فهرس الكتاب
ومن تلك الوجوه الإحصائيّة: حصر أعداد هذه العقول بأكبر قدر ممكن، وحصر تنوّعها في توزّعها الجغرافي، وفي اختصاصاتها العلمية، وفي توجّهاتها الثقافية، وفي مكانتها الريادية، وفي مقاماتها الوظيفية، وفي استعداداتها المختلفة للعطاء، ليقع الانتهاء من كلّ ذلك إلى صورة متكاملة عن العقول الإسلامية المهاجرة من حيث ذات الأفراد بأكبر قدر ممكن، ومن حيث الهيئة الجماعية التي تتكوّن من أولئك الأفراد، فإذا خارطة العقول المهاجرة التي ستكون مسرح الحركة التفعيلية لدورها الرسالي واضحة المسالك، بيّنة المواقع.
ب- التوعية بالهدف الرسالي:
مهما يكن من وجود أعداد من العقول المهاجرة تتمثّل دورها الرسالي من هجرتها بمفهوم مّا من المفاهيم، فإنّ الأكثر منها ليست على وعي كاف بهذا الدور، أو ليست على أيّ وعي به أصلًا؛ فالذين هاجروا إلى الغرب من أصحاب هذه العقول كانت هجرتهم لأسباب أخرى غير السبب الرسالي، وقد أخذت هذه الأسباب معظمهم لتزجّ بهم في زحام مشاهد أخرى من مشاهد الحياة انشغلوا به فغفلوا عن المشهد الرسالي، وذلك ما يستدعي أن تقوم في أوساط هذه العقول المهاجرة حركة توعية بالبعد الرسالي في هجرتها ليكون ذلك أساسًا للانطلاق في إحياء ذلك البعد وتفعيله.
وقد يسهّل هذه التوعية الرسالية ما أشرنا إليه آنفًا من بعد دعوي مستكنّ في ضمائر المسلمين عمومًا وفي ضمائر النخبة المثقّفة منهم خصوصًا؛ فالخلفية الثقافية للمسلم تحمل معاني التفاعل بين المسلمين وبين بني الإنسان عامّة، في طرفي العطاء والأخذ لما هو حقّ وخير، وهو ما ترسّب في المخزون المرجعي للمسلم جرّاء تعاليم الدين وجرّاء مسيرة التاريخ، وخاصّة فيما يتعلّق بهما من أمر الهجرة وآدابها.
فهذا الرصيد المخزون سواء كان مشعورًا به أو غير مشعور، يمكن استثماره في حركة التوعية بالمهمّة الرسالية للهجرة في أوساط العقول المهاجرة، إذ من الميسور أن يُستدعى ذلك المخزون الثقافي، ويُستنهض في سبيل إحداث وعي عامّ في تلك العقول بأنّ هجرتها ينبغي أن تكون هجرة هادفة على غرار هجرة الأنبياء والمصلحين التي كانت غايتها، التي لا تعلو عليها غاية، تبليغ الخير للناس مهما يكن في طريق تلك الغاية العليا من غايات مرحلية.
ولعلّ من أهمّ ما يُستنهض به هذا المخزون الثقافي تعهّد مفهوم الانتماء للأمّة الإسلامية والولاء لها لدى العقول المهاجرة بالتجلية والتصحيح والتقوية، وذلك ليأخذ وضعه الحقيقي في المنظومة العقدية، حيث يحتلّ هذا العنصر فيها موقعًا أساسيًا؛ فهذا المفهوم ربّما اعترته بعض الغشاوات عند بعض تلك العقول، وذلك بسبب بعد الشقّة بينها وبين أمّتها، أو بسبب انخراط بعضها في الولاء الوطني للبلاد التي تقيم فيها.
فتجلية هذا المفهوم وتقويته، وإزالة ما يمكن أن يكون اعتراه من اضطراب جرّاء مزاحمة الولاء الوطني له، وتبيين الحدود بين الطرفين من شأنه كلّه أن يهيّئ العقول المهاجرة للوعي العميق بالدور الرسالي الذي تقتضيه هجرتها إلى بلاد الغرب كأساس من أسس التفعيل لذلك الدور.
ج- البناء المؤسّسي:
إنّ المهمّة الرسالية للعقول المهاجرة، كما شرحناها آنفًا، لا يمكن أن يقوم بها أفراد بصفاتهم الفردية؛ ذلك لأنّها مهمّة ذات طبيعة جماعية باعتبار أعبائها الثقيلة التي ينوء بها الأفراد، ولأنّها من جهة أخرى تمارس على مسرحٍ المنهجُ الغالب على الأعمال فيه هو المنهج الجماعي، والتفاعل بالاستجابة يتمّ فيه على مقتضى ذلك المنهج الغالب، وذلك كلّه يقتضي أن يكون تفعيل المهمّة الرسالية آخذًا بعين الاعتبار هذه الخاصّية الجماعية في طبيعة المهمّة وفي مسرح حركتها.
ومن أظهر المقتضيات في هذا الشأن العمل على بناء مؤسّسات متعدّدة المظاهر ومختلفة الأنواع تتحمّل القيام بهذه المهمّة الرسالية، وذلك من مثل المراكز البحثية، والمنظّمات العلمية، والجمعيات الدعوية، والمؤسّسات التعليمية، وما شابهها من التشكيلات الجماعية ذات الطبيعة المؤسّسية.
فهذه التشكيلات المؤسّسية ذات الطبيعة الجماعية تنخرط فيها العقول المهاجرة بحسب تخصّصاتها واهتماماتها لتكون محضنًا للحوار في العمل الرسالي بوجوهه المتعدّدة، وفيها تضبط الخطط والمشاريع في هذا الشأن، ومنها ينطلق الأفراد في الممارسة العملية للمهمّة الرسالية.
إنّ هذه المحاضن المؤسّسية لمن شأنها أن تفعّل الدور الرسالي للعقول المهاجرة؛ إذ هي بالإضافة إلى كونها محضنًا لتجميع الجهود وتوجيهها الوجهة الصحيحة، فهي تعتبر عاملًا من عوامل التحشيد النفسي والإرادي للعزم على تحمّل الرسالة الحضارية المنوطة بعهدة تلك العقول، كما تعتبر أيضًا عاملًا من عوامل الصيانة للولاء للأمّة والانتماء إليها، إذ هي صورة مصغّرة منها، والولاء للجزء مرحلة ممهّدة للولاء للكلّ.
كما تكتسب هذه المحاضن المؤسسية من المصداقية في عيون أهل الغرب وفي نفوسهم وعقولهم، وتكتسب من المكانة لديهم في مخاطبتهم والتعامل معهم ما لا تكتسبه العقول المهاجرة فرادى، وذلك من طبيعة ما بُني عليه المجتمع الغربي من القواعد في التعامل، فينبغي أخذه بعين الاعتبار في تفعيل الدور الرسالي لهجرة العقول.
د - التوجيه العملي:
إنّ ذلك المحتوى في الدور الرسالي للعقول المهاجرة، كما بيّناه آنفًا، وتلك المؤهّلات التي تتوفّر عليها للقيام بذلك الدور ليس من شأنها جميعًا أن تثمر الثمرة المرجوّة منها إذا ما وقع تفعيلها إلاّ إذا واكبها تفعيل للأساليب التي يقع بها القيام بذلك الدور في كلّ من اتّجاهي الأخذ والعطاء؛ ذلك لأنّ أساليب التبليغ هي من أكثر ما يجب فيها التفعيل لتطلّبها التعهّد بالتعديل والتغيير المستمرّين تناسبًا مع تغيّر أحوال المتلقّين في طرائق تقبّلهم للخطاب واقتناعهم به واستفادتهم منه.
وقد كانت العقول المهاجرة، التي قامت ببعض من المهامّ الرسالية في مراحل سابقة، تعتمد في خطابها التبليغي لأهل الغرب على الأساليب ذاتها التي يمارس بها التبليغ في العالم الإسلامي، أو على ما هو شبيه بها، وكانت أيضًا تعتمد في خطابها للعالم الإسلامي بتجربتها في الهجرة على الخطاب الصوري الذي يكتفي بنقل مشاهد التجربة دون جهود توظيفيّة لها بما يناسب المخاطبين من المسلمين، وكلّ من هذا وذاك قد لا يكون ملائمًا للدّور الرسالي المطلوب من هذه العقول في المرحلة المقبلة، وهو ما يستدعي تفعيلًا جديدًا يتمثّل في توجيه المناشط الرسالية التي تقوم بها العقول المهاجرة توجيهًا عمليًا.
والمقصود بالتوجيه العملي لتلك المناشط أن يتحرّى تبليغ المضمون الحضاري الإسلامي إلى الغرب، وكذلك المضمون الحضاري الغربي إلى المسلمين، منحى البيان العملي الذي يقدّم ذلك المضمون في الاتّجاهين بمواصفات واقعية مهيّأة للقبول بحسب ما تقتضيه الحاجة الواقعية في كلا الطرفين، وبحسب ما تستجيب له البنية الثقافية العامّة في مكوّناتها الفعلية في كلّ منهما.