لقد نجح الغرب في استقطاب الطاقات الفكرية للعالم كله. فهو يشرف بعلومه ومناهجه ومؤسساته على تكوين وتأطير وتوجيه أغلب طاقات دول الجنوب، داخل فضاء البلدان الأكثر تصنيعًا. فحوالي90% من العقول المهاجرة في العالم تختار الغرب وجهة للاستقرار.
وتمثل هجرة العقول الإسلامية أضخم هجرة متأتية من دول الجنوب. فعلى صعيد العالم، تأتي هجرة الطلبة من المغرب في المرتبة الثانية بعد الصين، وفي فرنسا مثلا يشكل الطلبة المهاجرون من أصل بلدان المغرب العربي أكثر من نصف مجموع الطلبة الأجانب. وتستوعب مؤسسات الغرب البحثية حوالي70% من الباحثين ذوي الأصول الجنوبية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد كتلة الغرب الليبرالي بالموارد البشرية النوعية في العالم ( [5] ) .
وضمن اقتسام مناطق النفوذ، تتجه أمريكا إلى استيعاب الطلبة والباحثين القادمين من آسيا والشرق الأوسط، في حين تواجه فرنسا بدرجة أكبر خصوصيات القادمين من العالم العربي وخاصة بلدان المغرب العربي وسوريا ولبنان، وتكاد تنفرد ألمانيا بالتعامل مع العقول الإسلامية التركية إضافة إلى مناطق عديدة من أوروبا الشرقية.
وقد يتوقع أن يكون في المستقبل أغلب الباحثين الفيزيائيين والمهندسين المستقرين في ديار الغرب من أصل مناطق الجنوب، على الرغم من أنه مع دخول أوروبا تجربة وحدتها الاقتصادية والنقدية، وفتح حدودها الجمركية بينها، بدأ الاهتمام يتجه نحو تشجيع تبادل الخبرات بينها، ومعادلة الشهادات والتنسيق في المقررات بين جامعاتها ومؤسساتها التعليمية العليا.
قد تحمل العقول الإسلامية المهاجرة معها خلفية حضارية شاملة ولكنها تتكبد ثقل مسؤوليتين، الأولى تجاه أوطانها الأصلية وتجاه مستقبل نهضة أمتها الإسلامية، والثانية تجاه الوجود الإسلامي في الغرب. تضاف إلى ذلك عوائق الاندماج في المؤسسات الغربية، التي تعود في معظمها إلى إرادة هذه المؤسسات في فرض مشروطية من جنس ثقافي تصادم بها الهوية الإسلامية، وربما تصادر بعض تجلياتها التي يمكن أن تربك مبادئ العلمانية الغربية من مثل أداء الصلاة وارتداء الحجاب وصوم رمضان. إن توزع معركة المثقف المسلم في الغرب بين هذه الجبهات الثلاث: تخلف عالم الإسلام، وهامشية الوجود الإسلامي في الغرب، والضغوطات التي يواجهها من قبل مؤسسات الغرب، يفرض عليه عدم التوقف عند امتلاك الخلفية الإسلامية فحسب، فهي تستلزم مشروعًا حضاريًا شاملًا ورؤية استراتيجية عميقة لأولويات النهوض الحضاري للأمة، ولدور الوجود الإسلامي في هذا النهوض، وإسهام المثقف فيه.
ولعل نمو سرعة وسائل الاتصال ودقتها، مع زمن العولمة المعلوماتية سيمهد السبيل أكثر أمام العقول الإسلامية المهاجرة للقيام بدور الناقل الوسيط لأوطانها، ولفرض توجهات حقوقية وتنموية أكثر قسطًا ونجاعة في العالم الإسلامي. كما سيسمح لها باتساع أفق أكبر في الاستفادة من التجربة الغربية وفي تعميق منهج المقارنة في تصور مدارس الغرب ومحصولاته.
إن وزن أمة ما إنما يقاس بصفاء عقيدتها، وعمق عقلانيتها، وشمول مشروعها في الوجود. وإن المخزون البشري العلمي هو منطلق التجلي الحضاري لهذا الوزن، فمن غير الوعي بقيمة دوره الريادي لن يتحقق للهجرة تقدم نوعي.
إن وتيرة جفاء مستمرة تحكم علاقة نخبة الوجود الإسلامي في الغرب بقاعدته، شبيهة بصورة الفراق والتوتر السلبي الذي يقود مجمل علاقة هذه النخبة بأنظمة أوطانها الأصلية وأنساقها. ولئن بدا لنا الميل إلى تفسير ذلك بضعف في الوعي العام بأهمية الاستفادة من العقول المهاجرة وضعف في وعي هذه النخبة بجدوى الإفادة من معارفها وتجربتها، فإن المستفيد الوحيد من هذه العلاقة المرضية هو الغرب ومؤسساته التغريبية التي من مهامها الأساسية ملاحقة ضعف حس الانتماء للهوية لدى العقول المهاجرة الإسلامية، قصد التأثير على إرادتها في الانخراط في قضايا الأمة وعلى مناهج تفكيرها وتصورها للقيمة.
إن المسؤولية كبيرة في تحويل الزخم الهائل من الطاقات العلمية والفكرية الإسلامية في الغرب إلى مؤسسات متخصصة، بالمعنى الجديد للتخصص المتعدد المقاربات، وفي إيجاد المؤسسات البحثية الوسيطة لخدمة المؤسسات التنموية الإسلامية العامة، سواء داخل ديار الغرب أو في أوطاننا الإسلامية الأصلية.
لقد تطورت رؤية الغرب لدور المثقف، من موقع الفيلسوف المنظِّر من وحي صورة فلاسفة الأنوار، والعالم المخبري من وحي نماذج النهضة العلمية والتقنية مثل «باستور» و «اينشتاين» ، إلى المثقف العضوي «لغرامشي» من خلال دور جماعات الضغط ومراكز التفكير (Think Tanks) . ولعلها المفارقة أن يتواصل السؤال داخل المجتمع الإسلامي حول مشروعية دور المثقف، ونحن ننتمي لأمة العلم، عقيدة وتاريخًا، وكان لنا شأن كبير في ترسيخ تقاليد السفر والترحال العلمي بين شعوب العالم، بكل أديانه وطوائفه، في ظل القرون الطويلة من إشراقة نهضة المسلمين على العالم.
لقد اعتاد الخطاب الإسلامي مناشدة نهضة عامة المسلمين، دون الالتفات الكبير إلى خاصتهم، على اعتبار أنها المعنية بريادة هذه النهضة والأكثر تأهلًا لها، ولكن هذا الفهم هو عكس منطق الأشياء؛ لأن مشكلات تشتت طاقات الأمة تعود بالأساس إلى طبيعة عقولها المفكرة، التي يفترض أن تقود تربية الأجيال وتغيير نمط التفكير ونسق الحياة الباليين. إن الوعي بخطورة وحساسية العقول الإسلامية المهاجرة في ترشيد الساحة الفكرية الإسلامية، هو بداية إسهام حضاري فعلي للمفكر المسلم في معركة التغيير.
من الهجرة إلى المواطنة:
انتقال هجرة المسلمين نحو الغرب إلى مواطنة، وعلاقة هذه المواطنة الجديدة بمشاعر الوطنية تجاه العالم الإسلامي، وعلاقتها بالهوية، وتداخل وضع المواطنتين، كل هذه زوبعة من نماذج لأسئلة حساسة تمر بها تجربة توطين الهجرة الإسلامية في الغرب، وتطبع خطابها وخياراتها. هناك إجماع لدى المحللين والدارسين حول تصاعد الخط البياني للمهاجرين المسلمين الحاصلين على الجنسيات الأوروأمريكية. ففي فرنسا مثلًا حوالي 40 % من الجالية المغاربية يحصلون على الجنسية سنويًا، في حين يفوق الذين هم دون سن الرابع عشر من هذه الجالية 40 %، وذلك يعني أن مستقبل المواطنة الفرنسية من أصول إسلامية واعد، رغم ما يمكن أن يوحي به تصاعد النزعات العنصرية من ضعف الوجود الإسلامي وتراجع ميزان قواه.
لقد تطورت هجرة المسلمين إلى الغرب من هجرة مؤقتة إلى هجرة دائمة، ثم إلى مواطنة، ولا يمكن أن نعزو ذلك إلى إرادة ذاتية فحسب، فتهاوي نسبة النمو السكاني من الغربيين الأصليين دفعت نحو سياسة تسهيل عملية التوطين. كما لا يمكن أن تحجب معاينة هذا الاتجاه التوطيني عمق الهواجس النفسية والفكرية التي تعتمل جوارح المسلمين بالغرب، والتي تدور في فلك السؤال عن التعايش بين هويتي المواطنة الأصلية والغربية. فليس مبعث الحرج الذي أخر الكثيرين عن التوطين هو خيال المجازر الدامية التي صمم لها الحضور الغربي الاستعماري ونفذها في ديار الإسلام فحسب، بل هي مشكلة فكرية حضارية شاملة تتصل بمفهوم الانتماء والمواطنة والوطنية، التي ساهمت كثيرًا في غياب تصور استراتيجي لتوطين الإسلام في الغرب.