فهرس الكتاب
ويتصل بالنخبة المثقفة عموم المثقفين الذين يقدّمون للآخرين علمًا وفكرًا وتصورات، مثل الأساتذة والمعلّمين الذين هم باتصال دائم بالتلامذة والطلبة وأجيال الغد الذين سيقودون سفينة مجتمعاتهم إما إلى النجاة أو إلى الغرق. وصناعة الفكر والتصورات تبدأ من الصغر في البيت وفي المدرسة.
وهناك ظاهرة جديدة جديرة بالاهتمام تتمثل في وجود عدد من المعلّمين والأساتذة من أصول إسلامية في المدارس والمعاهد الغربية، بالنظر إلى النقص في الكوادر التعليمية من أصول غربية، بسبب تراجع نسبة الولادات في هذه المجتمعات. ومثل هذا الوجود ضمن الطاقم التعليمي الغربي مدخل مهمّ لتصحيح عدّة تصوّرات ومفاهيم بشرط أن تكون هذه الكفاءات مستوعبة للتصوّر الإسلامي. فكما هو معلوم، فإنّ العلوم، سواء ما يتعلّق منها بالإنسان أو بالطبيعة، بقيت حبيسة التصوّرات الوضعية المهيمنة التي تبعدها عن هذه الروح التكاملية بين السّماء والأرض، والتي تشربّتها أجيال وأجيال، وظهرت نتائجها السلبية، بل أخطارها، في الواقع اليومي المعيش.
وهنا يأتي دور المثقفين المسلمين في السعي إلى وضع قطار الأفكار والرؤى والتصورات على سكته الصحيحة. ويتمثّل دورهم أيضًا في الدفع نحو إعادة النظر أو على الأقل مراجعة البرامج التعليمية التي تقدمّ الإسلام والمسلمين بنظرة احتقارية وسلبية، أو التي تتضمّن تحريفًا وتشويهًا للحقائق، خاصة في مادة التاريخ.
2-محاورة الإعلاميين.. مصادر التأثير:
إنّ الإعلام سلاح ذو حدين، وأداة مهمّة للتأثير في الرأي العام. ولأهميته، فإنّ التوجّه إلى الجهات الإعلامية لتصحيح نظرتها عن الإسلام والمسلمين يتطلّب معرفة بخصوصيات السّاحة الإعلامية الغربية. فلو أخذنا على سبيل المثال الساحة الإعلامية الأوروبية، فإنها تقوم من حيث الهيكلية على عمل مؤسسي متطور، وعلى تكتلات لمواجهة المنافسة الأمريكية والآسيوية.
وتستمدّ مصادرها من وكالات أنباء قوية مثل الوكالة الفرنسية للأنباء، ورويتر...؛ ومن صانعي القرار في العالم، باعتبار أوروبا الغربية مركزًا مهمًا للحركة الدبلوماسية، حيث إنّ أغلب هؤلاء، أو من يمثّلهم، يمرّون عبر باريس ولندن وبرلين في طريقهم إلى الولايات المتحدة؛ وكذلك من عشرات الندوات والملتقيات السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية المنعقدة في أوروبا؛ ومن عشرات المنظمات الإقليمية والدولية في أوروبا (الحلف الأطلسي، اليونسكو..) ؛ ومن مئات المنظمات والجمعيات الأهلية في أوروبا الممثلة لمكوّنات الطيف الاجتماعي والعرقي والديني في شكل نموذج مصغّر لما يوجد في العالم.
ويتضح من خلال هذا الزخم الإعلامي مدى اتساع وتنوّع اهتمامات الساحة الإعلامية الأوروبية. ويفترض أنّ كل ما يطرح في وسائل الإعلام الأوروبية يهمّ المسلمين، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين. ويمكن التركيز على بعض القضايا الحساسة لتكون المدخل للحوار مع الإعلاميين، مثل قضية الشرق الأوسط، بأبعادها الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية، والموقف من السياسة الأمريكية بخلفياتها وتعقيداتها، والجدل بشأن العولمة والخصوصية الأوروبية، والصحوة الإسلامية في البلاد الإسلامية التي تعالج عادة من منظور سلبي (\"الإرهاب\"، \"الأصولية\"..) ، ويتم ربطها بما يجري في المناطق الأوروبية ذات الأغلبية المسلمة (البلقان مثلًا) أو الانحرافات السّلوكية لدى شباب ينتمي إلى مسلمي أوروبا.
والمتحاور مع الإعلاميين حول هذه القضايا يجب أن يكون مستوعبًا للعوامل الفكرية التي أثّرت وتؤثّر في الإعلامي الغربي وهو يصنع الخبر أو التحليل المتعلّق بالإسلام، مثل الثقافة التي تلقاها في حياته الدراسية، والعقلية الغربية المتأثرة بالتصورات الفكرية والأيديولوجية المسيحية أساسًا، والعلمانية، والرصيد التاريخي، ومخلفات ثقافة الاستشراق، والصّورة السلبية الناتجة عن الانحرافات السلوكية والفكرية لبعض المسلمين.
3-الدفاع عن حقوق المسلمين لدى السياسيين:
إذا كان الاتصال بالإعلام، الذي يوصف بالسلطة الرابعة، يكتسي أهمية كبرى، فإنه من المهمّ أيضًا التدخل لدى أصحاب القرار للدفاع عن حقوق المسلمين الذين يتحوّلون تدريجيًا إلى جزء من كيان المجتمعات الغربية، ومحاولة إقناع السياسيين بضرورة ضمان تساوي الفرص كشرط لتحقيق المواطنة، وذلك على المستوى الاجتماعي بإيجاد الظروف الضامنة للكرامة الإنسانية، خاصة في مجالات العمل والسكن والتعليم، وتجنّب كلّ أشكال الإقصاء في العمل بسبب الانتماء إلى أصل أجنبي، ومظاهر حشر المسلمين في أحياء سكنية غير لائقة، كما حصل للمسلمين في فرنسا خلال الستينيات، مما فاقم ظاهرة العنف في ضواحي المدن الكبرى.
وعلى المستوى الثقافي، يتطلب تساوي الفرص احترام الخصوصيات الثقافية والدينية، والتصدي للعقليات المثيرة للنعرات العرقية والعنصرية، وظاهرة «الإسلاموفوبيا» في وسائل الإعلام ودوائر صناعة الفكر والقرار، وإعطاء حق الرد على تشويه صورة الإسلام والمسلمين.
وعلى المستوى السياسي، تطرح مسألة المساعدة على المواطنة الإيجابية، عن طريق المشاركة السياسية، وفتح باب الترشح في وجه المواطنين من أصل أجنبي، وباب الانتخاب للجميع، على الأقل في الانتخابات البلدية، باعتبار أن تحقيق المساواة في الفرص والحصول على حقوق المواطنة كاملة من شأنه أن يجعل من مسلمي أوروبا والغرب عمومًا جسرًا حضاريًا بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.
4-مجادلة أهل الكتاب:
منذ أن بدأت مؤشرات تحوّل الأقليات المسلمة من الهجرة إلى الاستقرار في المجتمعات الغربية، ارتفعت بعض الأصوات التي تؤكد أنّ هذه المجتمعات ذات انتماء مسيحي- يهودي، بقصد إقصاء الوجود الإسلامي في هذه الديار، أو على الأقل تهميشه حتى لا يكون فاعلًا. ولم يمنع ذلك من عقد ندوات واجتماعات بين المسلمين واتباع الديانة المسيحية فيما يسمّى بالحوار الإسلامي المسيحي الذي بقي يراوح مكانه. لكنّ أحداث سبتمبر وتداعياتها دفعت مسؤولي المؤسسات الدينية إلى إعادة التفكير في ضرورة التقارب والحوار من جديد، من أجل رفع الكثير من سوء التفاهم، ومنع الفكر المتشدد لدى الجانبين من هدم جسور التواصل. فقد تبيّن من خلال تجارب حوارية سابقة أنّ هناك فضاءً كبيرًا للالتقاء حول اهتمامات ومشاغل مشتركة، مثل التصدّي للتسيّب الخلقي، ولفرض النمط العلماني الإلحادي، وللأفكار الداعية إلى صدام الحضارات...
وهنا أيضًا ينتظر الكفاءات الإسلامية دور هامّ في مجادلة أهل الكتاب بالتي أحسن، وبالخطاب الذي يفهمونه. ولا يخفى ما للتبشير المسيحي من دور في تشويه صورة الإسلام والمسلمين في مختلف أنحاء العالم، حيث تنطلق معظم البعثات التبشيرية من أوروبا والغرب عمومًا. وهذا الأمر يذكّرنا بالحملات التبشيرية التي مهّدت للاستعمار في البلاد الإسلامية.
وبدون شك، فإنّ كلّ نجاح يسجّل في التقارب بين الأديان ونزع فتيلة الكراهية والعداء ستكون له انعكاساته الإيجابية المباشرة وغير المباشرة على العلاقات بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي. بل إنّ فوائده تتعداه إلى الأقليات الإسلامية في الغرب، وذلك بالحدّ من ظاهرة تصيّد نقاط الضعف لدى المسلمين وتوظيفها بطرق ملتوية لأغراض خاصة، حيث تستغلّ مؤسسات تبشيرية - تعمل تحت غطاء اجتماعي إنساني - ثغرات في سلوكيات بعض أبناء وبنات الجاليات المسلمة وفي ثقافتهم الاجتماعية والدينية لاحتضانهم ومحاولة تنصيرهم.