فهرس الكتاب
فالهجرة تبقى محكومة في نهاية المطاف بثقافة الإنسان وفاعليته واستشعاره بمسؤوليته وتحقيق هدفه، فالإنسان «الكَلْ» هو وسيلة استهلاك (للآخر) ، والإنسان «العَدْل» هو وسيلة إنتاج قادرة على الإنبات في كل المواقع، سواء هاجر من الوطن أو هاجر داخل الوطن، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
إن هذا الرصيد الثقافي والحضاري للمهاجرين، وما تحقق له من الانتشار بين أبناء المهجر أنفسهم، والاستقرار والاستمرار، مؤهل لتوهين عصا الظلم، منسأة الاستبداد، التي يتكئ عليها الطغاة، ومعالجة أزمة الحضارة بقيم الإسلام، دين الإنسان.. فالهجرة سعة وتحرر وتجاوز لحالة الضعف والذل، وسير في الأرض، واستيعاب للعالم والسنن الاجتماعية، والتعرف على كيفية توصيل الخير إلى الآخرين، ولعل من أبرز أهدافها أو نتائجها هي مراغمة الأعداء المتربصين بالأمة وقيمها ونشر الخير في العالم، وإيقاف عمليات الإكراه والإجبار وإهدار كرامة الإنسان وإلغاء إنسانيته تحت شعار: (( وَالْفِتْنَةُ(الإكراه) أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ )) (البقرة:191) ، لأنه لا قيمة للإنسان بلا خيار.. فهل يكون المهاجر رسولًا لهذه القيم؟
ونقول: إنه لمن المؤسف حقًا - ولعل هذا من ثمرات التخلف أو القراءة المتخلفة للظواهر الاجتماعية- أن لا نرى من الهجرة إلاّ الوجه السلبي، ونرصد ظواهرها، ونتألم لآثارها على بلادها، دون أن نبصر أسبابها الحقيقية، وأبعادها الإيجابية، ونتائجها الممكنة، ورسالتها الحضارية، ومردودها على بلدها ومهجرها، وكيفية تحويلها من نقمة عند من لا يرى إلا الوجه المظلم إلى نعمة، بما تمتلك من رصيد علمي ومعرفي وتخصصي وخبراتي، ذلك أن التحركات البشرية وموجات الهجرة من سنن الاجتماع.
إن فقه الهجرة وكيفية تنزيل أحكامها على واقع الناس، والوعي بظروفها وتداعياتها، ووضوح البعد الرسالي للمهاجر في وطنه وفي بلد المهجر على سواء، ليس بالأمر الهين، وقرارها ليس بالأمر السهل. وقد أتينا على أنموذجين من السيرة، في الأول توعد ووعيد للمتخلفين عن الهجرة، واعتبار ذلك مدعاة لسخط الله وعذابه: (( فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) )؛ لأن في الهجرة جهاد ونصرة وسعة ومراغمة للعدو، وفي الثاني نهي عن الهجرة، واعتبار البقاء والمجاهدة والبناء والمدافعة جهاد: «فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» ، وفي كلا الأمرين كان التأكيد على النيَّة، التي تمثل البعد الرسالي، واضحًا وحائلًا دون الحركة العشوائية أو ذات المنفعة القريبة.
ذلك أنه في كثير من الأحيان قد تكون الهجرة هي نوع من الجذب والاستدعاء من (الآخر) ومحاولة لاحتياز جميع الخبرات والكفاءات في إطار النزوع صوب التفوق والتحكم في لعبة الصراع الحضاري، وبذلك تفتح المجالات وتمنح العطاءات الكبيرة والحقوق الكثيرة، وتقتصر على اختيار المهاجرين من أصحاب المواهب والكفاءات والاختصاصات والشهادات العليا المتميزة وحرمان بلادهم منهم، التي أنفقت عليهم الملايين الكثيرة، لتبقى بلادهم متخلفة وفي إطار التسول والتلقي الحضاري والثقافي.
وقد تكون الإشكالية هنا مركبة ومعقدة من بعض الوجوه، ذلك أن اليد التي تستدعي وتجذب وتتيح الفرص وتمنح الحرية والعطاء، وتراعي حقوق الإنسان في بلادها، هي اليد نفسها التي تساهم بقيام أنظمة الاستبداد السياسي، التي تكرس التخلف بطبيعتها، وتخنق الحريات، وتعدم تكافؤ الفرص، وتهدر كرامة الإنسان، وتطارد الكفاءات، وتتوهم أنها تشكل خطورة على هذا النوع من الأنظمة الشمولية الإرهابية، فلا يبقى مناص من الهجرة، سواء داخل الوطن أو من الوطن صوب (الآخر) .
وقد يكون من المفيد ونحن في إطار الحديث عن الخلل في هذه المعادلة الحضارية وغياب البعد الرسالي للهجرات، أن نأتي على بعض الإحصاءات لنرى هول النزف وحجم الخسارة وسبب التخلف، والإمكان الحضاري والثقافي لهذه الكفاءات المهاجرة؛ فالعلماء والخبراء والكفاءات هم خلاصة رحلة التفوق والمنافسة وممارسة الغلبة الحضارية وما يبذل فيها من الجهد والوقت والمال.
ففي عام 1228 كان المطّلع على حالة الناس في أوربا يرى مشهدًا غريبًا، حيث شكل هذا العام منعطفًا تاريخيًا إلى حد بعيد.
فقد حزم معظم علماء جامعة باريس أمتعتهم وغادروا إلى إنجلترا بلا رجعة، في هجرة جماعية، وكان يقف وراء هذه الهجرة الملك هنري الثالث ملك إنجلترا، الذي أدرك في ذلك الوقت المبكر مكمن القوة الحقيقي.
لقد كان هذا الملك هو مركز الجذب المغناطيسي لهؤلاء العلماء الذين تربوا في باريس وأثمروا في أكسفورد، وهكذا تاريخيًا تمتص الدول الواعية والذكية الخبرات أينما كانت، وتجتذبها وتمنحها امتيازات خاصة.. والتي لم تستطع احتيازها وضمان هجرتها إليها توظفها من مواقعها وأوطانها.
لقد فتحت أمريكا، على سبيل المثال، بصدور قانون الهجرة عام 1965م، الأبواب بكل إمكاناتها لعناصر التفوق في العالم، الأمر الذي أدى إلى تضاعف قوتها العلمية والبحثية، ومن ثم قوتها الاقتصادية والعسكرية.. ولقد كان هذا القانون الجديد للهجرة من أذكى القوانين، فقد استند إلى إكساب الجنسية على أساس المهارات وإتقانها بدلًا من الجلود وألوانها (مجلة المعرفة السعودية، مارس 2002م) ، ذلك أن المعلومة والمهارة هي قوة المستقبل، هي القوة المرنة والسلاح الأمضى في المعركة الحضارية .
لقد كشفت بعض الإحصاءات التي توفرت في السنوات الأخيرة أن عدد المصريين المهاجرين للخارج بلغوا 3 ملايين و418 ألفًا. هذا ماكشفه رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجي في مصر الدكتور علي حبيش، واعتبر أن ذلك يمثل خسارة فادحة للاقتصاد، وأن 450 ألفًا من بين هؤلاء من حملة المؤهلات العلمية العالية كالماجستير والدكتوراه، حيث استقر معظم هؤلاء في البلاد المتقدمة: الولايات المتحدة، وإنكلترا، وكندا، وأستراليا، رغم ما تتحمله الدولة من نفقات لبناء هذه المؤهلات قد تصل إلى 100 ألف دولار على الفرد.. فمصر وحدها تخسر 50 مليار دولار بسبب هجرة كفاءاتها (صحيفة الشرق الأوسط، 1/9/1994م) .
وأنموذج آخر من هجرة الكفاءات:
«لقد بلغ الأمر خلال النصف الأول من السبعينيات في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، أن الأطباء والجراحين القادمين من الدول النامية يمثلون 50%، والمهندسين 26%، وأن ثلاثًا من دول الشمال، الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، تستأثر بـ75% من جملة التدفق في الكفاءات المهاجرة» (الشرق الأوسط، 1/8/1989م) .
وهناك دراسة أعدتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة تشير إلى وجود 4102 عالم إسلامي في مختلف علوم المعرفة في مؤسسات ومراكز أبحاث غربية (جريدة الندوة السعودية، 25/2/1993م) .
ولعل قراءة الوجه المقابل للإشكالية قد يعلل بعض الأسباب: