فهرس الكتاب

الصفحة 1828 من 2255

ولا يشك أحد في أنّ عملية تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين لدى الغرب ستكون لها انعكاسات جدّ إيجابية على العالم الإسلامي، من حيث المساهمة في كسر جدار الخوف من \"الغول الإسلامي\"، ودفع الغرب نحو التعامل بندّية مع سدس سكان المعمورة.

وبقدر ما تُلقى المسؤولية على الكفاءات المسلمة في الغرب من أجل تصحيح صورة الإسلام والمسلمين هناك، بقدر ما تكون مهمّتها ومسؤوليتها كبيرة في تحسيس الطرف الإسلامي بضرورة مراجعة موقفه من الغرب عبر تقديم فهم أعمق للفكر والواقع الغربيين. فالنظرة السائدة في العالم الإسلامي أن الغرب شرّ كلّه، والخطاب يسوده التهجّم والعقلية الصدامية، والحال أنّ المسلمين جزء من هذا الغرب الذي يلعنه مسلمون آخرون صباح مساء، والمواطنة تقتضي وحدة الهموم والمصير.

ولا يمكن تحقيق تقارب بين العالمَين في ظل خطاب مزدوج من طرف المسلمين بين لاعن ومادح، وبين قادح للغرب والغربيين جملة وتفصيلًا داخل العالم الإسلامي وداع إلى التوطين والمواطنة في الغرب. فهذا الموضوع الدقيق يحتاج إلى معالجة حكيمة وإلى مراجعات عميقة بهدف التوصّل إلى تقارب بين المسلمين في النظرة للغرب، وتجنّب التعميم، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه؛ لأنّ ديننا الحنيف يدعونا إلى القسط: (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (المائدة:8) وذلك من خلال التفريق بين مواقف أصحاب القرار ومواقف الشعوب، والتمييز بين المعادي والمنصف، وبين من يكنّ العداء الدفين للمسلمين وبين من هو ضحية حملات تشويهية لصورة الإسلام والمسلمين.

فليس كل الغربيين مورّطين في استعمار الشعوب، ونهب ثرواتها، واستغلال طاقاتها، وفرض أنظمة متسلطة على بعضها.. وليس كل الغربيين مشاركين في إقامة دولة إسرائيلية على أرض فلسطين، وفي دعم هذا الكيان بكل الوسائل لكسر شوكة الانتفاضة، وليس كل الغربيين عنصريين.. الخ.

وبهذه الرؤية العادلة، تتمّ محاصرة الدعاة إلى حتمية الصراع الحضاري بين الطرفين.

ويجدر التنبيه إلى أن الدور الحضاري المنشود للعقول المسلمة المهاجرة يحتاج -إلى جانب الكفاءات البشرية- إلى آليات ووسائل في مستوى التحديات المطروحة، ومن بينها الوسائل الإعلامية التقليدية (مثل الصحف والمجلات والإذاعات والتلفزيون) والمعاصرة (مثل الإنترنت والفضائيات) ومراكز البحوث والدراسات، ودُور النشر. وإلى جانب قيامها بالأدوار المشار إليها أعلاه، يمكن أن تكون هذه المؤسسات محضنًا لهذه الكفاءات، بتجميعها وتشجيعها على الانخراط في النهوض الحضاري، الذي تستفيد منه البشرية جمعاء.

( [1] ) جاء في وثيقة عمل بعنوان\"عرض إحصائي لأوضاع التعليم العالي في العالم: 1980-1995 \" (ص10) نوقشت في المؤتمر العالمي للتعليم العالي بمنظمة اليونسكو بباريس 5-9 أكتوبر /تشرين الأول 1998م حول \"التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين، الرؤية والعمل\"، أنّ مستوى المشاركة في التعليم العالي في المناطق \"النامية\"التي تشمل حسب الوثيقة الدول العربية ومعها أمريكا اللاتينية والكاراييب يبلغ 1000 طالب لكل 100.000 من السكان، مقارنة بـ\"بلدان المرحلة الانتقالية \"التي تتألف من بلدان أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية وبلدان الاتحاد السوفياتي السابق (2602 من الطلبة لكل 100.000 من السكان ) ، والمناطق الأكثر تقدمًا -أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق أسيا، حيث يبلغ المتوسط العام فيها 4110 طلبة لكل 100.000 من السكان.

( [2] ) المرجع نفسه، ص 28.

( [3] ) حسام شاكر: \"متطلبات أساسية للنهضة الحضارية\"، سلسلة رسائل الأمة 1، آفاق، الطبعة الأولى 1998م، ص 24.

( [4] ) مداخلة د. زكي بدوي في ندوة بعنوان \"الإسلام والإسلاموفوبيا\"، نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب فرنسا، يوم 11 /5/2001م بباريس.

( [5] ) د. محمد الغمقي: \"مصداقية الدعوة الغربية إلى النقد الذاتي داخل المسلمين\"، مجلّة رؤى، العدد13، خريف 2001م، ص43-44.

( [6] ) نفس المصدر.

الخطاب المستقبلي للهجرة الإسلامية

د. محمد المستيري

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

(( لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجَاتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاء وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الاْرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )) (النساء:95-100) .

في فلسفة الهجرة القرآنية والتاريخية:

لم ترد الهجرة في الاستعمال القرآني بمعان سلبية إلا فيما كان يحملها محمل اجتناب الباطل ونبذ الفرقة، أو كان ينسبها إلى جحود الكفار ونكرانهم للقرآن، وذلك في موضع واحد فقط في قوله: (( وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُواْ هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُورًا ) ) (الفرقان:30) ، فالهجرة هي خروج في سبيل الله وسعي لتحقيق رسالته في وحدة العبودية ورفعة قيم الدين. من هنا يصبح المهاجر مرادفًا للمجاهد، والمعنى العكسي للقاعد والمتخاذل في أداء الرسالة، تصديقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ .. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ (أي جرح) يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ» ( [1] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت