-مجتهد في اتباع المصلحة ودفع المضرة، بارتكاب أدنى المفسدتين.
-قاصد تحقيق المسائل، وتمحيص المواقف بعد مدة من التسليم المطلق.
وبما أننا بصدد بيان الفئات التي تعين على العملية التغريبية:
فإن هذا المتبع الهوى لا ريب هو معين؛ فإنه متخذ مبدأ: أن كل خلاف هو مسوغ ومبيح للأخذ به، ولو كان خلافا بدعيا أو شاذا.
وبهذا سيجد لكثير من قضايا التغريب وموضوعاته دعما وسندا من هذه الأقوال، لتنسب إلى الشريعة، فيظن الناس: أن الشريعة لا تمانع من الأمور التي ينادي بها أهل التغريب !!.
أما المتخذ مبدأ الضرورة فإنه إن توسع، فلم يضبط مذهبه، ولم يبين للناس علة ما ذهب إليه من التخفف، وأنها حالة استثنائية، كأكل الميتة للمضطر، ليست دائمة ولا أصل: وإلا فهو معين.
فدعوته تقوم على تجويز وتسويغ ارتكاب طائفة من المحرمات لغيرها، بداعي الضرورة والحاجة، وليس التغريب إلا ارتكاب المحرمات لذاتها ولغيرها، لكن بالدوام والاستمرار.
وأما القاصد تحقيق المسائل، فعمله جليل، فالتقليد الأعمى مذموم، وكل عالم وطالب علم يدرك أن ثمة مسائل هنا، المواقف فيها لم تخل من خطأ: كالموقف من المخالف: الكافر، والمبتدع، والعاصي، ومن يظهر منه نفاق. حيث البراءة التامة، الخالية من أي نوع من البر والإحسان.!!.
من دون التفريق بين الكافر المحارب وغير المحارب.. والداعي إلى بدعة، والمنتسب إليها..!.
وإهمال المنهج النبوي في التعامل مع الذي يظهر منه نوع نفاق.. والتشديد في بعض مسائل الفقه، كالمنع المطلق من الأخذ من اللحية، أو تحريم كافة أنواع التصوير.. إلخ.
فالمراجعة لتحقيق المسائل أمر مطلوب، ليقع المسلم على حكم ربه بيقين أكثر..
غير أن المحذور هو الدخول في المسائل لا بطلب تحقيقها، بل لاستخراج أقوال أخرى غير ما هو سائد، مع استصحاب دعوى التحقيق العلمي تسترا، وليكون سيفا مصلتا على المعارض.
ومحذور آخر هو: الدخول بقصد التحقيق، لكن في هوى النفس: أن لو استطاع إبطال ما خالف رأيه من الأقوال السائدة.
في هاتين الحالتين تنقلب العملية كلها من هدف نبيل، وجهد مبارك، إلى عون للتغريب..!!. فكل عمل لم يخلص فيه لله تعالى فداخله الهوى، فإنه غير موفق، وصاحبه إلى الزلات أقرب، والزلات أحلى صيود أهل التغريب.
وبالعموم، في كل الحالات الثلاثة: وجدنا إعانة للتغريب.
فالأول إعانته خالصة، والثاني والثالث فيهما إعانة؛ في حالة إساءة استعمال القواعد الأصولية، أو عدم تنقية النفس من هواها وحظها.
وهكذا، فبعد أن كانت الحرب الفكرة مستعرّة حول قضايا التغريب: إذا بهذه القضايا عينها تغدو من مفردات المناهضين للتغريب؛ ينظّرون لها شرعا وعقلا. مثل: الديمقراطية، والتعددية الدينية والمذهبية، والحرية، وعمل المرأة مع الرجل!!..
نعم هناك فرق.. لكنه فرق لا يميزه إلا المختص والمدقق، أما غيرهم فلا يرون إلا التشابه والتوافق؛ إذ يستعمل الفريقان المصطلحات نفسها، واللغة نفسها.
وأهل التغريب يفصحون عن مرادهم، عكس خصومهم بالأمس؛ فكلامهم غير مبين، من أراد أن يفهمه في سياق التغريب فله ذلك، ومن أراد أن يفهمه في سياق ضد ذلك فيمكنه ذلك.!!.
فالخطأ الذي يعين على التغريب:
-عدم تحديد حدود الضرورة التي تبيح المحظور.
-وما الأصل في الأحكام، وما الاستثناء ؟..
