فهرس الكتاب

الصفحة 1822 من 2255

ولكن إذا أمعنّا النظر، فإنّ هذه الهجرة لها أوجه إيجابية إذا نظرنا إليها من جانب الدور الحضاري الذي تقوم به هذه الكفاءات، والذي ترجع فوائده على الأقليات المسلمة، بل على كل من العالم الغربي والعالم الإسلامي.

أولًا: إيجابيات الهجرة في الفضاء الغربي

فلقد صاحبت هجرة اليد العاملة من البلاد المسلمة إلى البلاد الغربية هجرة من صنف آخر، تتمثل في هجرة العقول أو ما يسمّى بالكفاءات العلمية والفكرية. وفيهم نسبة من المهاجرين لأسباب سياسية. ويُلاحظ أن الهجرة إلى العالم اللاتيني الجرماني (فرنسا وألمانيا خصوصًا) يغلب عليها الطابع الاقتصادي، وأنّ الهجرة إلى العالم الأنجلوساكسوني (بريطانيا والولايات المتحدة وكندا) يغلب عليها الطابع العلمي. أما الهجرة السياسية فهي منشرة في كل البلاد الغربية، بقدر تأزّم وضع حقوق الإنسان في البلاد العربية-الإسلامية.

والمتأمل في الهجرة السياسية من بلاد المشرق والمغرب يجد أنّها وفّرت كفاءات متمرسة في العمل النضالي الاجتماعي والنقابي والسياسي في البلاد المضيفة، مع الإشارة إلى التحوّل الأيديولوجي الذي شهدته هذه العقول من التيار العلماني اليساري والقومي إلى التيار الإسلامي، خاصة في الثمانينيات والتسعينيات، بعد الحملة على الإسلاميين في بلاد مغاربية ومشرقية.

ومن فوائد الهجرة السياسية أيضًا نموّ فكرة العمل \"الجبهوي\"، أي في إطار جبهة واحدة، بين التيارات العلمانية والإسلامية، التي كانت تعيش في أجواء الصراع بل الصدام أحيانًا في البلاد العربية والإسلامية. وبوجودها وتلاقيها في أجواء جديدة من الحريات، اضطرت إلى إيجاد أقدار من العمل السياسي والحقوقي المشترك بينها حول معارضة كل أشكال الاستبداد في بلادها، والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

ومن الانعكاسات الإيجابية على التيارات الإسلامية المهاجرة، قيامها بعملية نقد ذاتي ومراجعة مسارها الفكري والسياسي، بما يؤهلها لدور حضاري لا تستفيد منه الجاليات المسلمة فحسب، بل تتعداه إلى المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية والبشرية جمعاء.

فكما هو معلوم، فإنّ هذه التيارات صحبت معها تجاربها في العمل والنضال من زوايا فكرية وعملية مختلفة، رغم الاتفاق العام حول المرجعية الدينية الإسلامية. وسُجلت خلافات بين العاملين في الحقل الإسلامي بقيت آثارها إلى اليوم، والتي تُلمس في الحساسيات القائمة بين المؤسسات الإسلامية التي يشرف عليها قدماء النشطين الإسلاميين.

ولكن بعد تلاقح التجربتين المغاربية والمشرقية في بلاد الغرب، وتحت ضغط التحوّلات في تركيبة الجاليات المسلمة وتطور اهتماماتها من الحفاظ على الهوية إلى المواطنة، حصلت الكثير من المراجعات وعمليات التقييم أو التقويم الداخلي على المستوى الفكري والسياسي نحو مزيد من الواقعية في التعامل مع الواقع المحلّي والعالمي.

ومن أهمّ القضايا التي حصل حولها حوار ونقاش مسألة التغيير وأساليبه ومقتضياته. وبناء عليه، تمّ السعي إلى التقريب بين مختلف الحساسيات، ومحاولة تجاوز العقلية الحزبية التي كانت مسيطرة لسنوات عدّة. وانطلقت الجهود نحو تجميع الكفاءات السياسية والعلمية المهاجرة من أجل البناء المستقبلي والنهوض الحضاري، وترسّخت القناعة أنّ مستقبل الحضور الإسلامي في الغرب مرتبط بدور الكفاءات الإسلامية المهاجرة، تضاف إليها طاقات جديدة.

البعد الحضاري لهجرة العقول المسلمة:

يتجلى البعد الحضاري لهجرة العقول المسلمة في ثلاث توجّهات: توجّه تصحيحي لمفاهيم وتصوّرات خاطئة عن الإسلام والمسلمين، ودفاعي عن قضاياهم وحقوقهم؛ وتوجّه ثان ترشيدي تأطيري لأبناء الجاليات المسلمة؛ وتوجّه ثالث دعوي رسالي ينفتح على بقية المجتمع.

التوجه الأول: التوجّه التصحيحي والدفاعي:

إنّ الحديث عن عملية تصحيح مفاهيم وتصوّرات ينطلق من اعتبار الإشكال في جوهره ثقافيًا، ويتعلق بالعقليات وبالتحديد بالتصورات وبالنظرة للإسلام والمسلمين. ولا شك أنّ هذه النظرة محمّلة بمخلفات تاريخ العلاقة بين العالم الإسلامي والعالم النصراني التي تأرجحت بين التفاهم والصراع. ولكن العقل الغربي يختزل هذه العلاقة في الصراع والصدام، أيام الحروب الصليبية والاستعمار، ويغفل عن الصفحات المشرقة في هذه العلاقة أو ما يمكن التعبير عنه بالعلاقات العادية التي لا ترقى بالضرورة لتكون ودّية. وتوارثت مختلف الأجيال، أبًا عن جَدّ، هذه الصورة السلبية التي تم تلقينها منذ الصغر وكرّستها مناهج التعليم، التي امتدّت إلى أيامنا بسبب عوامل جديدة.

فمع وجود المسلمين واستقرارهم في أوروبا والبلاد الغربية عمومًا، بدأت تطفو على السطح مظاهر العنصرية والخوف من الإسلام وكراهية المسلمين، أو ما يطلق عليه مصطلح «إسلاموفوبيا» ، التي يمكن تفسيرها بمحاولة تحميل المسلمين مسؤولية أزمات الحاضر من البطالة وانتشار العنف والجريمة.. من ناحية، والتخوّف من ناحية ثانية من تحوّل جذري في هوية المجتمعات الغربية في اتجاه الأسلمة المتدرّجة بالكلمة والسلوك، بالنظر إلى ما تمتلك الفكرة الإسلامية من جاذبية، وما يمتلك المسلمون من مقومات حضارية وقوة كامنة للفعل والتأثير، إضافة إلى العامل الديمغرافي الذي يسير في صالحهم، بحكم اتجاه المجتمعات الغربية نحو الشيخوخة، والمسلمون بصدد المساهمة في تجدّد هذه المجتمعات.

ويرى د. زكي بدوي رئيس منتدى ضد «الإسلاموفوبيا» والعنصرية «FAIR» في بريطانيا، أنّ من أسباب كراهية الإسلام في الغرب وجود «عدد من المهاجرين ينتمون إلى ثقافة ودين مختلفين عما هو سائد في البلاد الغربية، بل إلى دين يُنظر له بشيء من العداوة.. واعتبر أن هناك خوفًا حقيقيًا من الطرفين (خوف المسلمين من الغرب، وخوف الغربيين من الإسلام، خاصة عندما كان في أوج قوّته) ، وهناك خوف مَرَضي، وهو ما يعبّر عنه بالإسلاموفوبيا، ويظهر من خلال بعض المواقف والتصريحات لجهات إعلامية أو شخصيات سياسية معروفة، والتي تتمحور حول اعتبار الإسلام دخيلًا على المجتمعات الغربية، والمسلمين ليست لهم قابلية الاندماج في هذه المجتمعات» ( [4] ) .

من هنا تأتي الحاجة إلى الكفاءات لتغيير الصورة السلبية عن الإسلام، والتذكير بالعطاء الحضاري للإسلام تاريخيًا، وإقامة حوار حضاري مع النخبة المثقفة، والطبقة السياسية، والجهات الإعلامية، والجهات الدينية. ويمكن التوقف عند كل فئة لمعرفة خطورة دور العقول والكفاءات المهاجرة في الحوار الحضاري المنشود.

1-محاورة المثقفين.. صانعي الأفكار:

النخبة المثقفة يقصد بها هنا المفكرون والجامعيون والباحثون المستقلون أو العاملون في مراكز الدراسات والبحوث. ومعلوم أن العديد من هذه المراكز هي عبارة عن مخابر لصنع الأفكار وإعداد التقارير التي يعتمد عليها أصحاب القرار في اتخاذ قرارهم. وينظم القائمون على هذه المراكز ندوات ومحاضرات ويدعون إليها مختصين في هذا المجال أو ذاك. ويلاحظ تزايد الندوات التي تتناول القضايا المتعلقة بالإسلام والمسلمين وبالجاليات المسلمة.

وهي إحدى المداخل المهمة لربط العلاقة مع الباحثين الغربيين ومحاولة إقناعهم بوجهة نظر الإسلام في العديد من المسائل. كما يمكن أن تساهم الكفاءات المهاجرة في إصدارات هذه المراكز. وتزداد أهمية هذا البعد خاصة في ظل المتغيرات والأحداث الطارئة، التي وضعت جهود سنوات طويلة من الحوار ومحاولة تصحيح الرؤى والتصورات في الميزان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت