فهرس الكتاب
من هنا نقول: لابد من إعادة النظر في أحكام الهجرة، أو بتعبير أدق: في فقه الهجرة، وطبيعة الظروف المحيطة، وطبيعة الظلم، كما لابد من إعادة النظر فيما يسمى «الفقه السياسي التاريخي» ، الذي كان يشكل نقطة الارتكاز للهجرة، بشكل خاص، وتقسيم العالم إلى دار كفر ودار إسلام، كأمر جغرافي واقعي، وخطورة الاستمرار في حفظ الأحكام الفقهية ونقلها دون التبصر بمحالها وظروفها وشروط تنزيلها، والذي من مقتضياته أن ترك دار الإسلام والهجرة إلى دار الكفر والعيش فيها لا يجوز (!) فأين دار الإسلام بكل شروطها المطلوبة لتُحدد على أساسها دار الكفر؟ وأين العدل والحرية المتميزة وتطبيق الأحكام الشرعية في كثير من بلاد المسلمين لنطلق الأحكام بعدم جواز الهجرة؟
إن الإنسان المسلم كثيرًا ما يتمتع بأقدار من الحرية والحق الإنساني والقدرة على تحصيل العلم والمعرفة، وتتاح له مجالات الحوار الفكري والدعوة إلى الله في ما يسمى (دار الكفر) بما لا يتمتع به في ما يسمونه (دار الإسلام) : «إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فألحقوا ببلاده ...» .. وهذا ليس حدثًا تاريخيًا انتهى في زمانه بل سنَّة هجرة ممتدة، أو قانون هجرة ممتد، خالد خلود الإسلام ورسالته، فقد يستطيع الإنسان أن يقول في الشارع أحيانًا فيما يسمى دار الكفر ما لا يستطيع قول بعضه في بعض بلاد المسلمين اليوم.
لذلك نقول: لابد من إعادة النظر في فقه الهجرة، والنظر في أبعاد الحالة من كل الوجوه .. ولو افترضنا أن هذه الأحكام صماء جامدة فاقدة للحكمة والمرونة وشرائط التنزيل، فكيف يصل الإسلام إلى (الآخر) ويستقر في تلك البلاد ويستمر عطاؤه؟ هذا إضافة إلى أن الأمر في عصر القرية الإعلامية لم تعد تحكمه الجغرافيا، بكل معنى الكلمة، فلم يعد هناك دار متمحضة للكفر وإنما أصبح الوجود الإسلامي قائمًا ومتميزًا في أكثر بلدان الدنيا، وأصبح له مراكز ومؤسسات، ولم يعد طارئًا أو عارضًا وإنما مستقرًا ومستمرًا.
وهذه القضية تقتضي تفكيرًا في كيفية التعامل مع الظروف والملابسات، واختيار وسائل الدعوة المناسبة (للآخر) الذي اعتبره بعض الفقهاء يمثل أمة الدعوة، بينما يمثل المسلمون أمة الإجابة، بعيدًا عن التقسيمات الجغرافية الأرضية والتحول إلى الجغرافيا الثقافية، إن صح التعبير.
وليس من قبيل التكرار أن نؤكد أن المسلم لا يعاني من عقدة الاغتراب؛ لأنه يعتقد أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن وطن المسلم عقيدته، وجنسيته ثقافته، وهويته قيمه وأفكاره، وأن الإسلام ليس حكرًا على أرض أو قوم أو لون أو جنس، وبذلك فإن المسلم الملتزم بقيم الإسلام وأخلاقه وتسامحه وإنسانيته لا يشكل استفزازًا في مهجره، لونيًا أو عنصريًا أو قوميًا، بل يمتلك الكثير من أدوات التواصل والانسجام والاندماج والوسائل المقنعة في دعوة (الآخر) ، الذي لا يلبث أن يصبح من أمة الإسلام ويساهم بمستلزمات أخوة الإيمان.
من هنا نقول: إن المسلمين في المهجر ليسوا جسمًا غريبًا أو جزرًا منفصلة؛ لأن الكثير من أبناء البلاد الأصليين اعتنقوا الإسلام؛ ولأن الإسلام يمثل سقفًا عالميًا يظل الجميع، ومشتركًا إنسانيًا يستوعب عطاء الجميع، وليس عقيدة مقفلة متعصبة على جنس أو لون أو فئة أو طائفة أو قوم.. لذلك نجد الكثير من المقدمات الفكرية الخاطئة تؤدي إلى نتائج وأحكام خاطئة.
فالإسلام لا يقابل الغرب، ففي الغرب إسلام وفي الغربيين مسلمين، والإسلام لا يقابل الرجل الأبيض أو الأسود أو المرأة أو الأغنياء أو الفقراء، ففي الإسلام الأبيض والأسود والمرأة والرجل والغني والفقير، والإسلام ليس حكرًا على المهاجرين من دون الآخرين، وإنما هو مجتمع مفتوح للجميع .
من هنا ندرك أهمية البعد الرسالي للهجرة، وندرك مدى إمكانية التكيف والقدرة على إجهاض النزعات العنصرية المتطرفة والمغلقة ضد الإسلام والمسلمين، فالهجرة من أهم وسائل الدعوة والحركة والنصرة والعطاء وإيصال هذا الدين إلى كل بيت حجر أو وبر ليعود أهله مسلمين، لذلك فالهجرة جهاد بلا شوكة، بل هي من أعلى أنواع الجهاد، فإذا كانت ساحة الجهاد العسكري ميدان معركة محدودة بأرض وعدو وزمن، فإن ميدان الجهاد بالهجرة هو الحياة بكل آفاقها وأمدائها.
والهجرة محكومة بمصلحة الدعوة إلى الله وحمل الخير للعالم، فهي في مرحلة لابد أن تعلو على جميع روابط النسب والأرض والعلاقات الاجتماعية واللذائذ الدنيوية وحظوظ النفس، وأن عدم الاستجابة لها محل لسخط الله وتهديده ووعيده، قال تعالى: (( قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) ) (التوبة:24) ، لكنها في حالة أخرى، بعد الفتح، منهي عنها، وممارستها مخالفة لأمر الله؛ لأن مصلحة الدعوة هي في التثبت في الأرض والدفاع عنها وعدم إخلائها للعدو، وهي عندي أشبه بالمعركة ذات الشوكة التي يحكمها قوله تعالى: (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الادْبَار(15) وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفًا لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ )) (الأنفال:15-16) .
فأحكام الهجرة، كما أسلفنا، ليست جامدة مغلقة، وإنما هي محكومة بالمصلحة الإسلامية، محكومة بعلتها، ومحكومة بتوافر الشروط لتنزيلها على الواقع. لذلك فتعميم الأحكام على كل الحالات هو نوع من العامية الذي يقود إلى عمى الألوان وعدم التمييز . فقد تكون فرضًا مأمورًا به، وقد تكون أمرًا منهيًا عنه، ويبقى السير في الأرض واستيعاب العالم وتجاربه وتاريخه وحاضره وفهم واقعه سبيلًا لتحقيق عالمية الدعوة، وتوصيل الخير إلى جنبات الأرض، لذلك فالنظر لموضوع الهجرة من خلال البعد السلبي الذي يعني الهروب والانسحاب والانجذاب (للآخر) وجعل ثرواتنا وطاقتنا في خدمته وخدمة حضارته، هو نظر كليل ساذج لظاهرة الهجرة، وخروج بها عن أبعادها ومقاصدها.
ونحن هنا لا نقلل من خطورة الظواهر السلبية للهجرة والأسباب التي أدت إلى طرد الكفاءات من عالم المسلمين، من الاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، وانعدام الحرية وتكافؤ الفرص، وتقديم أهل الثقة وطرد أهل الخبرة، والنزف الكبير العشوائي وغير المخطط أو المبرمج، الذي ترتب على الهجرات إلى (الآخر) ، وكيف استطاع (الآخر) الإفادة منها، لكننا نقول: إن هذه الهجرات، أو هذا الرصيد من السواعد والكفاءات، أو الأدمغة والتخصصات العلمية، بقدر ما يشكل ظواهر سلبية أفرزتها حالات التخلف والاستبداد السياسي في العالم الإسلامي بقدر ما يشكل رصيدًا حضاريًا، ومخزونًا علميًا تخصصيًا، وإمكانًا ثقافيًا، وثقلًا بشريًا، ووزنًا سياسيًا، لو أعاد قراءة ذاته وأدرك رسالته الإنسانية وقدرتها على العطاء، واستلهم قيمه وتجربته التاريخية، لتحول إلى مواقع قوة وتأثير وعطاء لموطنه ولمهاجره على حد سواء.
وفي ضوء ذلك وبعض تداعياته:
أليس من الممكن اليوم اعتبار خروج بعض الأصوات الجديدة في أوروبا عامة لنصرة القضايا العربية والإسلامية العادلة، والتفهم الصحيح للمشكلة الفلسطينية والمقاومة المشروعة، هي بعض بشائر معطيات الوجود العربي الإسلامي في الغرب؟