-وما الأمور التي يجوز فيها النظر والاجتهاد، والذي لا يجوز ؟.
هذا هو محل الفقه، والحاجة إليه ماسة ؟.
ومن دون تحديده سيظل التغريب يجد مستندا ودعما، ممن يفترض فيه أنه مناهض؛ ولا أثر للقصد من عدمه؛ لأنه في نهاية الأمر هو دعمٌ كيفما كان.
كمن يدعو إلى خروج المرأة لتشارك الرجل عمله، يستدل بما تشابه من النصوص، ويترك المحكمات، وعلى رأسها الحجاب؛ فلا معنى له كليا إذا صارت المرأة قرينة الرجل، وصديقته في العمل، والمدرسة، والسوق، والشارع.
فهذا الموقف أكبر دعم لهذه العملية، التي ترتكز بشكل أساس على تغريب المرأة المسلمة.. فعدد النساء في المجتمع يتجاوز النصف، وذلك يعني تسارع التغريب، إذا ما خرجت المرأة.
كيف يدعو إلى شيء لا يملك زمامه ولا خطامه.. فهو إنما يهيئ للتغريب ؟!!.
ومثل آخر: لقد خدمت بعض الفتاوى والمواقف التغريب في الاقتصاد، حتى دخل الناس بأموالهم في أسواق أقرب ما تكون إلى المقامرة منها إلى البيع الحلال، فخسر الألوف مليارات الدولارات في أيام...
وكان المؤمل إنشاء مصارف إسلامية، تريح الناس من جشع البنوك الربوية، وامتصاصها لأموال الناس، فإذا بهذه المصارف لا تقل شراهة، ولا تختلف هيكلتها وأساليب تعاملاتها كثيرا عن البنوك، سوى أنها لا تأخذ الربا، ولا تعطيه. فلم تقدم خدمة حقيقية للمجتمع، تنفي عنه الفقر والعوز، وترفع من مستوى الدخل، بل كرست النظام الرأسمالي الغربي، فكانت أداة في تغريب اقتصاد الأمة، ومكملة لما بدأته البنوك في هذا الباب.
ضاع الأمل في اقتصاد إسلامي، بل سرعان ما انقلبت بعض البنوك إسلامية، بعد أن وجدت أن طريقها وهدفها الأول والأخير، وهو الربح المستمر، المضمون، المتزايد، الخالي من أية مخاطرة: يمكن تحقيقه من طريق الفتاوى الشرعية.
وهو طريق مهما قيل عن شرعيته، فإنه متسبب في تكدس المال في يد فئة، ونزعه من أيدي الناس، ليضطروا إلى التسول ..!!.
لقد اختلط عدم الصبر بعدم التقوى، فمنهم من جمع بينهما، فتناول مسائل مهمة بكثير من الجرأة، وقليل من التقوى.. والنتيجة هي التي رأينا.
وأخيرا: فإن من أخطر ما يعين على التغريب: التفرق والاختلاف. قال تعالى:
"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين".
هذه الآفة أكلت منا وشربت.. وقد كان الناس زمنا يفرح أحدهم برجل عليه آثار السنة، واليوم زال الفرح وساد محله التوجس والحذر، وسوء الظن!!.. وكثر الشقاق والانشقاق.. وانشطرت الجماعة شيعا وأحزابا، كل بما لديهم فرحون.
ويأخذك العجب، أن بعضهم يسلق بعضا بألسنة حداد، أشحة على الخير..كلهم يدعي حرب الضلالة.. فتتساءل: أهؤلاء إخوة في الإسلام ؟!!.
تخلت عنهم الرحمة، وزرعت بينهم العداوة والبغضاء، حتى إنهم لم يتعلموا نهج النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة المخالفين، من مبتدعة وعصاة.
قد جرى الكلام في تحديد منابع التغريب، كما هو المطلوب عنوانا، بالقدر الذي سمحت به هذه الفرصة، وفي التحديد بيان لطرق منع إمداد التغريب، وردم المتشكل منه بالإجمال؛ أي باجتناب الخطأ الواقع في كل حقل ونشاط سبق ذكره.
أما البيان المفصل، فذلك جهد آخر، يحتاج إلى فرصة أخرى. وإن الثقة كاملة في الذين يقرؤون هذا الموضوع: أنهم مؤهلون لمعرفة وإدراك تفاصيل المدافعة.
بماذا امتازت حضارتنا؟
د. غازي التوبة 2/7/1428