فهرس الكتاب

الصفحة 1827 من 2255

والمسلمون قادرون - من خلال مفكريهم وباحثيهم ومؤسساتهم- أن يدعموا ما يتماشى من القوانين الصادرة عن البرلمانات الغربية مع فلسفة الإسلام في احترام كيان الفرد وحفظ المجتمع وبثّ قيم الخير والعدل. ويسجل في حالات عديدة مصادقة نواب برلمان هذا البلد الغربي أو ذاك على قانون مثل منع شرب الخمر عند السياقة، أو منع ضرب النساء من طرف أزواجهن، والتحرّش الجنسي في العمل، أو احترام الخصوصيات الثقافية للأقليات... وغيرها من القوانين والإجراءات التي تخدم الفكرة الإسلامية بصورة غير مباشرة، وتلتقي مع التصوّر الإسلامي للكون والإنسان والحياة.

ومما ييسّر هذا التفاعل طبيعة هذا الدين وخصائصه، والتي من بينها الواقعية والشمولية والإنسانية.

وفي المقابل، يمكن أن يشكل المسلمون عنصر ضغط لمنع الإجراءات والقوانين الوضعية عندما تكون خاضعة للأهواء ولموازين قوى سياسية وأيديولوجية، والتي تستهدف القيم الإنسانية، بالتعاون مع الأطراف الجادّة الدينية والمثقفة.

وعلى المستوى الثقافي، فإن المجتمعات الغربية تعطي أهمية كبيرة للناحية الفنية الجمالية والتعبير عنها بأساليب وفنون عدّة مثل المسرح والسينما والموسيقى والأدب..وفي غياب وضوح الرؤية والمرجعية الفكرية المحدّدة، اتسمت بعض المحتويات المقدّمة بسطحية في الموضوع وفي منهجية تقديمه عبر إثارة الغرائز الحيوانية أو العدوانية لدى الإنسان، مثل النعرات العرقية- العنصرية، وكراهية (الآخر) ، واستعمال وسائل الصخب والتهريج للتعويض عن الخواء الروحي، وتفشت ظاهرة «النجومية» التي تتعلّق بها الأجيال الصاعدة إلى حدّ التقديس، خاصة في مجالي الرياضة والموسيقى.

والباب مفتوح أمام المسلمين لتقديم بدائل في المجال الفنّي تساهم في الارتقاء بوعي الإنسان، وترسيخ قيم الخير والاستقامة لدى الفرد والمجتمع. وليس بالضرورة أن تحمل كل هذه البدائل لافتة إسلامية، والأهمّ هو التعبير عن الفكرة الإسلامية والقيم الإنسانية التي تتضمّنها، والخروج من النّظرة الضيقة التي تحصر المجال الفني الجمالي في دائرة الحرام والحلال.

فقد بقي الخلاف قائمًا إلى يومنا بين المسلمين حول هذا الموضوع، واستغلت التيارات العلمانية الحاقدة على مشروع النهوض الإسلامي هذا الفراغ، فقامت بتسريب سمومها إلى الشباب، ووجدت الدعم من جهات غربية حريصة على انتشار هذا الصنف من الفنّ في صفوف أبناء المهاجرين، بل إن صداها وصل إلى البلاد الإسلامية.

و ما تزال المحاولات الفنية الإسلامية في حاجة إلى تطوير بترشيد فقهي تأصيلي، حتى تكون في مستوى تطلّعات الأجيال الجديدة التي تهوى الفنون بجميع أشكالها ( القصة، الرواية، السينما، المسرح، الموسيقى..) .

وبفضل ما يملك المسلمون من تراث فني عريق (خاصة في المجال المعماري كما تشهد على ذلك الأندلس، والخط العربي الذي يجد اهتمامًا عالميًا) ، يمكن أن تطوّر الكفاءات المسلمة العطاء الفني الإسلامي ذي البعد الإنساني العالمي، من خلال استراتيجية واضحة تقوم على نظافة الغاية ونظافة الوسيلة.

أما على المستوى السياسي، فإن الكثير من المحللين يتّفق على أنّ الديمقراطية على الطريقة الغربية ليست النظام السياسي المثالي لكل البشر. فقد تكون صالحة للمجتمعات الغربية ولكنّها ليست بالضرورة صالحة لمجتمعات أخرى؛ لأنّها ثمرة تفاعلات وصراعات وفلسفات من رحم المجتمع الغربي بخصوصياته. ثمّ إنّ الواقع أثبت وجود العديد من الثغرات والسلبيات في تطبيق هذا النظام في البيئة التي نشأ فيها، خاصة في المسائل المتعلّقة بالتمثيل النسبي واحترام حقوق الإنسان والأقليات، والأخلاقية السياسية والنظام الحزبي.

وبناء عليه، فإنّ الطرح الإسلامي يقدّم تصوّرات بإمكانها أن تُخرج الديمقراطية على الطريقة الغربية من السلبيات التي تتسبّب في إعاقة النشاط السياسي، وزهد نسبة من الرأي العام الغربي في الحياة السياسية. «فإنّ علاقة الحاكم بالرعية يحكمها في الإسلام مبدأ الشورى، ولا تخضع لأية علاقة بالمعنى الثيوقراطي، أي أن الحاكم ظل الله في الأرض، وغيرها من التصورات التي لا يقرّ بها الإسلام. والشورى ليست شعارًا يُرفع، وإنما مبدأ للتطبيق على أرض الواقع، بما يعنيه من حق الاختلاف في الرأي والمعارضة وواجب الالتزام برأي الجماعة أو الأغلبية، دون أن تُنتهك حقوق الأقلية. أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس فيه نص واضح، ومتروك للاجتهاد لترجيح ما يلائم كل عصر» ( [6] ) . ويحتاج مبدأ الشورى إلى مزيد من التوضيح والتعميق والتأصيل ليكون مقبولًا من المجتمعات الغربية.

ثمّ إنّه يلاحظ تزايد دور المجتمع المدني في المجتمعات الغربية من جمعيات ومنظمات ونقابات تهتمّ بالشأن العام خارج المؤسسة السياسية الرسمية. والتراث السياسي الإسلامي يزخر بهذا الدور نفسه فيما يسمّى بـ\"المجتمع الأهلي\".

كما أنّ العلاقات الدولية تحتكم في التصوّر الإسلامي إلى مبادئ وقيم ثابتة في إطار احترام التعددّ الثقافي والسياسي، وتقارب الشعوب وتعارفها: (( يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ) (الحجرات:13) .

من خلال ما تقدّم، يتأكّد ما قاله بعض الملاحظين الغربيين: إنَّ الإسلام من حظه أن يتفاعل مع الفضاء الغربي، ومن حظّ الغرب أن يوجد فيه الإسلام لكي يكون بابًا للخير، بما يوفّره من قيم ورسالة حضارية؛ وإن الكفاءات المسلمة هي كالغيث النافع، حيث يمكنها أن تكون مفتاحًا للخير حيثما كانت.

ثانيًا: فوائد الهجرة في الفضاء الإسلامي

فكل هذه التصوّرات المستقبلية للعطاء الحضاري الإسلامي في مجالات شتى، التي تساهم في بلورتها وتقديمها كفاءات إسلامية مهاجرة، من شأنها أن تكون بابًا للدعوة لرسالة الإسلام في كل مناطق العالم التي توجد بها أقليات مسلمة، وإضافة نوعية لمجهودات العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي من أجل تحقيق مشروع النهضة الإسلامية.

ومعلوم أن هذا المشروع يحتاج إلى اجتهاد وفهم دقيق للواقع الذي يتنزّل فيه. وحتى يكون هذا الفهم دقيقًا وشاملًا، فإنّ الكفاءات المسلمة المهاجرة يمكنها أن تساهم في تجديد الفكر الإسلامي، وفي تقديم قراءة عميقة للتراث الإسلامي، وفي النهضة العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي، بفضل ما استفادت من خلاصة التجربة الغربية الحديثة القائمة على ثقافة التعددية، التي تختلف عن ثقافة الأحادية السائدة في كثير من البلاد الإسلامية، وبفضل ما تمتلكه من قدرة على دمج الأدوات المنهجية الإسلامية والغربية في البحث بعد تمحيصها ونقدها.

من جانب آخر، إذا علمنا أنّ تحقيق التقارب الثقافي والحوار الحضاري بين العالمين الإسلامي والغربي يعتبر من مقومات النهضة الحضارية العالمية حاليًا وفي المستقبل، فإنّ الطليعة المسلمة المثقفة تمثّل جسر علاقة العالم العربي الإسلامي بالعالم الغربي، والمحرّك الأوّل الدافع إلى التصالح بين الثقافتين والحضارتين، والعامل الأساس في نزع فتيل الصراع الحضاري، الذي تتمناه العديد من الدوائر السياسية والفكرية، وتسعى إلى تحقّقه بكل ما أوتيت من جهد. ويكون ذلك بالاجتهاد في مساعدة الأقليات المسلمة في الغرب على أن تكون في مستوى رسالة الإسلام الإنسانية العالمية، وتقليص أسباب التوتّر وسوء التفاهم بين العالمين الإسلامي والغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت