فهرس الكتاب
إنّ أهل الغرب على وجه العموم بُنيت ثقافتهم بناءً عمليًا واقعيًا، وذلك جرّاء ما ترسّخ فيهم من نزعة ذرائعيّة زرعتها فيهم الفلسفة النفعية، ورعاها ونمّاها حبّ المتعة المادّية الذي طبع الحياة الغربية بصفة عامّة.. فبتلك النزعة أصبح أهل الغرب لا يتفاعلون على وجه العموم إلاّ مع الخطاب الذي يمسّ بصفة مباشرة حياتهم العملية، ويجعلهم ينتظرون من ورائه نفعًا ناجزًا يتمثّل في حلّ لمشكلة من مشاكل حياتهم الفردية أو الاجتماعية، أو في سبب من أسباب الرّفاه المادّي، أو في مسلك من مسالك الأمن النفسي أو الجماعي، وأمّا ما عدا ذلك ممّا طابعه نظري صوري بحت فإنّ التفاعل معه يكون محدودًا في كمّه من حيث عدد المتفاعلين، وفي كيفه من حيث درجة قبوله والاقتناع به.
واعتبارًا لهذه النزعة العملية لدى أهل الغرب، فإنّ تفعيل الدور الرسالي للعقول المهاجرة إلى الغرب لا بدّ ليكون ناجعًا أن يوجّه الخطاب فيه هذه الوجهة العملية ليواطئ عقولًا تتقبّله وتقتنع به، إذ يلبّي مطلبها في تحقيق النفع العملي.
ويمكن أن يكون ذلك التفعيل العملي سالكًا أحد مسلكين:
المسلك الأوّل: أن يكون الخطاب الإسلامي سالكًا مسلك الأنموذج العملي، بحيث تظهر القيم الإسلامية، فردية وأسرية واجتماعية، في الممارسة العملية للحياة على اختلاف وجوهها، وخاصّة ما يتعلّق منها بما فيه علاقة مباشرة بالمجتمع، إذ ذلك هو الأظهر للعيان، والأقرب للملاحظة، وإن كان الشأن الشخصي أو الأسري ملحوظًا هو أيضًا للناس، قائمًا لديهم مقام الشهادة المؤثّرة في النفوس، فهذا الضّرب من الخطاب العملي المجسّم للقيم الإسلامية الجماعية والفردية يعتبر حجّة بالغة التأثير في نفوس أهل الغرب وعقولهم، لما يرون فيها من حلول واقعية لبعض ما يعانون من المشاكل النفسية والأسرية الاجتماعية، فتسري إليهم القيم الدينية من خلالها، ويكون ذلك تهيئة لقبول ما بعدها من الحقائق الإيمانية العليا.
المسلك الثاني: أن يكون ذلك الخطاب سالكًا مسلك التهيئة العملية في بيانه للناس وشرحه لهم وتبليغه إليهم، على معنى أن ترتبط في ذلك الخطاب كلّ قيمة نظرية ببيان مغازيها العملية، وآثارها النفعية في الحياة مهما كانت درجتها من التجريد النظري، وأن تُبيّن الطرق والأساليب العملية التي يمكن بها أن تأخذ تلك القيم طريقها للتطبيق الواقعي المنتج لتلك المنفعة العملية، دون أن يُكتفى في التبليغ بالبيان النظري، المجرّد الذي قد يبقى في الأذهان ذات الثقافة العملية عصيًّا عن الفهم، أو غير مثير للاهتمام، فلا تتحرّك العقول لتقبّله واستيعابه والتكيّف به جرّاء تلك الثقافة العملية.
وكما يكون هذا التفعيل في الدور الرسالي للعقول المهاجرة، بأسلوبيه، صالحًا في طرف العطاء من طرفي ذلك الدور، كما بيّنّا، فإنّه يكون صالحًا في طرف الانتفاع منه أيضًا.
فحينما تعمد تلك العقول إلى نقل بعض القيم الحضارية والحقائق العلمية والتكنولوجية من البلاد الغربية إلى البلاد الإسلامية، فإنّ ذلك قد لا يكون فاعلًا إلاّ إذا وقعت صياغته صياغة عملية متمثّلة في إقامة نماذج عملية تجسّم تلك القيم كالمؤسّسات البحثية، والمنشآت الإدارية، والمشاريع الصناعية، التي تقوم جميعًا على قيم الدقّة والنظام والكفاءة الإدارية والمداولة الشورية وما إليها من القيم، ومتمثّلة أيضًا في تقديم بيانات وشروح لمكتسبات أهل الغرب من التحضّر موجّهة توجيهًا عمليًا نفعيًا بما يتلاءم مع الواقع الإسلامي ثقافيًا واجتماعيًا لتثمر فيه المنفعة العملية، إذ نقل تلك المكتسبات على الوجه الذي هي عليه في الغرب قد لا تحصل به منفعة في العالم الإسلامي، لاختلاف في المناخ بين الطرفين يفضي إلى اختلاف في أسلوب الانتفاع بينهما، فإذا لم يؤخذ ذلك بعين الاعتبار كان سببًا في تعطيل قسم مهمّ من الدور الرسالي للعقول المهاجرة.
( [1] ) أخرجه الترمذي.
الكفاءات المهاجرة طلائع لحضارة الإسلام
د. محمد الغمقي
إنّ هجرة العقول المسلمة ليست بمعزل عن واقع أوطان الهجرة. وإذا كان «البعض» قد اختار الهجرة للتحصيل العلمي، فإنّ هجرته في حقيقة الأمر اضطرارية، لأنها تعبّر عن عدم ارتقاء هذه الأوطان إلى اكتفاء ذاتي على مستوى البحث العلمي، والحال أنها تنتمي إلى أمة نزلت فيها كلمة (( اقْرَأْ ) ) ( [1] ) ، كما تعبّر عن ضعف حركة التعاون العلمي وتبادل الكفاءات العلمية بين هذه الأوطان المنتمية للمنظومة الحضارية نفسها رغم ما لهذا التبادل من أهمية، والحاجة إليه في ظل وجود نسبة من خريجي الجامعات في البطالة، فتضطر هذه العقول إلى الهجرة إلى بلاد تنتمي إلى منظومة حضارية أخرى.
وكثيرًا ما تُواجَه الكفاءات التي \"اختارت\"الهجرة بانتقادات مثل أنّها ضعيفة أمام الإغراءات المادية في بلاد الغرب..لكن المسألة أكثر تعقيدًا من مجرّد الحصول على امتيازات مادية في مستوى الجهود العلمية المبذولة. فهناك عوامل نفسية عميقة لدى الباحث منها الرغبة في التجديد والاكتشاف، خاصة ونحن في عصر العولمة وفي زمن العالم-القرية وتقارب الشعوب والثقافات. فلا يمكن حصر الكفاءات في رقعة صغيرة ومنعها من السير في الأرض لتوسيع آفاقها، وهذه سنّة التدافع الحضاري.
إذ «يعد حراك الطلبة وتنقلهم فيما بين البلدان عنصرًا من عناصر التدويل المتزايد لكافة أنواع العلاقات بين الشعوب. وحركة الطلبة عبر المناطق والبلدان هي في جانب منها استجابة النشء لوعيهم المتنامي بما يجري من تطورات عبر العالم ولمصلحتهم في تهيئة أنفسهم للحياة في عالم متكافل. وفي الوقت نفسه، تدرك الحكومات وأرباب العمل أنه إذا أريد ضمان الرخاء الإقليمي والفردي، فسيجب أن تتألف القوى العاملة في المستقبل من أناس أجيد تدريبهم ونما وعيهم بما يدور في العالم من حولهم» ( [2] ) .
والأهمّ من ذلك- وهنا جوهر المشكل-أنّ هذه الكفاءات تبحث عن الفضاء الذي تجد فيه أقدارًا من الاحترام لعلمها وضمان كرامتها والاعتراف بجميلها. وهو ما يصعب توفّره في أوطان المهجر، حيث يشعر أصحاب هذه الكفاءات في كثير من الحالات بالغربة داخل الوطن، وهو شعور أشدّ على النفس من وقع الحسام، ولسان حالهم يقول:
«هل سيتمّ الاكتفاء بالشعارات البرّاقة حول الدولة الحديثة مع تشغيل فئات دون المستوى اللائق أو الممكن؟ أم ستشرّع الأبواب على مصراعيها لاستضافة \"الخبراء الأجانب\"بكلفتهم الباهظة وافتقارهم إلى قيم الولاء للأمة أو روح التضحية والمثابرة من أجلها..زيادة على احتمالية عدم تمتّعهم بالفهم المتكامل لاحتياجات الأمة وظروفها؟..وهل التخلّص من نير التخلف الحضاري الذي يلفّ أمتنا سيكون ممكنًا مع الرضى بحالات العزلة القسرية التي يجد المبدعون المسلمون فيها ذواتهم؟» ( [3] ) .
وتتطوّر هذه الغربة من أزمة شعورية إلى قطيعة في حال تأزّم العلاقة بين السلطة والمثقفين الرافضين، في حال وجود استبداد سياسي.
لكن هناك إشكال يتمثّل في التركيز على الجوانب السلبية والخسارة التي تلحق العالم العربي والإسلامي جرّاء هجرة هذه الكفاءات واستقرار نسبة منها في بلاد المهجر. ولا شك أنَّ كل نزيف في العقول له وجه سلبي، بالنظر إلى نوعية هذه الهجرة التي تأخذ معها طاقات إبداعية يستفيد منها المجتمع الأم.