فهرس الكتاب

الصفحة 1825 من 2255

وفي هذا الصدد، يوجد اتجاهان متناقضان لدى أبناء الاقليات المسلمة في التعامل مع الملف السياسي. فمن ناحية، يُلاحظ نوع من الزهد في ممارسة حقهم الانتخابي الذي يمرّ عبر الترسم في القوائم الانتخابية في البلديات من أجل الحصول على البطاقة الانتخابية. ويفسّر هذا الزهد بأسباب عديدة منها ما يعود إلى الفهم الخاطئ في تأويل مصادر التشريع الإسلامي بدون علم بفقه الواقع، وربط الانتخاب بمسألة الولاء الديني والحديث عن عدم جواز ترشيح أو اختيار غير المسلمين، إلى جانب ضعف الثقافة السياسية لدى الأجيال الأولى؛ ومنها ما يعود إلى ظاهرة عدم الاكتراث بالحياة السياسية لدى نسبة من الرأي العام الغربي.

ويتأكد دور المثقفين في مثل هذه المواقف في حث هؤلاء الشباب على عدم التساهل في هذا الحق، لما له من فوائد وإيجابيات على الوجود العربي الإسلامي في الغرب. وشهدت السنوات الأخيرة اهتمام المسؤولين السياسيين والحزبيين ورؤساء البلديات والمرشحين في القوائم الانتخابية بالعرب والمسلمين في البلاد الغربية، من أجل كسب تعاطفهم وأصواتهم، مع اقتراب كل موعد انتخابي، وذلك لأن الصّوت العربي المسلم أصبح يُحسب له ألف حساب. ويعتبر المسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر تقدمًا في هذا الشأن مقارنة بالبلاد الأوروبية.

في المقابل، نلاحظ قيام تجمّعات شبابية مسلمة تسعى إلى الإسراع بتشكيل لوبي إسلامي «Lobbying» بخلفيات سياسية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية. والفكرة جيّدة في حدّ ذاتها، ولكن هل تمت دراسة مقتضياتها ومآلاتها ومراحلها؟ أم هي مجرّد ردّ فعل على حالة التهميش التي يعيشها الشباب المسلم المقيم في الغرب عمومًا وفي البلاد الأوروبية على وجه الخصوص؟ وهل ستكون ذات طابع شبابي أم ستتمّ الاستعانة بذوي الخبرة من الجيل الأول وإشراك\"أهل الحلّ والعقد\"كما يقال؟

أسئلة كثيرة تحتاج إلى تأمل وتفكير ودراسة عميقة وفقهٍ بمتطلبات الواقع، والدمج بين \"حماس الشباب وتجربة الكبار\". وهذه المسألة الأخيرة جدّ مهمّة في مسألة التأهيل عمومًا، وفي اتخاذ المواقف الحساسة مثل النشاط السياسي، لأنّ واقع الأقليات يطغى عليه نوع من الانفصام بين الطرفين.

وترتبط عملية التأهيل أيضًا بترشيد عملية بناء المؤسسات الإسلامية، للقيام بمشاريع تربوية وثقافية وفكرية ودينية وسياسية وإعلامية واقتصادية. وقد اقترن الحضور الإسلامي في الغرب بقيام مؤسسات لتنظيم هذا الحضور ورعايته والارتقاء بدوره. وتكتسي هذه المؤسسات أهمية خاصة من حيث وظيفتها الإسلامية في الحفاظ على هوية الأقليات المسلمة بكلّ شرائحها، وفي كل القطاعات والمجالات، خاصة مع اتساع الحاجة من الاجتماعي التربوي إلى قضايا التوطين وما يرتبط بها من هموم المشاركة السياسية والانخراط في الحياة اليومية ومقتضياتها.

وبدون شك، فإنّ المؤسسات الإسلامية أصبحت المحضن الذي يستأنس به مسلمو الغرب في جميع أحوالهم، ومصدر مرجعيتهم الدينية والشرعية في التفاعل مع البيئة غير الإسلامية. ولكن العمل المؤسسي الإسلامي في حاجة إلى عملية تقويمية من حيث توفّر الإمكانات المادية والبشرية الضرورية، وذلك بعد تعثّر عدد من المؤسسات بسبب الانطلاقة غير المدروسة، ومن حيث ترتيب الأولويات، والحال أنّ جلّ الجهود تصبّ في إقامة المؤسسات الدينية مثل المساجد، والمؤسسات التعليمية مثل المدارس، على حساب مؤسسات أخرى ذات تأثير كبير مثل المؤسسات الإعلامية والبحثية والفقهية التأصيلية.

ومن الحلول التي توصّل إليها القائمون على مؤسسات إسلامية بالاستعانة بالخبراء المسلمين، إنشاء وقف خاص بها من أجل تجاوز العائق المالي الذي يعترض الكثير من المشاريع الإسلامية. كما لا تخفى أهمية عامل الاستثمار في النهوض بواقع الأقليات المسلمة. وتكفي المقارنة بين الوجود العربي الإسلامي في بريطانيا والواقع الاقتصادي. وهذا البعد لا يستهان به ولا يقل أهمية عن البعد الثقافي والفكري. فإقامة مشاريع تجارية ومؤسسات استثمارية مدخل مهمّ لاقتحام الدورة الاقتصادية الغربية وفهم آليات عملها والقوى المؤثرة فيها، وأهمّ من ذلك تكوين جماعة ضغط «لوبي» اقتصادي مالي ضروري لضمان حقوق الجاليات العربية المسلمة.

وبفضل قيام «كوادر» إسلامية متخصصة بتقديم دورات تدريبية في التسيير والاتصال، بدأ يشهد العمل المؤسسي الإسلامي عملية تطوير في وسائله وأهدافه، حيث ترسّخت القناعة بضرورة انفتاح المؤسسات الإسلامية على الواقع الغربي بخلفية رسالية دعوية، في إطار معادلة مدروسة بين التأثرّ والتأثير، خاصة أن الهدف المنشود هو الانتقال من «المواطنة» إلى التوطين.

التوجه الثالث: توجّه دعوي رسالي:

فإلى جانب التوجّهين الأولين، هناك توجّه آخر لا يقلّ أهميّة عنهما، ويتطلب من العقول الإسلامية جهودًا كبيرة في اتجاه دعوي رسالي منفتح على المجتمعات الغربية، وذلك من خلال المشاركة بأطروحاتهم وآرائهم في القضايا التي تهم العالم ومصير المجتمعات الغربية التي يقيم بها المسلمون، وتوضيح قدرة الإسلام على معالجة قضايا العصر.

ومن أهمّ القضايا: العلاقة بين العلم والإيمان، وربط هذا الأمر بالمسألة الخلقية «Ethic» بتصوّر يختلف عن الدعوة إلى «أخلاقية» بالمفهوم العلماني. ويمكن في هذا الصدد تقديم التصوّر الإسلامي ذي البعد الإنساني للمعرفة والعلم، من خلال مقاربات إسلامية للعلوم الإنسانية والعلوم الصحيحة، وتصحيح المسار الذي تسير فيه البشرية، وخاصة الغرب، في مجال سباق التسلّح، والتسيب الخلقي، وغياب الهدفية في الحياة، واختلال التوازن البيئي، وفرض نمط من السلوك والتفكير والتعامل باسم العولمة.

فبفضل ما يمتلك الباحثون ذوو الالتزام الديني من تصوّرات وثقافة ذات طابع ديني، يمكنهم المساهمة بأقدار كبيرة في قضايا حيوية مثل الحفاظ على البيئة، وهذه قضية جدّ خطيرة، يدل على ذلك بروز أحزاب في البلاد الغربية تسمى بالخُضْر، تزداد شعبيتها يومًا بعد يوم في ظلّ الأخطار التي أصبحت تحدق بحياة الإنسان ومحيطه جرّاء انتشار العقلية الربحية القائمة على الاحتكار والأنانية.

ويمكن للطرح الإسلامي -إذا حسن تقديمه- أن يساهم في دعم الوعي البيئي المتزايد لدى الرأي العام الغربي، بما يساهم في كبح جشع المؤسسات متعددة الجنسيات والأطراف المحتكرة للثروات الطبيعية. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ ) ) (الروم:41) ، بما يتماشى وفلسفة الإسلام للإنسان والكون والطبيعة، والتناغم بين الإنسان ومحيطه، بالنظر إلى وحدة الخَلق وتسخير الكون للإنسان، ذي المهمّة الاستخلافية في هذه الأرض التي عليه تعميرها وليس تخريبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت