فهرس الكتاب

الصفحة 1765 من 2255

إن أسرى كوبا يلقون ألوانًا من التعذيب والتشويه، والمعاملة اللإنسانية فمن ذلك أنهم يتركونهم في مقاعدهم لأكثر من يوم ونصف بلا أي تحرك، ومن دون تمكينهم من استخدام دورات المياه، ومن خلال تصريحات المسؤلين الأمريكان أنهم لن يترددوا في استخدام أي وسيلة يتم من خلالها إهانة وتحطيم هؤلاء الأسرى، وإنه خلال مشاهدة الصور يتضح بجلاء أن هؤلاء الأسرى يتعرضون للضرب الشديد، بل وربما إلحاق الإصابات، ويؤكد هذا ما أعلنته الإدارة الأمريكية أن كثيرًا منهم جرحى، ومما يؤكد التصرفات الهمجية للإدارة الأمريكية في شأن هؤلاء الأسرى، هذا التكتم الشديد عن وضع أخبارهم.

ومن خلال الصور للأسرى نعلم أن أمريكا لا تقيم أي وزن لمشاعر العالم كله ولا للإسلام الذي يجرم مثل هذه الأفعال وينهى المسلمين عنها.

إنهم بهذا الفعل الشنيع الغاشم خالفوا كل الأديان والقوانين، فإن من الواجبات القانونية المتفق عليها دوليًا الاكتفاء بحجز الأسرى، أو وضعهم تحت المراقبة مع العناية بهم وبشرط أن يكون مكان الاحتجاز صحيًا يراعى فيه ما يراعى في أماكن إقامة جيش الدولة الآسرة نفسها، وأيضًا يوجب القانون الدولي عدم تكبيل الأسرى إلا في حالة الهياج العصبي، وأما ربطه في التشريع الإسلامي فإنه أمر مؤقت حتى يتقرر مصيره، والحرب في العصور السابقة كانت تنتهي عادة في فترة قصيرة وأنه لو لم يفعل به ذلك لتمكن من الهروب بكل سهولة، وهذا أمر معروف.

كما أن للأسير حق الدفاع عن نفسه أو بواسطة محام من أي دولة، وهذا هو المقرر في القوانين الدولية الحديثة، وقد نصت اتفاقية جنيف في [18/10/1368 هـ] ، [12/اغسطس، آب/سنة 1949م] على أنه يحرم الاعتداء على الأسرى سواء في أشخاصهم أو شرفهم أو امتهانهم، ولذلك يحرم قتلهم مهما كانت الظروف، أو أخذهم كرهائن، أو عقابهم بلا محاكمة، أو توقيع عقوبة جماعية عليهم، أو وضعهم في السجون أو في أماكن غير صحية، أو تعريضهم لأعمال القصاص.

كما حددت اتفاقية جنيف سنة [1348 هـ، 1929م] ، الخاصة بأسرى الحرب المعلومات التي يمكن أن تطلب من الأسير، وهي لا تزيد على أن يدلي باسمه ورتبته العسكرية ورقم تحقيق شخصيته في الجيش، وليس للعدو أن يستوجب الأسير بالقوة أو أن يحاول الحصول على معلومات تفيده، وإجبار الأسير على اعترافاته، لأن الاتفاقية الأولى، والثانية لعام [1368 هـ، 1949م] ، في مادتها رقم [12] ، والاتفاقية الثالثة في مادتها رقم [13] قد نصت جميعها على ضرورة المعاملة الإنسانية.

وكل هذه الاتفاقيات والعقود مهمشة في السياسة الأمريكية رغم التوقيع عليها بل ولها الدور الأكبر في صياغتها، والسبب في ذلك أنها لا تعرف إلا العنف والشراسة، ولا تعرف للرحمة والإنسانية طريقًا، ولذلك يقول"جيمس باترسون"في كتابه" (يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة":(أمريكا أكثر الدول عنفًا في العالم) .

ونحن كمسلمين لنا شريعتنا، وهدينا الإلهي، فلا نحتفي ولا نفاخر بمثل هذه القوانين الوضعية، والاتفاقيات الطاغوتية، وقد جاءت الأحداث الأخيرة فرسخت مفهوم تفرد أمريكا بصنع القرار، ووفاة القوانين الدولية.

هذا وإنه من خلال عرض هذه الاتفاقات الدولية الطاغوتية، نعرف فضيلة التشريع الإسلامي السماوي، في المعاملة الإنسانية الحقه التي لا يزعزعها شيء ما اختلف الليل والنهار، والتي لا تتصرف فيها الحماسة العشوائية، ولا النزعات والمشاعر التي قد يغلب عليها الحقد ومشاعر الكراهية في وقت من الأوقات، وبالتالي لا ترى بأسًا في تغيير تشريعها ورغباتها في الانتقام من العدو، ومن أجل إشباع هذه الغريزة، كما يحدث تمامًا في الوقت الحالي من الولايات المتحدة، التي تتعامل مع الأسرى بقسوة لا هوادة فيها، فكانوا ضحية التنكيل والتعذيب والقتل والتشويه، تأسيًا بما هو السائد لدى إخوانهم من الروم والفرس واليهود.

إن موقف الإسلام من الأسرى قبل أربعة عشر قرنًا موقف مثالي رائع قبل أن تأتي الاتفاقيات الوهمية الكافرة التي مازالت غير نافذة إلى الآن على غالب الدول الكبرى.

إن الشريعة الإسلامية حرمت كل ما يخل بالقيم الإنسانية، في الحرب والسلم وفي المنشط والمكره، فتأمل تشريعها في حالة الأسرى فقد ضربت القدح المعلى في الرفق بالأسرى والرحمة بهم، والعناية بشأنهم، وقد قال الله تعالى في وصف عباده الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلق صراحهم في بعض الأحيان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سلمًا، فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} .

روى ذلك الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه [1808] من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه، وجاء عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير قال: (كنت في الأسرى يوم بدر فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛"استوصوا بالأسارى خيرًا"، وكنت في نفر من الأنصار، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 22/393، وفي الصغير: 1/250، من طريق محمد بن إسحاق حدثني نبيه بن وهب عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير به، وقال الطبراني في الصغير: لا يروى عن أبي عزيز بن عمير إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن إسحاق، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده حسن] .

وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز تعذيب الأسير بالجوع والعطش وغير ذلك من أنواع التعذيب لأن ذلك تعذيب ليس له فائدة.

وجاء في صحيح الإمام مسلم [1641] من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: (قال كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق، قال: يا محمد! فأتاه فقال:"ما شأنك؟"فقال: بم أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال إعظاما لذلك:"أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف"، ثم انصرف عنه فناداه فقال: يا محمد! يا محمد! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيمًا رقيقًا، فرجع إليه فقال:"ما شأنك؟"، قال: إني مسلم، قال:"لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح"، ثم انصرف فناداه فقال: يا محمد! يا محمد! فأتاه فقال:"ما شأنك"، قال: إني جائع فأطعمني وظمآن فأسقني، قال:"هذه حاجتك"، ففدي بالرجلين...) .

قال الشوكاني رحمه الله في"نيل الأوطار" [8/147] : (ومعنى قوله"هذه حاجتك"؛ أي حاضرة يؤتى إليك بها الساعة) !

فهذا دين الإسلام الحنيف، دين رحمة وعدل، وقد أمر بالعدل حتى مع أعداء الحق وخصومه، وضرب ديننا من المفاخر التي لا يمكن أن يتطاول إليها قانون دولي وضعي لا يزال حبرًا على ورق! ولن تتسامى إليها في المستقبل قواعد دولية نافذة، ونبينا صلى الله عليه وسلم جاء بالرحمة والعدل والإحسان، والله تعالى قال عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ، وقد شهد بعض عقلاء الغرب على رحمة هذا الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت