فهرس الكتاب
فقد «أظهر تقرير نشر حديثًا أن الدول العربية تنفق دولارًا واحدًا على الفرد في مجال البحث العلمي، بينما تنفق الولايات المتحدة 700 دولار لكل مواطن، والدول الأوربية حوالي 600 دولار.. وجاء في التقرير أن كل مليون عربي يقابلهم 318 باحثًا علميًا، بينما النسبة تصل في العالم الغربي إلى 4500 باحث لكل مليون شخص.. ويكشف التقرير أن 8% من مجموع القوة العاملة العربية هاجرت، وأن 20% من مجموع الأطباء هم الآن خارج المنطقة، وأن 25% من المهندسين يعملون في بلدان أجنبية، وأن 15% من خريجي الأقسام العلمية استسلموا للهجرة الدائمة، وأن 30% من الطلاب بقوا حيث هم، وأن 27 ألف عربي يحملون درجة الدكتوراه غادروا بلدانهم إلى أوربا وأمريكا عام 1980، وأن هذا الرقم وصل إلى 32 ألف عام 2000» (جريدة الوطن القطرية، 18/3/2002م) .
هذه الإحصاءات غير المستقصية تمثل رصيدًا حضاريًا وعلميًا هائلًا لو أدركت البعد الرسالي للهجرة، والمهمة الحضارية للمهاجرين كطلائع في داخل (الآخر) .
وليس أقل خطرًا وخسارة من ذلك ما يلاحظ من ممارسة الضغط والتضييق للتخلص من الخصوم واضطرارهم للهجرة، على مستوى السياسة والثقافة، وذلك بفتح منافذ الخروج، وقد يحدث ذلك بالتفاهم المشترك مع (الآخر) الذي يستقبل المهجرين.. لذلك فأمر الهجرة والنظر في تداعياتها وإبصار النتائج ووضوح الرسالة من الأمور المهمة، فعمليات الطرد والإخلاء والإغراء بالخروج خطط مدبرة، ليتمكن العدو من الاحتلال والاستيطان والتخلص من السكان الأصليين، تنتهي بالهجرة إلى نوع من الشتات والتقطيع في الأرض أممًا: (( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الاْرْضِ أُمَمًا... ) ) (الأعراف:168) ، ونوع من التيه والضياع بدون رؤية أو هدف أو رسالة، وبذلك تتحول الهجرة إلى نوع من الخروج من المعركة بشكل أو بآخر، وما الواقع في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين عنا ببعيد.
لذلك، فالتبسيط وإنزال الأحكام بدون وعي لكل هذه الظروف قد يحدث كوارث سياسية وثقافية واجتماعية ويحوِّل النعم إلى نقم.
ولعل من الهجرات الأخطر، تلك الهجرات الفاقدة للرسالة والثقافة، وهي الهجرة داخل الوطن، الهجرة إلى ثقافة وحضارة (الآخر) ، والافتتان بها، وممارسة العمالة الثقافية أو الخيانة الثقافية للتاريخ والحضارة والأمة، أو الهجرة إلى معاهده ومؤسساته الثقافية دون مرجعية ومعايير سليمة، وبذلك يصبح الإنسان غريبًا في وطنه أو مسكونًا بثقافة (الآخر) ومن المهاجرين إليها، ولو كان ساكنًا في بلده، فليست العبرة بالمكان بقدر ما هي بالإنسان.
وما يحمله عقد العولمة، أو حقبة العولمة، من (الإكراه) الثقافي والتنميط الاجتماعي والهجرة الحضارية القسرية، وما يترافق مع ذلك من الهجرات إلى (الآخر) ، يتطلب المزيد من الوعي الكامل لكيفية التعامل، وإبراز البعد الرسالي للهجرة في الوطن، والهجرة إلى خارج الوطن.
واليوم في حقبة العولمة وثورة المعلومات، حيث أصبحت الكرة الأرضية قرية واحدة بما انتهت إليه التطورات الهائلة في وسائل الاتصال، حيث اختزل الزمان وطوي المكان وتقاربت المسافات، يمكن النظر إلى الطاقات المهاجرة من وجه مختلف، حيث أصبح الناس وكأنهم يعيشون في غرفة واحدة وليس في غرف متجاورة، وفكرة التكديس البشري أصبحت إلى حد بعيد نوعًا من التخلف والبدائية، حيث يمكن الإفادة من الخبرات العلمية والبحثية من مواقعها وكأنها في الوطن، في كل المجالات، إضافة إلى ما تمتلك من مخزون ثقافي وتجربة حضارية وقيم إنسانية تمكنها أن تحسن اغتنام مواقعها، لتقديم نماذج تثير الاقتداء وتغري بالاعتناق لهذا الدين والعيش في رحاب رحماته، بعيدًا عن التعصب والغلو والعنصرية، التي بدأت تجتاح العالم من خلال تجديد النظرة إلى الأغيار وتشييع فكرة العلو العرقي أو الشعب المختار، هذا إضافة إلى ما يمكن أن تعطيه لمواطنها الأصلية.
ونعود إلى القول: إنه بعد حقبة العولمة وثورة المعلومات وهذا التطور السريع في وسائل الاتصال، حيث أصبح الإنسان يرى العالم ويحاكيه من وراء مكتبه أو من بيته ودائرته ومختبره ومستشفاه، حتى من غرف العمليات الجراحية، لا بد من إعادة النظر والتقويم والمراجعة لظاهرة الهجرة وهذا الرصيد المهاجر من السواعد والأدمغة، الذي يعيش في إطار (الآخر) ، وإعادة التفكير في كيفية استرداد دوره الرسالي؛ لأن التكنولوجيا الحديثة قضت على أسباب وآثار الاغتراب، وأمكنها تحقيق الكثير من الارتكاز الحضاري والتواصل الثقافي وحمل الهم الوطني، لا أقول عن بُعْدٍ، حيث لم يبق بعدًا.
فإلى أي مدى يمكن الإفادة من هذه الثروات، أو هذا الرصيد المهاجر من الكفاءات، في الارتقاء بالواقع الإسلامي على المستويات جميعًا، واعتبار تلك المواقع العلمية والعملية هناك ميادين خبرة ودراية وتخصص تصب نواتجها في العالم الإسلامي، وتساهم بنهضته، وتحقق حضورًا عمليًا واستشاريًا ومعلوماتيًا في عالمها؟
فالسؤال المطروح اليوم: كيف نستفيد من هذا الكفاءات ونوظفها من مواقعها؟
وكيف لها أن تمنحنا بعدًا حواريًا ثقافيًا وحضاريًا ووسائل دعوة بين الإسلام والمسلمين و (الآخر) ؟
وكيف يمكن من خلال التواصل والتثاقف أن تشكل طلائع متقدمة للأنموذج الإسلامي الذي يثير الاقتداء ويغري بالاتباع؟
وكيف يمكنها تصويب الصور المشوهة، واستلال الأحقاد التاريخية، والانتصار لقضايا الحق والعدل؟
إن المهاجرين هم الجسر الحضاري ووسائل الاتصال أو طرق المواصلات لحمل الإسلام وتجسيده في واقع الحضارات والثقافات الأخرى بعيدًا عن المواجهة والاستفزاز، حتى تكون الهجرة لله ورسوله، وتتحقق بالبعد الرسالي وتتحول من ظواهر نزيف سلبية إلى فعل إيجابي يحمل الخير لبلدها الأصلي، بلدها الأم، وموطنها المختار المهجر، وتضيف بعدًا غائبًا بأن الهجرة جهاد بلا شوكة سلاح، فهي ليست جهاد عضلة وساعد وإنما جهاد فكرة ومعرفة ومعلومة، التي سوف تشكل قوة المستقبل -كما أسلفنا- وأن مراغمة الأعداء ليست بالانتصار العضلي عليهم وإنما بمنافستهم في ميدان السبق العلمي والمعرفي والالتزام الخلقي والسلوكي، الذي يحمي مسيرة العلم من البغي والفساد والتسلط، تبصرًا بالعواقب والمآلات البعيدة وليس بالنتائج القريبة التي قد يجول فيها الباطل جولة.
وبعد:
فهذا الكتاب يشكل محاولة جادة لإعادة طرح ظاهرة هجرة الكفاءات وتداعياتها السلبية، على مستوى الذات، وما تشكله من خسارات مادية ونزيف يساهم في إنهاك مواطنها الأصلية وتكريس التراجع والتخلف فيها، في الوقت الذي تعتبر إحدى المكونات والمقومات المهمة في حضارة (الآخر) وتأهيله للغلبة الحضارية، الأمر الذي شكل همًا لكثير من المفكرين والباحثين الذين استشعروا الخطر وأدركوا النتائج.
وقد حاول الكتاب إعادة فتح ملف الهجرة، على كثرة ما كتب فيه وما قدم من معالجات ورؤى، لينظر إليها من وجه مختلف، أو من الوجه الآخر، الوجه الثقافي، أو ما ارتأينا أن يكون عنوانه: «البعد الحضاري لظاهرة الهجرة» ، على اعتبار أن الهجرة ليست ظاهرة سلبية هروبية انسحابية، وإن تضمنت بعض الهجرات شيئًا من هذا، وإنما هي حركة إيجابية ذات أهداف رسالية ووسيلة دعوية متميزة لإلحاق الرحمة بالعالمين.