فهرس الكتاب
فقد يلجأ بعض الأولياء إلى طرد أبنائهم المتمرّدين عليهم نتيجة الإدمان على المخدرات والخمر أو الجنس، أو بسبب إصرار البنت المسلمة على الزواج من شاب غير مسلم، فتكون القطيعة مع الوالدين والأسرة والسقوط في أيدي المتربّصين.
وفي حقيقة الأمر، فإنّ مثل هذه المسائل يتحمّل المسلمون مسؤوليتها بالدرجة الأولى. وبناء عليه، فإنّ الكفاءات الإسلامية في خط المواجهة لرفع هذه التحديات، وهذا يقودنا إلى أهمية العمل التأطيري والترشيدي في صفوف الأقليات المسلمة.
التوجه الثاني: العمل الترشيدي التأطيري:
يُقصد به تأطير الأجيال المسلمة الصاعدة عن طريق بث روح الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي لدى الجاليات العربية المسلمة المقيمة في الغرب، التي تتحول يومًا بعد يوم إلى جزء من النسيج الاجتماعي للمجتمعات الغربية.
وبالنّظر إلى التراكمات الثقافية التي صحبها المهاجرون معهم من بلادهم الأصلية، فإنّه من الواضح أن عملية التأهيل هذه معقّدة وتحتاج إلى طول نفس. وهي أكثر تعقيدًا في الفضاء الغربي خارج الدائرة الأنجلوساكسونية، حيث الهجرة الاقتصادية هي السائدة في صفوف الأقليات المسلمة التي تغلب عليها محدودية الثقافة الاجتماعية والدينية.
ويتطلّب هذا المعطى من أصحاب الكفاءات وضع استراتيجية تتضمّن أولويات تأخذ بالاعتبار التحوّلات الداخلية في تركيبة أبناء الجاليات وفي تصوّراتهم وعقلياتهم، وتراعي حاجيات مختلف الأجيال من الأجداد إلى الأحفاد. فهناك العديد من القضايا الملحّة المطروحة على الأقليات المسلمة، التي لا يمكن أن يتصدّى لها إلا الفاهمون والمستوعبون للواقع الذي يتحرّكون فيه، الذين يحملون ثقافة تؤهلهم لرفع التحديات الكثيرة. والخطورة أن يتصدّى لهذه المهام من يتبنّون فكرًا على طرفي نقيض من طبيعة الفكر الإسلامي الوسطي والواقعي والمعتدل.
فهناك من يتبنى خطابًا وتصورات علمانية تعامل الدين الإسلامي بالنظرة نفسها للدين السائدة في الغرب، وهناك أصحاب الفكر المتشدد أو القراءات السطحية للواقع الغربي. والإشكال ليس في التعدد ولكن في إحداث اضطراب في الرؤية لدى الطرف الغربي المقابل إزاء خطاب مزدوج لدى فئة العقول المهاجرة المنتمية للمنظومة الدينية نفسها.
وإذا كان يسهل محاجّة أصحاب الفكر العلماني من المسلمين، بحكم المفارقات بين المنظومتين الفكريتين العلمانية والإسلامية، فإنّ الفكر المتشدد داخل الصف الإسلامي من شأنه أن «يشوّش، بل يضرّ بالإسلام وأهله، ويجهض عقودًا من الجهود التي بذلها مسلمون مخلصون داخل العالم الإسلامي، وفي البلاد الغربية من أجل توضيح خصائص الإسلام القائمة على الاعتدال والواقعية بما يتماشى والفطرة الإنسانية، بالإضافة إلى إجهاض جهود التواصل والحوار مع العديد من رجال الفكر والسياسة الغربيين الذين يوجد من بينهم المنصفون في حكمهم على الإسلام وسلوك المسلمين، من خلال معايشتهم للحضور الإسلامي في الغرب» .
وتزداد خطورة المسألة «عندما يتعلق الأمر بالشريحة الأساس في بناء المجتمعات ألا وهي الشباب، ذلك أن حاملي هذا الفكر المتشدد أغلبهم من الشباب الذين وجدوا في هذا الفكر ملجأ للتعبير عن رفضهم للمادية السائدة، وعن سخطهم على سلسلة الإهانات التي تعيشها الأمة الإسلامية على كل المستويات، واعتمدوا على اجتهادات ينقصها العمق في فهم النصوص والواقع، وتبنّوا منهجًا في التغيير يقوم على التشددّ، بَلْ يصل أحيانًا إلى العنف. ويرتبط بتداعيات هذا الفكر المتشدد محاولة تقديم الإسلام من منظور أحادي في الفهم والتصوّر، والتشكيك بل تكفير مبدأ التعددية والمعارضة وحرية الفكر من داخل المنظومة الإسلامية» ( [5] ) .
ولكل هذه الأسباب، يتعيّن على الكفاءات الإسلامية الواعية أن ترشّد فكر الأجيال الصاعدة، وتجتهد في إقناعهم بوسطية الإسلام، وذلك باعتماد خطاب يفهمه هؤلاء الشباب، ويتماشى مع عقليتهم، ويأخذ بالاعتبار مؤثرات البيئة التي يعيشون فيها. ويتطلّب هذا الأمر من المتصدّي لهذه المهمّة معرفة دقيقة بلغة البلد الأوروبي- الغربي وثقافته، وبنفسية الشاب أو الفتاة، بالإضافة إلى فهم مقاصد الإسلام وطبيعته ومنهجه في التعامل مع الآخر، من أجل كسب ثقة من سيقوم على كاهلهم بناء مستقبل الحضور الإسلامي في الغرب.
فقد أثبتت التجربة أنّ وجود خلل في أحد هذه الشروط يترتب عليه فشل العملية التربوية والتأهيلية عمومًا. إذ لا يغني حثّ الشباب المسلم على الاهتمام بلغة القرآن - قراءة وحفظًا وكتابة- عن التحدث إليهم بلغة بلدهم الحاملين لجنسيته والمقيمين فيه بصفة دائمة، حيث يعسر عليهم في مراحل التكوين الأولى استيعاب معاني اللغة العربية الفصحى عندما يتعلّق الأمر بالمواضيع التي تتطلب شرحًا وتحليلًا ونقدًا، ومن ثم يكون من الأفضل تبليغ هذه المعاني بلغة البلد التي تساعد على الفهم وسرعة الاستيعاب.
وليس في هذا الأمر -كما يرى بعضهم- خطرًا على مستقبل لغة القرآن لدى الأقليات المسلمة في الغرب، حيث يُلاحظ إقبال الشباب المسلم على المساجد التي تقدّم خطبة الجمعة باللغتين العربية والمحلية. ولنا أن نقارن حجم الإفادة من هذا اللقاء الأسبوعي بين أن تكون الخطبة بالعربية فحسب وأن تكون باللغتين، خاصة إذا نجح الإمام الكفء في تبليغ رسالة الإسلام بمنهجه الوسطي.
ويدعو هذا الأمر إلى تأهيل كوادر الأئمة والدعاة، وتطوير العملية التربوية والتعليمية، من خلال تطوير مناهج تعليم العربية والقرآن والدين الإسلامي في المدارس الخاصة أو في الجمعيات الإسلامية المنتشرة، بعقلية منفتحة على المجتمع.
ولكي يكون البناء التربوي الديني صلبًا، فإنّ المطلوب هو التفكير في عملية بناء تصاعدية للفرد في كل مراحل حياته، منذ أن يكون طفلًا إلى الشيخوخة؛ على عكس ما حصل في تاريخ وجود الجاليات المسلمة في الغرب، حيث تم الاهتمام بالحفاظ على هوية الجيل الأول ببناء المساجد، ثم التفكير في المدارس لتعليم العربية والإسلام للجيل الثاني من الشباب، الذين لم يسعفهم الحظ في تلقي تكوين إسلامي محْكم منذ الصغر، فكانت النتيجة أن تركت هذه الثغرة بصمات على سلوكهم وتصوراتهم. وبوجود الجيل الثالث والرابع، بدأ التفكير في الطفولة، مثل تكوين رياض إسلامية للأطفال، وقصص وبرامج على الكمبيوتر في مستوى الطفل.
والمطلوب أيضًا دمج التأهيل التربوي الديني بالتأهيل الثقافي الفكري السياسي، من أجل الحفاظ على التوازن في بناء الفرد والمجموعة. فتعليم الأجيال الصاعدة اللغة العربية ومبادئ الإسلام لا يكفي لذاته إذا لم تصحبه متابعة ملف موضوع بالغ الأهمية يتعلّق بتمثيل المسلمين لدى السلطات، والذي يحتاج إلى الكفاءات العارفة بمتطلبات هذا الملف.. وملفا التعليم والتمثيل لا يُغنيا بدورهما عن الدور السياسي.