فهرس الكتاب
بالإضافة إلى تلك المؤهّلات الذاتية المتحقّقة في العقول الإسلامية المهاجرة للقيام بدورها الرسالي، فإنّها تتوفّر أيضًا على مؤهّلات للقيام بهذا الدور من حيث البيئة الغربية التي هي مسرح وجودها ونشاطها.. فهذه البيئة بالرغم من كونها بيئة مغايرة في جذورها الفلسفية وفي تشكيلها الثقافي للرسالة الإسلامية إلى حدّ التعارض في كثير من العناصر، إلاّ أنّها تنطوي على جملة مهمّة من المعطيات المؤهّلة لدور رسالي تقوم به العقول الإسلامية المهاجرة، وذلك سواء بالنظر إلى المناخ الروحي النفسي الذي يسود تلك البيئة، أو بالنظر إلى الوسائل المتاحة للحوار والتبليغ.
فالمجتمع الغربي يعاني معاناة مضنية من الإرهاق المادّي جرّاء المذاهب الفلسفية المادّية التي صاغت حياته فأفضت به إلى فقر روحي مدقع، ظهر في مستوى المشاعر الفردية وفي مستوى العلاقات الأسرية والاجتماعية على حدّ سواء، وأفضى إلى جملة من المشاكل النفسية والاجتماعية من مثل الاكتئاب والإجرام والمخدّرات والاضطراب الأسري.
وبما أنّ هذا الوضع نشأ من خلل في الفلسفة التي بنيت عليها الحياة، إذ هي فلسفة تعتدي على الفطرة الإنسانية ذات البعدين المادّي والروحي، بإفراطها في الأوّل وإجحافها في حقّ الثاني، فقد ظهرت بوادر كثيرة فردية وجماعية تعبّر عن الرّفض لهذا الاعتداء على الفطرة الإنسانية المزدوجة، وباتت تطلب تعديل الميزان بالبحث عن مذاهب ذات بعد روحي تجد فيها النفوس تحقيق أشواقها الروحية، وهو ما بدا في انتماء الكثيرين من أهل الغرب إلى أديان ونحل شرقية روحانية، وسقوط أخرى في ضروب من التهويمات والأساطير ذات الطابع الروحي، فما ذلك إلاّ تعبير عن الحاجة إلى مذهب جديد يحقّق الفطرة التي تعرّضت إلى الإجحاف.
ولو عرض الإسلام في هذا المناخ المتعطّش للروحانية عرضًا رشيدًا لكان رسالة تتلقّاها نفوس أهل الغرب المرهقة بالمادّة لما تجد فيه من توازن تشبع فيه أشواق الروح وتلبّى مطالب الجسم، إذ هي مؤهّلة بحكم الوضع الذي آلت إليه لتلقّي تلك الرسالة.
وبما أنّ أهل الغرب بصفة عامّة قد قامت حياتهم على احترام العلم والعلماء، واحتلّ التميّز والرّيادة والمتميّزون والروّاد في سلّم قيمهم درجات عالية، فإنّ ذلك سيحدّد موقفهم النفسي والفكري من العقول الإسلامية المهاجرة، وقد اتّصفت في أكثرها بالتميّز والجدّية والريادة، لتحتلّ هذه العقول في نفوسهم وعقولهم مكانة عالية من الاحترام والتقدير لتميّزها وريادتها.
وحينما يمارس أصحاب هذه العقول مهمّة رسالية بما يبلّغون من قيم حضارية، تبليغًا قوليًا أو فعليًا، وبما يرغبون فيه من الفوائد العلمية لتمثّلها أو تبليغها لمن وراءهم من أهل أوطانهم الأصلية، فإنّ ذلك يقوم مقام الاقتران الشرطي مع ما وقر في النفوس من الاحترام والتقدير، فتنفتح تلك النفوس للتفاعل الإيجابي، وتستعدّ للاستجابة بتقبّل الرسالة في اتّجاهي العطاء والأخذ، وهو ما يعتبر مؤهّلًا موضوعيًا من المؤهّلات الرسالية للعقول المهاجرة.
ويضاف إلى ذلك من المؤهّلات الموضوعية ما تتوفّر عليه الحياة في الغرب من المناخات الميسّرة للتواصل، ومن الوسائل المساعدة عليه. فالحرّية التي هي شرط أساس من شروط التبليغ قائمة السوق في تلك الديار بأقدار كبيرة، وهو ما يمكّن من استحداث مختلف القنوات التنظيمية والإجرائية للاتّصال بمختلف فصائل الناس، والتحاور معهم في مختلف الشؤون، وتبليغ الرسالة إليهم.. والوسائل التقنية الميسّرة للاتّصال، والمقرّبة للمسافات، والعابرة للحواجز، هي أيضًا سوقها قائمة، ممّا يمكّن من التعريف الواسع بما يراد التعريف به من القيم الثقافية والحضارية الإسلامية.. كما يمكّن أيضًا من يسر الحصول على المستجدّات من العلوم والمخترعات، وتبليغها في الإبّان، ليستفيد منها العالم الإسلامي الاستفادة المثلى.
وبإضافة هذه المؤهّلات إلى بعضها، الذاتية منها والموضوعية، يتبيّن أنّ العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب تتوفّر على قدر من المؤهّلات للتبليغ الرسالي لا تتوفّر على كثير من عناصره العقول الإسلامية التي تعيش داخل العالم الإسلامي، وهو ما يقوّي من واجب الالتفات إلى هذه العقول، وتوجيهها إلى أن تقوم بدورها الرسالي الذي هيّأها القدر لتقوم به، وهيّأ شروطه ومستلزماته، لتتحوّل تلك الصورة السلبية لهجرة هذه العقول، باعتبارها نزيفًا من رصيد الأمّة لصالح غيرها، فيُرى منها أيضًا وجه آخر إيجابي، بل هو على قدر كبير من الإيجابية، وليقع العمل على تشخيص ذلك الوجه وتوضيحه، ثمّ على تفعيله ليصير نفعه واقعًا ملموسًا، وليأخذ طريقه في الإثمار.
5-تفعيل البعد الرسالي لهجرة العقول المسلمة:
إذا كان في هجرة العقول المسلمة إلى الغرب ذلك البعد الرسالي، وإذا كانت تلك العقول مؤهّلة على النحو الذي وصفنا للقيام بدور رسالي، فهل هي قائمة فعلًا بذلك الدور؟ وإذا لم تكن قائمة به فما السبيل إلى القيام به لتؤتي تلك الهجرة ثمرتها الإيجابية، وتعوّض ما خسرته الأمّة من تميّزها وريادتها بنزوحها عنها، وذلك بما تؤدّيه من عمل بعيد المدى في التفاعل الحضاري المنتج بين ديار الإسلام وديار الغرب؟
لا شكّ أنّ العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب قامت وتقوم ببعض الأعمال الرسالية منذ عقدين أو ثلاثة من الزمن، وهو ما يتمثّل بالأخصّ في ذلك النشاط الدعوي الإسلامي الذي لا يخلو منه بلد من البلاد الغربية، مهما يكن قويًّا أو ضعيفًا، والذي تشارك فيه بعض العقول المهاجرة وإن لم تكن هي المحرّك الأساس فيه في بعض الأحوال.. كما يتمثّل في بعض ما يقام من الحوار الثقافي والحضاري بين المسلمين وبين أهل الغرب، عبر بوادر فردية أو عن طريق مؤسّسات ثقافية فكرية.
ولكنّ ذلك كلّه لا يرقى إلى ما هو دور رسالي مأمول من هذه الهجرة للعقول الإسلامية، لا من حيث الحجم ولا من حيث الكيف، وهو ما يستلزم بذل جهود تفعيلية من أجل استنهاض تلك المؤهّلات التي تتوفّر عليها العقول المهاجرة، وتوجيهها نحو القيام بالدور الرسالي على النحو الذي وصفنا آنفًا.
ولعلّ من أهمّ وسائل التفعيل الذي يمكن أن يثمر الثمرة المرجوّة ما يلي:
أ- استكشاف العقول المهاجرة وحصرها:
إذا كانت العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب معلومة في جملتها، وتتردّد إحصائيّات تقريبية في شأنها بين الحين والحين، فإنّ حقيقتها الكاملة غير محدّدة ولا معلومة، وهو ما يستلزم في سبيل تفعيل دورها الرسالي أن تُعلم أوّلًا بأكثر ما يمكن من وجوه العلم، وأن تتّضح صورتها الجملية والتفصيلية؛ وذلك لينطلق العمل التفعيلي من منطلق معلوم، ويمارس نشاطه على أرض بيّنة المعالم، وهو ما يندرج ضمن القاعدة الأساسية التي تفرض في سبيل الجدوى أن يكون تفعيل أيّ مادّة مبنيًا على العلم بطبيعتها.
ويمكن أن يقوم بهذا العمل الإحصائي الممهّد للتفعيل رابطةٌ عالمية تتأسّس لهذا الغرض، فتجمع العقول المهاجرة في العالم الغربي، وتقيم لها فروعًا في المراكز الكبرى من ذلك العالم، ثمّ تقوم بعمل إحصائي شامل لتلك العقول على وجوه عدّة.