين وليبراليين لا دينيين ، فإن في مواقفهم الفكرية قيمة كبيرة في التصدي لرموز التيارات التي كانوا ينتمون إليها ، وقدرة عالية على دحض حججهم ، وكشف عوارهم وفضح تناقضاتهم وهشاشة موقفهم الفكري ، ولا شك في أنهم أفضل من قاموا ويقومون بهذا الدور ، ولكن هذا السبب الذي منحهم هذه الإيجابية في النشاط الإسلامي العام ، هو نفسه السبب الذي مثل نقطة الضعف الواضحة في نشاطهم ، وذلك أن علاقة هذا الفريق بأصول الشريعة ليست حميمة ، وحسهم الفقهي والتراثي فيه غربة ، وبناءهم العقلي والنفسي اكتمل قبل تشربهم لروح الإسلام ، ولذلك تأتي رؤاهم في العديد من القضايا الإسلامية العامة ، وخاصة ما يتصل منها بالسنة أو شؤون العبادات أو أصول التشريع ، تأتي ناشزة ، ومفارقة لإجماع أهل العلم ، كما أن لديهم جرأة مدهشة على تجاوز النص الشرعي إذا لم يوافق تأملهم العقلي ، والخطير أن عقلهم العلمي لم يتأسس ويتبحر في غمار العلوم الشرعية ، ولم يألف وعي الفقهاء والعلماء بالمشتبهات وتخريج ما غرب على العقل العام من الأحكام والنصوص ، ولذلك يستسهلون إسقاطها أو تجاوزها ، وترى منهم جرأة عجيبة في هذا الباب ، بل هناك حالة من الاستعلاء غير الصحي في مواقفهم تجاه أبناء الدعوة الإسلامية ممن لا يوافقونهم في نزعتهم ، وأخطر ما في أمر هذا التيار أنهم اقتربوا من بعض"المشايخ"إنسانيا وفكريا ، وأثروا فيهم تأثيرا كبيرا ، وخاصة عندما دخلوا إليهم من باب نظر الغرب إلى الإسلام ، وتحسين صورة الإسلام أمام الإنسان الغربي الجديد ، وما تصوروه تيسيرا على الناس في الأحكام ونحوها ، في حين أنه ينتهي إلى إضعاف وجود الدين ودوره في حياتهم وفتح باب الاستهانة بالأحكام الشرعية ، وقد تولدت الكثير من التفريعات والتقعيدات غير الحميدة من هذا التيار أثرت سلبيا على اعتصام الأمة بالكثير من معالم الشريعة والجرأة على الاستهانة بها ، من مثل تقسيم الدين إلى لباب وقشور ، واستبدال مصطلح التجديد بمصطلح الاجتهاد ، للهرب من الواجبات العلمية التي يفرضها استحداث النظر في قضايا الشريعة ، وغير ذلك من أمور .
هذه هي التيارات الثلاثة التي توجه الحالة الإسلامية اليوم ، في مرحلة البحث عن مستقبل للمشروع الحضاري الإسلامي ، وهي في الحقيقة تيارات على قدر ما فيها من تباين على قدر ما فيها من تكامل وتعاضد ، إذا حسن إجراء حوار علمي وحضاري وديني جاد بين رموزها ، وإذا أمكن السيطرة على نوازع الغلو في كل تيار ، وهي موجودة في الجميع ، وفي تقديري أن مستقبل المشروع الحضاري الإسلامي مرهون بمثل هذا الأمل في تكامل هذه الجهود ومن ثم امتزاجها في تيار عام يعيد بناء الشخصية المسلمة ، ويعيد بناء الأمة ، والدولة ، ثم يعيد بناء الخطاب الإسلامي العام إلى العالم كله . إن النهضة الإسلامية في تصوري لا يمكن أن تقوم إلا على بناء سلفي متين ، لأن هذه النهضة في أساسها هي نهضة دين ، فهو قطب وجوده ووجودنا ، ودين الله هو نص كتابه وسنة رسوله ، ومنهج السلف الصالح الذي تأسست عليه هذه الأمة العظيمة التي ننتسب إليها ، ومن أراد أن يجتهد أي اجتهاد ، علمي أو سياسي أو دعوي أو حضاري وينسب ذلك إلى الإسلام ، فعلى هذا النهج الواضح ، بلا التواء ولا مجاملات ، فالأصل العام في النهضة الإسلامية ، أنها نهضة أمة الكتاب والسنة، أمة الوحي ، فهو الراية وهو الدليل وهو الرائد ، وعندما نفقد التزامنا بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، فإن سفن النهضة تنفلت من مسارها خبط عشواء ، تتجاذبها الرياح رياح الفكر ورياح الفتن ورياح الشهوة ، ثم تغرق بها في قرار سحيق ، وعلى جانب آخر فإن هذه النهضة لا بد وأن يكون لها حضورها الواعي في معترك الحياة الإنسانية بكافة تشعباتها ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، لأننا نبني أمة بشرية ، وللبشر احتياجاتهم ، وللأجيال طاقاتها التي تحتاج إلى أن تفرغ في مشروعات بديلة آمنة ، وعندما تتوقف أنت عن ذلك وتنعزل فسوف يتقدم غيرك ويقود هذه الطاقات ، إنه من الميسور أن يمارس المسلم الآن دور رجل المرور في شوارع الفكر والأخلاق والاقتصاد والسياسة ، فيحذر هذا من ذاك الطريق ، وينهى الآخر عن هذه المركبة ، ولكن دون أن يكون قد خطط سبلا وطرقا وخدمات بديلة تضبط مسار الفعل في المجتمع وتستوعب توسعات النشاط وتوسعات الطموح عند الناس ، وأن يقوم بتنفيذها أو بعضها بالفعل ، وكذلك فمشروع المستقبل الحضاري لا يمكنه تجاهل عطاء الفكر الإنساني ، وخاصة المفكرين الإسلاميين ، ودورهم في تحريك الوعي الإسلامي والدفاع عن الإسلام ضد خصومه ، وحماية العقل الإسلامي من كثير من المخاطر التي تهددته من تيارات ومناهج وافدة ، كما لا يمكن أن يتجدد عطاء الإسلام في حياة الناس من غير أن تتجدد اجتهادات تتأمل في مستجدات الهموم والخطوب ، وتطرح البديل الشرعي الذي ربما لم ينتبه له القدماء ولم تصطدم به آلة الفقه في السابق ، ولا بد وأن تكون هناك رحابة صدر في احتمال ما ينجم عن مثل هذه الاجتهادات من أخطاء أو مثالب ، يمكن تداركها والإبانة عن زللها والتحذير منها ، ولكن دون أن نجرح أصحابها أو نهيل على تاريخهم التراب .
وبعد ..
فقد كانت هذه إطلالة عامة بطبيعة الحال ، على تحولات الفكر الحضاري في العالم الإسلامي في العصر الحديث ، تحتاج إلى حوار ونقد وتمحيص وإضافة وحذف ، كما تحتاج إلى كثير من إحسان الظن بصاحبها ، الذي يعترف بأن بضاعته في هذا الشأن"مزجاة"، فإن أحسنت فمن الله وبرحمته ، وإن زللت فمن نفسي والشيطان ، والحمد لله أولا وآخرا ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي الخاتم وعلى آله وصحبه أجمعين .
يعاني الفكر العربي والاسلامي من مرض معضل بات يمثل ازمة كبيرة في طريقة التعاطي مع الاحداث ...
فمازال يتجاوب ويتفاعل مع الحدث عن طريق رد الفعل لا الفعل بحد ذاته ..