فهرس الكتاب
إن وصل الهجرة بالجهاد يتنزل ضمن فلسفة الإسلام لمسؤولية الإنسان الكونية في الشهادة على الناس جميعًا وحمل أمانة القيمة وخلافة النبوة في الأرض. فالهجرة أصل في تحقيق غائية وجود الإنسان وتنزيل الدين. وقد يهاجر المرء مستضعفًا، ولكن لا يهاجر ضعيفًا؛ لأن قرار الهجرة من سنن الله العظيمة التي تشترط قوة في الإرادة وثباتًا في المبدأ. لقد مثلت الهجرة دائمًا نقطة تحول في تاريخ البشرية، ولحظة حاسمة في رقي الحضارات أو سقوطها.
فهجرة الأنبياء كانت السبيل لنشر رسالتهم وإنقاذ أتباعها من قهر المتجبرين، وتأسيس قوائمها على أسس من العمران الآمن، بمثل ما آلت إليه هجرة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع زوجته هاجر وابنه إسماعيل من بناء مجتمع مكة، الذي أصبح له شأن كبير في تاريخ الإسلام لاحقًا، أو هجرة العصبة من مستضعفي المسلمين الأوائل بمكة القهرية للحبشة، التي قادت إلى كسب أول نصرة خارجية رسمية لرسالة الإسلام، أو كذلك هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة، التي أرّخت لأول دولة ومجتمع إسلاميين، ولأصول العلاقات ضمنهما.
وليست أشكال الفتح الإسلامي المتعددة، التي رسخت انتشار الإسلام في أرجاء الأرض كلها سوى نمط من الهجرة الإسلامية، التي اقتضتها بداية نشر الدعوة ومرجعية الخاتمية لرسالتها ولزوم العموم في نشرها، حتى لا تنحصر في قومية وإثنية معينة.
لقد كان الخطاب الإسلامي يفيض دوافع وحوافز في اتجاه تعلم لغات الشعوب والاستفادة من علومها وحكمتها وتجربتها، ولَّد ذلك أنماطًا من الهجرة الثقافية والفكرية ساهمت في تأسيس المدارس الإسلامية في الفلسفة والكلام والتربية والعمران والطب والرياضيات وغيرها، وجعلت من هذا التاريخ منارة للبشرية على مدار الأزمنة التي تلته، وخاصة منذ أن دخل الإفرنج في الاستفادة من معارف المسلمين، من العصر الوسيط نحو عصر الأنوار وإلى زماننا المعاصر.
إن اكتشاف الرجل الأوروبي لأمريكا، وقبلها اكتشافه لعلوم وفلسفات وفنون العالم الإسلامي في الفترة الوسيطة، شكَّل بداية الهيمنة الغربية على مقدرات العالم. فالمجتمع الأمريكي المعاصر هو أنموذج حي للهجرة، لا يأبه كثيرًا بالأصول بقدر ما يقوم الانتماء إليه على أساس الإنتاج. إنه انتصار لهجرة الأوروبيين الأولى، وإن كانت المنافسة السياسية والاقتصادية، هي التي تطبع العلاقة اليوم بين الأمريكيين والأوروبيين ضمن رغبة « الرجل الأبيض» في تقاسم النفوذ على العالم.
ولئن رافق تهجير السود نحو أوروبا، وخاصة أمريكا، جميع أشكال الاستعباد والقهر، إلا أنه تحول إلى هجرة إيجابية بعد كفاح طويل ومستمر من أجل إلغاء قوانين العبودية وفرض مبدأ المساواة العرقي، والنجاح في الارتقاء بصورة الرجل الأسود من القابلية للعبودية إلى القدرة الكاملة على الإنتاج الحر والمنافسة.
في هجرة الغرب الحديثة:
تأسست أنماط الاكتساح الغربي على مقدرات الجنوب عامة والعالم الإسلامي خاصة، على فكرة الهجرة من خلال فرض استراتيجيات الاستعمار والتبعية وسلطة الصهيونية ونمطية العولمة. فاستوطن الغرب في العالم الإسلامي عبر مؤسساته الاستثمارية، وآلته العسكرية والمخابراتية، وأجهزته الإعلامية، ومراكز مراقبته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونجح بذلك في فرض نمط من الهجرة القهرية على العالم الإسلامي، وسيكون التحدي المستقبلي له مواجهة مطلب الشعوب في التحرر وفي حق الاعتراف بهويتها الجماعية، بكل ما يميزها من خصوصيات ثقافية ودينية. لقد هاجرت إلى العالم الإسلامي قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وتحرير المرأة، ولكن هاجرت معها بنيتها الأساسية القائمة على تحرير المجتمع من قيمه الأصيلة، وتحرير السياسة من وحدة قرارها، وتحرير الاقتصاد من موازين الرقابة والعدل، وتجذير نسق العلمانية القطائعي في علاقة سلطة الدين بسلطة السياسة.
لقد مثلت فلسفة التغريب الثقافي والفكري منذ القرن التاسع عشر أساس هجرة النفوذ الغربي إلى العالم الإسلامي، وحاولت ترويج قيم التحضر الغربي المعاصر ضمن وهم صورة التعددية، غير أنه منذ بداية التسعينيات بدأت مقولة العولمة في وجهها الثقافي تكشف عن حقيقة نمطية «التعددية» الغربية. وبدت العولمة تستعيض عن التغريب، لتتجاوز فكرة ضرورة إلحاق العالم الإسلامي بالغرب، نحو الفكرة القائلة بحتمية وحدة النمط الذي يسود العالم، وحتمية أن تذاب جميع الخصوصيات الثقافية فيه، وهو منطق العولمة.
وليس هذا المنطق وليد التسعينيات، وإن كان مصطلح العولمة يؤرخ له بهذه الفترة، فهو المسكوت عنه في رؤية الغرب للعالم منذ أن بدأ هجرته الأولى نحو أمريكا سنة 1492م.
إن نمطية الهجرة الغربية إلى العالم الإسلامي من خلال فرض توجه أحادي في فهم الحداثة والتحضر يتأسس على مبدأي العلمانية والليبرالية، رغم تعارضهما مع كثير من مقومات المجتمع الإسلامي، إنما فشلت في تصدير قيم التعددية والحرية والتسامح وفرضت على نماذجها التي أقامتها في أنحاء من العالم الإسلامي مشروطية التبعية الكاملة، فحولت أنساقها وأنظمتها إلى نماذج من العنف المقنن. فليس العنف نتيجة لغياب الديموقراطية، كما يتوهم كثيرون، وإنما نتيجة عنف نمطية الديموقراطية التي حاولت الهجرة الغربية إخضاع العالم الإسلامي لها.
إن قيمة التعددية المشروطة بفلسفة تحرير الإنسان من سلطة الغيب والأخلاق إنما أنتجتها الحداثة الغربية لمجتمعاتها، ونجحت إلى حد كبير في ترويض هيئاتها المدنية الثقافية والأخلاقية وحتى الدينية على وتيرتها. إنه الدين المدني الجديد بتعبير «روسو» الذي حلَّ محل الدين السماوي، ولكنه دين استعصى إدماجه ضمن ثقافة مجتمعاتنا؛ لأنه كان مصادمًا لهويتها، حيث لا انفصال بين الروحي والعقلاني، وبين السماوي والأرضي، فالقيمة وحدة مقدسة، ومن حرمات الوجود البشري.
إن مشروع التعددية الذي استهلكته مجتمعات الحداثة الغربية داخل مؤسساتها الديموقراطية هو غير مشروع التعددية الذي هاجر إلى العالم الإسلامي. فالتعددية الغربية المصدرة «لإنتاج» العالم الإسلامي تقصي عن ديموقراطيتها سلفًا أعداء الديموقراطية الغربية، أي من لا يخضع كليًا لمشروطية الحداثة مرجعًا ومنهجًا في التفكير ومن يتخذ من الهوية الإسلامية منطلقًا في الوجود أو التعبير.
لقد مثلت هجرة المسلمين إلى الأندلس العصر الذهبي للفكر الصوفي اليهودي والفلسفة اليهودية التي من أبرز أعلامها «ابن ميمون» ، كما عرفت الفلسفة المسيحية أوجها من خلال مثال «توما الأكويني» . واستطاع العصر الذهبي للإسلام أن يشع بعلومه ومعارفه على تاريخ التقدم البشري من خلال الأنوار والنهضة الصناعية والعلوم الحديثة. لم تكن قطبية الإبداع الإسلامي مهيمنة وقاهرة ونافية للاختلاف بمثل ما آلت إليه قطبية الحضارة الغربية المعاصرة. فبين هجرة «الفتح» المحررة للطاقات من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهجرة «التغريب» المكرِّسة لهيمنة الفكر المادي وسلطة الرجل الأبيض، يكمن الفارق المعياري الكبير بين حضارة الإسلام والغرب في تصور إنسانية الإنسان واحترام وجوده المختلف.