وفي الولايات المتحدة الأمريكية كشف تقرير أعده مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) أن حالات التمييز والمضايقات التي يتعرض لها المسلمون في الولايات المتحدة تزايدت بنسبة 25% في 2006 مقارنة بالعام 2005.
وقال التقرير المعنوّن بـ"مُدان مفترض"إنه تم إحصاء (2467) حادثًا في العام 2006 مقابل (1972) حالة تمييز ومضايقة واعتداء في العام الذي سبقه، موضحًا أن العام 2006 شهد أكبر عدد من قضايا الحقوق المدنية يتم تسجيله منذ بدء نشر التقرير.
وبين القضايا التي تم إحصاؤها في 2006 هناك (167) حالة اعتداء ذات طابع عنصري أي بزيادة بنسبة 2.9% عما حصل في 2005.
ويشير التقرير خاصة إلى تمديد كبير لمهل إجراءات منح الجنسية التي يتقدم بها مسلمون، وقد تصل إلى خمس سنوات من موعد إعداد ملف قانوني سليم، كما يشير إلى ارتفاع مستوى كراهية الإسلام في المجتمع الأمريكي، ويشكو المسلمون أيضًا من تجاوزات بحقهم عند المراقبة على الحدود.
أما في هولندا فقد كشف التقرير السنوي 2004 للمركز الهولندي لرصد مظاهر التفرقة العنصرية عبر شبكة الإنترنت أن تلك المظاهر تزايدت بالمواقع الهولندية بنسب كبيرة للغاية، وأن المسلمين هم أكثر الفئات تضررًا من التفرقة العنصرية على تلك المواقع، وهو ما اعتبره ناشط هولندي مسلم"نتيجة حتمية للسياسة المتبعة من قبل الحكومة والسياسيين الهولنديين تجاه المسلمين".
وأكد التقرير أن المسلمين هم الفئة الأكثر تعرضًا للتفرقة العنصرية بهولندا؛ إذ تضاعف تقريبًا عدد المواقع التي احتوت على دعوات صريحة مناهضة للإسلام والمسلمين لترتفع من (231) واقعة عام 2003 إلى (409) عام 2004 .
وبالتوازي مع تزايد العنصرية ضد المسلمين ارتفعت كذلك الدعوات العنصرية ضد الجاليات من البلاد التي يكثر مجيء المسلمين منها، خاصة القادمين من سورينام (بلد في شمال أمريكا الجنوبية) والأفارقة واللاجئين بصفة عامة، خاصة ذوي الشعور والبشرات.
وفي إيطاليا دعا وزير الاصلاحات الدستورية في وقت سابق وهو عضو في حزب رابطة الشمال المعادي للأجانب، إلى استخدام القوة ضد المسلمين وتدخل البابا بنديكتوس السادس عشر لتنظيم ما يشبه حملة صليبية جديدة، وزعم أن"الوضع خطير.. ثمة كره جنوني من جانب الشعوب الإسلامية... حان الوقت لاتخاذ اجراءات مضادة، لن يستطيع المرء التغلب على هؤلاء إلا بالقوة..".
أما في ألمانيا فقد أقرت وزيرة العدل الألمانية )بريجيت تسيبريز) بوجود تمييز ضد الاقلية المسلمة في ألمانيا، مؤكدة أن التمييز نابع من خلال ربط كثير من المواطنين بين الإسلام والإرهاب؛ إذ تقول:"ليس خافيًا أنه طرأ على ألمانيا رفض متزايد للمسلمين قائم على خوف الألمان من وقوع هجمات إرهابية مثلًا"، وأرجعت هذا الخوف إلى"الربط الدائم بين الإرهاب والإسلام في الحوارات القائمة بألمانيا؛ إذ لا يتم التمييز بين الإرهاب والإسلام في جل هذه الحوارات".
وأضافت الوزيرة الألمانية أن"المسلمين يعانون تمييزًا داخل المجتمع بسبب معتقدهم الديني، فبعض الناس يربطون بين الإسلام كمعتقد وبين الإرهاب وتنظيم القاعدة على وجه الخصوص".
تغذية الحركة العنصرية
وعند النظر إلى الأسباب الحقيقية وراء تفاقم العنصرية في الغرب سواء ضد العرب والمسلمين أو الأقليات الأخرى نجد أن هناك العديد من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية لعبت أدوارًا متباينة الحجم والتأثير في تغذية الحركة العنصرية في أوروبا، ويمكن أن نذكر منها العوامل التالية، بصفتها العوامل الأكثر تأثيرًا في نمو الحركة العنصرية:
1-ثقافة التفوق العرقي والفردية الغربية وتميز الجنس الأبيض، وهي ثقافة ساهمت مساهمة كبيرة في صناعة تاريخ أوروبا والغرب الحديثين، وبررت موجات الاستعمار والهيمنة وتدمير الشعوب الأخرى في مختلف قارات العالم.
وعلى الرغم من تخلي المجتمعات الغربية الحديثة عن كثير من مسلمات هذه الثقافة - بل ونمو ثقافة مناهضة للعنصرية فيها - فإن صورًا عديدة من ثقافة التفوق والتميز لا تزال تعشش في أعماق الوعي واللاوعي الأوروبي والغربي، فتنتج أجيالًا من العنصريين المتشبعين بنظرة التفوق والتميز على العالمين.
2 -تزايد فقدان المجتمعات الغربية لثقتها بنفسها، ومدى ثقة المجتمعات في نفسها من العوامل البالغة التأثير في دفع المجتمعات إلى الانفتاح على الآخر، أو الانكماش في وجهه، فمع الانكماش الجزئي للنفوذ الأوروبي، ومع تراجع الإمبراطوريات الاستعمارية الكبيرة، وتراجع قدرة المجتمعات الغربية على صناعة الأيديولوجيات الكبرى - كما كان شأنها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين - وظهور أقطاب اقتصادية وسياسية وأيديولوجية وعسكرية في شرق آسيا في الصين واليابان وفي العالم الإسلامي منافسة للنفوذ الأوروبي خاصة والغربي عامة، بدأت المجتمعات الغربية تشعر بضعف ثقتها في نفسها.. ومن ثم بدأت الحركات العنصرية فيها تنمو وتترعرع وتحتل المشهد السياسي في أكثر من بلد أوروبي.
3-انتشار البطالة بين الشبان الغربيين - الذين يشعرون أن الأجانب"زحفوا"على دولهم، وصاروا ينافسونهم بأيدي عاملة رخيصة، وهذا العامل له أهمية بارزة؛ إذ أثبتت استطلاعات الرأي أن قضايا البطالة من الانشغالات الرئيسة لدى المواطنين الأوروبيين، إلا أن هذا العامل يظل عاملًا محل جدل ومقاربات مختلفة، فالأجانب لا يمثلون منافسًا حقيقيًا في سوق العمل الأوروبي؛ إذ تخضع السوق في أحيان كثيرة إلى انتخاب غير مصرّح به على أساس عرقي.
فصاحب العمل حين يتقدم له شاب من أهل جنسه من البيض، وشاب آسيوي أو إفريقي أو مغاربي أو تركي - يتنافسان على منصب شغل - يفضل بشكل شبه آلي الشاب الأبيض على الشاب الأجنبي، فلا يحظى المتنافسان منذ البداية بفرص متساوية، إلا أن يكون الأجنبي متمتعًا بمزايا استثنائية لا يتوفر عليها منافسه.
4 -التصرفات السيئة والمشينة لبعض الأجانب وأبناء الأقليات العرقية المقيمة في الغرب: من عنصرية مضادة، وتورط في شبكات الجريمة والاتجار بالمخدرات، أو العيش عالة على دافعي الضرائب الغربيين؛ إذ يساهم العديد من الأجانب وأبناء الأقليات العرقية والدينية في تغذية العنصرية ضدهم بما يبدر منهم من سلوكيات مشينة مثل التحايل على القوانين والركون الطوعي إلى البطالة والعيش على الإعانات الاجتماعية، أو الانخراط في عصابات الجريمة المنظمة، أو في جماعات دينية أو سياسية متطرفة، تلك التصرفات تشعر المجتمعات الغربية بأنها مهددة في أمنها وهويتها الثقافية والدينية والاجتماعية، بما يزيد من تغذية المخاوف لديها من الأجنبي ومن أبناء الأقليات.
5-الإعلام الغربي، وهو إعلام يقوم على ترسيخ صور نمطية عن الذات والآخر: الذات بصفتها رمزًا للتقدم والنجاح والتحضر، والآخر بصفته أقرب إلى التوحش والبدائية وقلة الحضارة، وتقوم وسائل الإعلام في معظم الدول الغربية بالتركيز على العديد من القضايا التي توقظ المشاعر العنصرية في الضمير الأوروبي، فتركيز الإعلام على قضايا اللجوء والهجرة والجماعات المتطرفة في الغرب، وتصوير المجتمعات الأصلية للأقليات العرقية والدينية - التي تعيش في الغرب - بصفتها مجتمعات للحروب والتخلف والعنف والإرهاب، تصنع هالة من التوجس والخوف والانطواء تجاه الأجنبي"البربري"أو"المتوحش"القادم إلى قلب الجنة الغربية من أجل إفسادها وتدميرها.