فهرس الكتاب
ففي حين يستند التصور الإسلامي إلى مبدأ أن الاختلاف أصل في الوجود: (( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ ) ) (الحجرات:13) ، بل وحكمةٌ في علم الغيب: (( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ) (هود:118 ) ، ثم وفضلٌ في الارتقاء بالحياة الإنسانية: (( وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) ) (المطففين:26) ، ينتهي أرقى التصور الغربي في إدارة الاختلاف إلى مبدأ التسامح، الذي لا يعني في جوهره إيمانًا بوحدة الاختلاف، إنما تساهلًا ظرفيًا ونسبيًا في قبول وجود الطرف المخالف، على أساس قابلية هذا الطرف للانصهار ضمن الأنموذج الغربي الواحدي. فهو مبدأ هلامي وزئبقي يصعب تعيين حدوده، لا يرتقي إلى الاعتراف بهوية المخالف الفرد فضلًا عن الاعتراف بهوية الجماعة المخالفة.
إن هجرة الهيمنة والاكتساح، التي رسخها الغرب في علاقته بالحضارات والأمم التي رافقت نهضته الحديثة، صنعت فاصلًا وبونًا شاسعًا بين العالم الأوروأمريكي، الذي لا يتجاوز سكنيًا عشرين بالمائة وينفرد بأكثر من ثمانين بالمائة من مدخرات العالم، وبين عالم الجنوب الذي يرزح تحت ويلات الفقر والظلم والمديونية.
لقد استهلكت أمريكا لوحدها من مدخرات الأرض خلال القرن الذي مضى ما يعادل ما استهلكته البشرية طيلة تاريخها الطويل. لقد قوض الغرب من إيجابية ماهية هجرة القوي نحو الضعيف، وأقام نسقًا من العلاقة احتكاريًا شاملًا تحت نظام العولمة، بسط فيه نفوذه على جميع سلط القرار التي تضمن له الانفراد بالقوة. فلم تعد الهيمنة الاقتصادية ولا السياسية ولا الثقافية بكافية لضمان شمولية هذا النفوذ، بل تدخل المُعْطى المعلوماتي والإعلامي، الذي بوساطته يُصنع الرأي العام المحدد في توجيه الشعوب كما في اتخاذ القرارات. فأوروبا وأمريكا تنفردان لوحدهما بحوالي 85 % من مدخرات البنوك المعلوماتية الدولية، في حين لا يملك العالم الثالث بأكمله أكثر من 1 %. ثم إن «جايت» «وموردوش» و «تورنر» «وكونراد» و «لجارديار» ، من أقطاب رؤوس الأموال الغربية في الاتصال، يحتكرون مجمل دور النشر الكبرى ودور الإذاعة والتلفزيون العالمية. ومن يملك المعلومات وسبل الاتصال السريع إنما يملك مفاتيح تغيير العقول وتوجيه الأذواق بل وتربية الأجيال.
في النمط الجديد للهجرة نحو الغرب:
إن الاختلال الكامل في التوازن بين عالم الجنوب والشمال أعطى لهجرة الجنوب نحو الشمال صورة دونية، دافعها الأساس ليس البحث عن الحقيقة بقدر ما هو البحث عن خلاص معيشي من خطر البطالة والفقر والجوع الذي يتهدد أهلها.
إن صورة الهجرة الإسلامية لدى الإعلام والرأي العام الدولي يغلب عليها معنى هجرة الهامش من اليد العاملة غير المتخصصة، والكوادر العاطلة، والعقول الحرة المهجرة اليائسة. وهي صورة تقترب من حقيقة الحال ولكنها تندرج ضمن خطة الغرب في التحجيم من القيمة المستقبلية للهجرة الإسلامية، وتحويل وجهتها الاستراتيجية البنائية والتوطينية نحو إدارة أزمات الوجود اليومي في الغرب، داخل دوامة الاعتراف وضمان الشغل والسكن والأمن تجاه أخطار الاتجاهات النازية الحديثة المتنامية. إن الغرب وهو يعمق مصاعب إمكانات الوجود الاستراتيجي الفاعل للمسلمين في دياره، رغم شعاراته التمويهية عن الاندماج والمواطنة المتعددة الثقافات، التي يخدم بها غاياته الانتخابية المؤقتة وغاياته الاقتصادية الدائمة، إنما يزيد في ترسيخ سياسات هجرته العولمية المهيمنة على أوطاننا.
إن الغرب يدرك القيمة الحضارية للهجرة، وحتمية أن تنهض أمة الإسلام من جديد بطريق الهجرة، من خلال دراستها ونقدها لتجربته وتهيئتها للمخزون الروحي والثقافي والحضاري لعالم الإسلام، وهو منهج الاستيعاب والتجاوز الإسلامي، الذي لا يتبنى الثورة ولا المسايرة، وإنما الإصلاح البناء المتوكل على الله في كل أمره: (( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ ) ) (هود:88) .
وكثيرًا ما ترفع عناوين الحوار الحضاري والتقارب بين الشعوب وعولمة الثقافة ليست لغايات تحرير الأمم المغلوبة من قبضة الغرب الغالب، إنما لتعميق صهر إراداتها ضمن نمطية الغرب، وشل قواها عن الإبداع. فهو منهج يقوم على امتصاص طاقات المقاومة لتيار التغريب داخل الأمم المغلوبة وإفراغ مخيلتها ومخزونها الثقافي من الإيمان بذاتها والاعتزاز بهويتها ومقوماتها الحضارية.
إن ظاهرة تنامي مجتمعات الهجرة والتعدد العرقي والديني تسير ضد تيار نمطية العولمة، التي عملت على طمس الهويات الجمعية وإذابتها ضمن الهوية الغربية الواحدة ادعاءً بنهاية زمن الأمم وبداية وحدة الهوية العالمية تحت خيمة رأس المال وسلطة اقتصاد السوق. ليست هذه الظاهرة إذًا نتيجة إرادية ومدروسة، لا من قبل الغرب ولا من قبل باقي الأمم والثقافات المعاصرة. ولا تعبر هذه الظاهرة عن وحدة مجتمعية أو أنموذج في التعددية الثقافية، إنما هي عبارة عن تداخل وتراكم عرقي وثقافي فرضه تطور الحاجة إلى التبادل بين الأمم، حاجة إلى التوسع وبسط النفوذ من جهة الغرب، وحاجة إلى اللجوء إلى الأمن والكفاف من جهة باقي شعوب العالم.
إن غياب الفكرة الموجهة أو القادرة على استيعاب هذه الظاهرة وتحويلها إلى أنموذج في الاعتراف بالهويات الجماعية الأقلية، أمام مصادمة الغرب لهذا المطلب الجديد الذي يعم أرجاء العالم وليس عالمه فحسب، يجعل منها ظاهرة حساسة قابلة للاستعمال المصلحي من الغرب أو التصدع في مواجهة أبسط الاختبارات في تقنين التعايش بين الجماعات المختلفة.
فعلى الرغم من أن تطور الهجرة الفردية إلى الغرب نحو تشكل وحدات جماعية عرقية وثقافية بل وحتى دينية، يمثل إكراهًا جديدًا وتحديًا خطيرًا على الحداثة الغربية الأحادية، غير أن طبيعتها القهرية غير الإرادية تجعلها سهلة الاستعمال من الغرب ذاته، لحجب نمطيته وتنميق صورته التعددية في العالم، التي باسمها وباسم وحدة شعوب العالم يستزيد ويضاعف من إمكاناته على التحكم في مقدرات العالم. كما أنه ليس من قبيل المفارقة أن يرافق هذا التنامي لمطلب الاعتراف بالهجرة الجماعية تنامي في ظاهرة التطهير العرقي والديني، أو نزعات الاستعلاء العنصري سواء داخل الغرب أو خارجه.
فتعدد الهويات الجماعية ليس وليد تطور فكري، وبلوغ نضج إنساني، وقد يكون أحيانًا من مصلحة الغرب ذاته تغذية انحرافاته وتفجراته لتيسير ترويج أسلحته وتجربة نجاعتها، أو للبرهنة على ضرورة الالتفاف حوله لإنقاذ مصير العالم من الدمار. ثم إن الفراغ الكبير في التداول الفكري لقضية الاعتراف بالهوية الجماعية للهجرة بين المؤمنين بها لا يساعد في بلورة المناهج والنظريات المستقبلية البديلة عن نظم الحداثة المعرفية والمؤسسية الغربية العاجزة عن استيعاب مثل هذا التطور في نمط الهجرة.
«إن نمط التعايش السلمي في أزمة» ( [2] ) ، هكذا عبر الفيلسوف الأمريكي «فالزير» عن مخاوف المفكر الغربي تجاه مستقبل مبدأ التسامح بين الشعوب الذي تعتبره الحداثة الغربية «الإطار الأنسب لنمو التعددية الدينية والعرقية» ( [3] ) .. كما أن مجتمع ما بعد الحداثة سيكون - كما يرى الفيلسوف الإنجليزي لوك - مجتمع الاعتراف بالفرد فقط، فما هو فردي هو إنساني. والعالم سيكون تجمعًا للغرباء، حيث لا هوية حتى للفرد، حسب استشراف الفيلسوف وعالم السياسة الكندي «تايلور» ( [4] ) .