فهرس الكتاب

الصفحة 1817 من 2255

من هذا المنطلق ذي الوجهين: عالمية الدين المقتضية للتبليغ، وواجب الاستفادة من الحقّ الذي يتضمّنه الكسب الإنساني العامّ، يمكن أن ترتسم الملامح الأساسية لمحتوى البعد الرسالي في هجرة العقول المسلمة إلى الغرب، إذ يكون هو أيضًا محتوى ذا اتّجاهين متكاملين: ينحو في الأوّل منحى العطاء بتبليغ الإسلام إلى أهل الغرب، وينحو في الثاني منحى طلب الحقيقة من كسوبهم العلمية الكونية والتقنية والإدارية لإفادة الإسلام والمسلمين بها، فتكون إذن رسالة مزدوجة النفع: عطاء لما هو موجود من حقائق الإسلام وقيمه، وأخذ لما هو مفقود من حقائق العلم الكوني والتقني والإداري.

أ- رسالة التبليغ:

تعني هذه الرسالة تبليغ الدين لأهل الغرب، وهو تبليغ لرسالة إيمانية حضارية شاملة، تتعلّق بالمعتقد المفسّر للوجود وللكون وللحياة، كما تتعلّق بالقيم الخُلقية والإنسانية العامّة، وبالقوانين المنظّمة للحياة في جميع وجوهها، توخّيًا في ذلك كلّه لسبل مختلفة متعدّدة، تلتقي جميعها عند الحسنى في طريقة التبليغ، وتفترق بعد ذلك من حيث الكيفية، بحسب أحوال المخاطبين بالدعوة، وبحسب الظروف المحيطة بها.

والعقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب هي عقول تنتمي إلى الإسلام وأهله، معتقدًا وحضارة وتاريخًا، وهي وإن كان بعضها لا يلتزم بالإسلام التزام دعوة وتبليغ أو التزام تطبيق شامل لمقتضياته، فإنّها جميعها أو معظمها تحمل رؤيته العقدية الفلسفية المفسّرة للوجود، كما تحمل قيمه الإنسانية والحضارية العامّة، وهي لذلك تعتبر بهجرتها إلى ديار الغرب نقلة لأنموذج ثقافي حضاري من مناخه الإسلامي إلى مناخ غربي ذي ثقافة وحضارة مغايرة، وذلك ما يوفّر فرصة لدور رسالي يمكن أن تقوم به هذه العقول في مهجرها الجديد. ويتمثّل هذا الدور الرسالي بمجمله في تبليغ الإسلام إلى أهل الغرب تبليغًا يشمل جوانبه المختلفة، ويتمّ بأساليب متنوّعة بحسب المقامات والأوضاع.

ومن هذا التبليغ تبليغ عقدي، يتمثّل في عرض دعوي للإسلام في تفسيره للوجود وفي تنظيمه للحياة، وفق ما تسمح به الظروف والمقامات، وذلك على اعتبار أنّه رؤية أخرى غير الرؤية السائدة عند الناس في بلاد الغرب، وعلى اعتبار أنّ تلك الرؤية تحمل من الحقّ والخير للإنسانيّة ما تكون به حلاًّ لما تعانيه من المشاكل المختلفة الوجوه، بحيث تكتسب في عقول المخاطبين مصداقية تجعلها جديرة بالاهتمام والنظر والتأمّل. وهذا الضرب من التبليغ ينحو المنحى النظري، وساحته في الغالب هي ساحة الحوار الفكري والتدافع الفلسفي بين المفاهيم والنظريات والمذاهب.

ومنه تبليغ قيمي، يتمثّل في عرض دعوي أيضًا للقيم الإسلامية ذات الطابع الخُلقي والإنساني منها على وجه الخصوص، وهو عرض لمنظومة من القيم المتكاملة التي تحدّد المبادئ الكبرى الحاكمة للعلاقات بين بني الإنسان سواء على المستوى الإنسانيّ العامّ، أو على مستوى الجماعات والفرق، أو على مستوى الأسر، أو على مستوى الأفراد.

وإذا كان هذا التبليغ القيمي يمكن أن يكون عرضًا نظريًا حواريًا، فإنّ الجانب الأهمّ فيه هو العرض الفعلي العملي متمثّلًا في التحلّي بتلك القيم في التعامل مع الآخرين على جميع مستويات التعامل، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا، بحيث تقدّم تلك المنظومة القيمية للناس أنموذجًا عمليًا يعيشها أهل الغرب واقعًا في تعاملهم مع العقول المهاجرة، ويشاهدونها أنموذجًا تطبيقيًا في حياتهم.

ومنه تبليغ حضاري تعميري، يتمثّل في عرض الأنموذج الإسلامي من جهة التعمير في الأرض، وذلك فيما يتعلّق على سبيل المثال بالاهتمام بالعلم الكوني والجدّ فيه بالبحث والابتكار، والاهتمام بالتكنولوجيا والجدّ فيها بالاختراعات والتصنيع، والعناية بالعمل كلّه والإتقان فيه، والإحسان في التعامل البيئي في كلّ اتّجاهاته ومستوياته، والإنتاج الفنّي المميّز في المجال المعماري خصوصًا وفي غيره من المجالات عمومًا، والنحو في ذلك كلّه نحوًا ثقافيًا إسلاميًا يبدو في مختلف تلك التصرّفات، إن بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بحيث يرتبط في ذهن المتعامل معها والراصد لها ظاهرها المشهود بخلفيتها المرجعية الثقافية الإسلامية.

ومن البيّن أنّ هذا العرض الدعوي الحضاري هو بالأساس عرض عملي تطبيقي، وإن كان فيه من دورٍ للمناظرة والحوار فهو دور تابع للتطبيق والعمل.

ب- رسالة الانتفاع:

لا شكّ أنّ البلاد الغربية حقّقت أقدارًا كبيرة من التقدّم في العلوم الكونية وتطبيقاتها التكنولوجية، وفي التنظيم الإداري والسياسي للحياة الاجتماعية.. والعقول الإسلامية المهاجرة، بما تنطوي عليه من قوّة، قادرة على أن تستوعب ذلك التقدّم بكفاءة عالية، بل هي قادرة على أن تساهم فيه بالإنتاج كما أثبتت ذلك التجربة الواقعية متمثّلة في تحقيق الكثير منها لإنجازات اختراعية معتبرة وصلت بها إلى أعلى مراتب الجوائز العالمية.

وبما أنّ هذه العقول المهاجرة، وإن كانت قد انتقلت من بلادها الإسلامية إلى البلاد الغربية، فإنّ ذلك لا يعني انبتاتها عن البلاد التي هاجرت منها، بل هي حتى وإن هاجرت الهجرة الدائمة فتكون بالمعنى السياسي منتمية إلى مهاجرها، فإنّها تبقى باعتبارها مسلمة منتمية إلى دائرة الأمّة الإسلامية، بالمعنى العقدي والثقافي والحضاري، وهذا الانتماء يقتضي منها أن تقوم بدور رسالي تجاه الأمّة التي تنتمي إليها، ولكنّه دور رسالي في اتّجاه معاكس للدور السابق، إذ هو يتّجه من بلاد المهجر نحو البلاد الإسلامية.

ويتمثّل هذا الدور في إفادة البلاد الإسلامية بما يتيسّر الإفادة به ممّا توصّلت إليه الحضارة الغربية من العلوم الكونية والاختراعات التقنية والنظم الإدارية، وذلك بنقل تلك المكاسب إلى المسلمين، وتيسير سبل استفادتهم منها، وإدخالها إلى حركة الحياة، ويمكن أن يشتمل هذا الدور على عدّة عناصر مختلفة ولكنّها متكاملة.

ومن تلك العناصر: تمثّل مكاسب الحضارة الغربية تمثّلًا صحيحًا، سواء تعلّق ذلك بالعلوم الكونية أو بالعلوم الإنسانية، بحيث تكون العقول المهاجرة مستوعبة لتلك المكاسب على حقيقتها كما هي عند أهلها دون تأويل لما يقبل منها التأويل، استيعابًا يشمل مفردات العلوم كما يشمل منازلها في الشبكة المعرفية العامّة، عموديًا في التاريخ، وأفقيًا في المشهد المعرفي الشامل، فيكون علمهم فيها لا يقلّ عن علم مخترعيها بها، تحصيلًا للموجود المتراكم، ومتابعة للحادث الجديد، وذلك على نحو ما كان من صنيع الإمام الغزالي حينما درس، الفلسفة اليونانية فاستوعبها بدقّة فاقت أحيانًا علم أهلها بها، كما يبدو فيما دوّنه في كتابه الشهير «مقاصد الفلاسفة» .

ومنها تبيّن الخلفيات الثقافية والأسس المرجعية لكلّ ما يقع استيعابه من تلك العلوم، سواء ما كان منها كونيًا أو تكنولوجيًا أو إنسانيًا، فإنّه لا شيء منها إلاّ وهو ناشئ في منشأ ثقافي فلسفي ذي صفات خاصّة، فيكون متأثّرًا بذلك المنشأ، إن قليلًا أو كثيرًا، وإن بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فيكون استيعاب العقول المهاجرة لتلك المكاسب العلمية استيعابًا لذاتها، واستيعابًا أيضًا لعللها وأسبابها، ومراجعها وموجّهاتها، وأهدافها ونهاياتها، بحيث يكون العلم بها غير مقتصر على صورها، وإنّما يكون شاملًا لأبعادها المختلفة، فنّية وثقافية وفلسفية، مهما بدا في بعضها من تمحّض فنّي مثل بعض العلوم الكونية والتكنولوجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت