فهرس الكتاب
ومنها العمل على نشر تلك المكاسب العلمية في أوساط الأمّة الإسلامية وترويجها فيها، وذلك بتيسير وصولها إليها في مؤلّفات توجّه بحيث تناسب أوضاعها، أو بالتعليم المباشر في مؤسّساتها حينما تسنح الفرصة لذلك، أو بمساعدة مؤسّساتها العلمية بأيّ وجه من وجوه المساعدة على الحصول عليها ونشرها ضمن برامجها، أو بمساعدة أبناء الأمّة من البعثات الدراسية العلمية على استيعاب أكبر الأقدار منها، أو بأيّ وجه آخر من الوجوه الميسّرة لانتقال تلك المكاسب العلمية المختلفة الوجوه إلى الأمّة الإسلامية.
ومنها تهيّئة المكاسب الحضارية الغربية في وجوهها التطبيقية، بحيث تتلاءم مع الوضع الثقافي للأمّة الإسلامية، وتسهم في تنميتها من خلال تلك الثقافة، لتنحو في وجهتها الحضارية وجهة متميّزة تتلافى فيها النواقص والمنزلقات التي وقعت فيها الحضارة الغربية، وتنسجم مع المقاصد التي يحدّدها دينها الذي هو منبع ثقافتها ومرشد مسيرتها، وذلك بما يكون من ملحظ في التعامل معها لمناشئها الثقافية ومرجعياتها الفلسفية التي تؤثّر فيها صياغة وغاية وتطبيقًا، فيفصل فيها ما هو حقائق مجرّدة عمّا هو مستصحبات ثقافية فلسفية، وتقدّم من قبل العقول المهاجرة للأمّة على هيئة من ذلك الفصل، وعلى تنبيهات إلى تلك المستصحبات، لتكون ملائمة لوضعها الثقافي ومقاصدها الدينية.
إنّ هذا المحتوى للبعد الرسالي في هجرة العقول المسلمة، في طرفي الأخذ والعطاء، من شأنه أن يغيّر طبيعة تلك الهجرة من مجرّد حركة انتقال آلي تحوّلت به تلك العقول من ضفّة حضارية إلى أخرى، ومن نمط اجتماعي إلى آخر، عابرة ما بينهما من هوّة في سبيل تحقيق مآرب فردية ضيّقة، مثل العيش في رفاهية من الحياة، أو الاطمئنان بالأمن، أو إشباع الطموح العلمي، مع بقاء تلك الهوّة الفاصلة على حالها، إلى انتقال يحمل معه مخزونًا ثقافيًا قيميًا حضاريًا يبلّغه إلى أهل الغرب، ويشارك به في حركة الحوار الحضاري من أجل المصلحة الإنسانية العامّة.
ومن شأن ذلك أن يغيّر من طبيعة تلك الهجرة لتكون هجرة واصلة بين حضارتين، تحمل من كلّ منهما إلى الأخرى ما هي في حاجة إليه من الحقّ النظري والعملي، لينمو الخير فيها وتضيق مساحة القصور، فتضيق إذن تلك الهوّة الفاصلة، وتقترب الأمّة الإسلامية من أمم الغرب بما تقدّم إليهم من القيم الخُلقية والدينية، وبما تأخذ من الكسوب المادّية والإدارية، وفي ذلك خير الإنسانية، وفيه على وجه الخصوص خير الإسلام والمسلمين.. وإنّ العقول الإسلامية المهاجرة لمَؤهّلة للقيام بهذا الدور الرسالي في هجرتها.
4-مؤهّلات العقول المهاجرة للدور الرسالي:
إنّ العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب تتوفّر على مؤهّلات كثيرة للقيام في هجرتها بالدور الرسالي الذي شرحنا محتواه، سواء في طرف العطاء أو في طرف الأخذ، وهو ما يمكّنها من القيام بذلك الدور على وجه فاعل لو قدّرت تلك المؤهّلات التقدير الصحيح ثمّ استثمرت الاستثمار الأمثل ضمن خطّة متكاملة واعية. وتبدو تلك المؤهّلات في مؤهّلات ذاتية تتعلّق بإمكانيات تلك العقول وقدراتها، وفي مؤهّلات موضوعية تتعلّق بالوضع الذي هي عليه، والمناخ الثقافي والاجتماعي العامّ الذي تعيش فيه.
أ- المؤهّلات الذاتية:
لا شكّ أنّ العقول الإسلامية المهاجرة هي من صفوة عقول الأمّة في قدراتها الذاتية: ذكاء وقدرة على التحصيل والاستيعاب والتحليل، فأغلب تلك العقول ذهبت إلى الغرب ضمن بعثات علمية يُتخيّر فيها الأفضل فالأفضل من الخرّيجين، وكثير منها هاجر به طموحه إلى الأعلى في سلّم العلم، وهو ما يكون ناشئًا في الغالب عن استشعار لقدرات التحصيل المعرفي، وقد يكون هو بدوره منمّيًا لتلك القدرات إلى أعلى المستويات، وبذلك يتوفّر في تلك العقول شرط أساس هو الكفاءة العقلية للقيام بالأدوار المهمّة مثل هذا الدور الرسالي الذي نحن بصدد الحديث عنه.
وقد تعزّزت في العقول المهاجرة تلك القدرات الذاتية بالمحصول العلمي الذي تحقّقت به خلال ممارستها العلمية في بلاد الغرب، إذ هي عقول في أغلبها ممارسة للعلم النظري أو التطبيقي، بالغة فيه درجات عالية، كما يتبيّن من حصول بعضها على أعلى الجوائز العالمية، وذلك ما يعتبر رصيدًا مهمًّا في مؤهّلاتها الذاتية، حيث تفتح الحصيلة العلمية للعقل آفاقًا بعيدة في النظر، وتنقله من ضيق الذاتية، شخصيّة وعرقية وإقليمية، إلى رحابة الإنسانية في أبعادها المختلفة، إذ العلم على اختلاف فروعه هو إنتاج متراكم للإنسانية، فالتحقّق به يفتح الأبواب على أفق الإنسانية، ويكون معوانًا على السعي في الحوار والتفاعل الإيجابي، نفعًا وانتفاعًا، وهو ما يقتضيه الدور الرسالي، كما تقدّم بيانه.
ومن المؤهّلات الذاتية لهذه العقول الإسلامية المهاجرة أيضًا: ما توفّرت عليه من اطّلاع واسع على الأوضاع الواقعية للعالم الغربي، في أبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فهي بالإضافة إلى قدراتها العقلية ومحصولها العلمي الممكّنة من الاستنتاج النظري تمارس العيش في تلك الأوضاع، وتقف على مكوّناتها الظاهرة والخفيّة، وهو ما يمكّنها من فهم أعمق للواقع الغربي بفهم أسبابه وعوامله وخلفياته، إضافة إلى فهم ظواهره وأحداثه، وذلك أمر مهمّ في التعامل معه تعامل حوار فاعل مثمر.. ومن أهمّ المؤهّلات الرّسالية في أيّة علاقة دعوية فهم الواقع مناط الدعوة، الفهم الصحيح العميق.
ويضاف إلى تلك المؤهّلات الذاتية ما تتوفّر عليه العقول المهاجرة من تحقّق بالثقافة الإسلامية، إن لم يكن على مستوى الالتزام الفعلي فعلى مستوى الوجود بالقوّة، إذ هي عقول نشأت في أغلبها في بيئات إسلامية تشرّبت منها القيم العامّة التي تقوم عليها تلك الثقافة، فهي إن لم تكن ملتزمة بالفعل بثقافة أمّتها فإنّها تحمل استعدادًا للالتزام بها. وإذا ما أُضيف ذلك التحقّق بالثقافة الإسلامية، فعلًا أو استعدادًا، إلى الفهم العميق للواقع الثقافي الغربي حصل من هذا التحقّق المزدوج مؤهّل مهمّ للوساطة الحوارية بين الطرفين، ممّا يفضي إلى قدرة على القيام بالدور الرسالي الذي نحن بصدد بحثه.
بمجموع هذه المؤهّلات الذاتية للعقول المهاجرة، ما كان منها فطريًا وما كان مكتسبًا بالسعي أو مكتسبًا بالمناخ المعيش، يمكن أن تتمكّن هذه العقول من القيام بدور رسالي في هجرتها إلى البلاد الغربية، إذ هي بتلك المؤهّلات تكون منطوية على قابلية كبيرة للوعي بذلك الدور، وهو أولى المراحل اللازمة فيه، كما تكون بها قادرة على المضيّ في إنجازه حينما تستثار تلك المؤهّلات وتوظّف التوظيف الأمثل لأجل ذلك الإنجاز، خاصّة وأنّ تلك المؤهّلات الذاتية تجد لها تعزيزًا في مؤهّلات أخرى موضوعية من واقع المناخ الحضاري الذي تعيش فيه العقول المهاجرة.
ب- المؤهّلات الموضوعية: