لقد واجه التصور الإسلامي المعاصر إشكالية المعادلة بين الانتماء لعالمية الإسلام والولاء المطلق له، وبين العصبية أو الحمية القومية التي نطلق عليها وطنية، بالمصطلح المعاصر. فحين عرف أبو الأعلى المودودي مهمة المسلمين المعاصرة بأنها «مهمة عالمية، خلاصتها العمل بكافة الطاقات الأخلاقية والذهنية والمادية لتنفيذ قانون الفكر والعمل، الذي أسنده الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام» ( [6] ) ، كان لسيد قطب فهمًا إطلاقيًا لها، فهدف الإسلام في تصوره «لم يكن تحقيق القومية العربية، ولا العدالة الاجتماعية، ولا سيادة الأخلاق، ولو كان الأمر كذلك لحققه الله في طرفة عين، ولكن الهدف هو إقامة مجتمع الإسلام الذي تطبق فيه أحكام القرآن تطبيقًا حرفيًا، وأول هذه الأحكام أن يكون الحكم نفسه لله» ( [7] ) .
إن مثل هذه المنطلقات المثالية في تصور الولاء لله ورسوله، التي تصادر في مدلولها ضمنًا الولاء لعشيرة وأهل وموطن، إنما صنعت منهجًا صداميًا بين الانتساب للأمة والانتساب للوطن، أدخل تجربة الإصلاح الإسلامي المعاصر في معارك وهمية وجدل عقيم أخرجها من سنن التاريخ لفترات طويلة. فلقد فهمت المعركة الحضارية الإسلامية المعاصرة منذ فكر النهضة فهمًا شموليًا، إذ تحرير الأمة من تخلفها يقتضي تحرير أوطانها من هيمنة المستعمر وقبضة تبعيته.
غير أن تنامي مقولات القومية العربية بالمعنى الشعوبي، والقوميات \\\"القطرية\\\"و\\\"الإقليمية\\\"، وحتى العرقية الضيقة التي تعتمد في معظمها العلمانية الغربية مرجعية وإطارًا للتفكير، والتي يفترض مصادمتها لثوابت الدين في وجوه مختلفة، كل ذلك أدخل مجالًا متمددًا في الفكر الإسلامي في جدل «العالمي» و «الوطني» ألهاه كثيرًا عن إدراك تطور وتعقد مهمة التغيير الحضاري في أرجاء أوطاننا أمام تغول العالمية الفعلية للغرب. فمن قبيل المفارقة مواجهة عالمية التحكم الغربي بعالمية الأماني التي سادت الخطاب الإسلامي.
إن بسط النفوذ العالمي للغرب هو مرحلة متقدمة بعد مرحلة البناء الداخلي الوطني الذي رسخه من خلال إقامة أنظمته الديموقراطية وإنجاز تجاربه العلمية والتكنولوجية وتهيئة اقتصادياته المحلية للاضطلاع بدور دولي. لقد أدرك جمال الدين الأفغاني قيمة المعادلة الوطنية لمواجهة التغريب، «فلا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا آداب لهم، ولا عز لقوم لا تاريخ لهم، ولا تاريخ لقوم إذا لم يقم منهم أساطين تحمي وتحيي آثار تاريخها فتعمل عملهم، وتنسج على منوالهم. وهذا كله يتوقف على تعليم وطني، تكون بدايته الوطن، ووسطه الوطن، وغايته الوطن» ( [8] ) .
إن الفهم الإسلامي للوطنية يقوم على رابطة روحية عميقة، عنوانها العقيدة، وفلسفتها الاستخلاف، فتطبيقاته سواء ضمن جغرافية الغرب أو جغرافية العالم الإسلامي تتنزل ضمن مرجعية واحدة للجغرافية، وهي أن الأرض كلها لله. من هذا المنطلق تحرر تيار «الوطنية الإسلامية» الذي ساد فكر النهضة من عقدة الخوف من الروابط القومية «فواجب أن يعمل الإنسان لوطنه، وأن يقدمه في العمل على سواه.. وواجب أن نعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها..باعتبارها الثانية في النهوض..وواجب أن نعمل للجامعة الإسلامية، باعتبارها السيادة للوطن الإسلامي العام..ولا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار، كل منها يشد أزر الأخرى ويحقق الغاية منها» ( [9] ) .
حين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم أن «يا رسول الله: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟، أجاب: لا، ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم» ( [10] ) . فليست العصبية منبوذة بذاتها، وإنما هي مشروطة بصلاحها وعدلها وخيريتها الإسلامية، بل وقد تصبح بهذه المعيارية من صفات الأفاضل الأخيار استنادًا إلى الحديث الشريف: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» ( [11] ) . إن ارتباط المسلم المهاجر بالمواطنة الغربية قد تحركه دوافع الغيرة على حقوق جماعته المسلمة، ولكنه لن يكون له وزن وتأثير ما لم يرتكز على البعد الإنساني للهوية الإسلامية: «الناس بنو آدم، وآدم من تراب» ( [12] ) .
فخلفية رباط الأخوة الإنسانية هي التي يجب أن تقود الرغبة في تقديم الأنموذج الإسلامي الرائد في أخلاق المواطنة، فهي خلفية الدعوة إلى الإسلام، دين الفطرة وخطاب التوحيد الذي أجمعت عليه دعوات الرسل: (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ ) ) (النحل:36) .
إن رسالة مواطنة المسلم في الغرب هي رسالة عالمية الإسلام وإنسانيته. ففي عقد المواطنة الذي يصله بالغرب صورة حية وعميقة لعالمية رسالة الإسلام، التي لا تؤمن بغير حدود الله وضوابطه في التعامل مع الحدود العرقية والثقافية والجغرافية المصطنعة، التي وضعها الإنسان.
ولا تعارض بين أن يذود المسلم عن حرمات موطنه الأصلي ووطنه الجديد طالما في فعله نية في الصلاح وفكرة في الإصلاح الإنساني، تنبني على فهم حضاري إنساني للانتماء الوطني. إن حالة التمزق التي يمكن أن تعتري الهجرة الإسلامية في الغرب بين الالتزام بمشكلات العالم الإسلامي، والإسهام بالأنموذج الإسلامي، والنهوض والارتقاء بمكانة الإسلام في الحياة الغربية، يعود إلى خلل في تصور وحدة الانتماء لحضارة الإسلام.
فالانتماء لدائرة الإسلام في لحظة تاريخية معينة، ليس هو انتماءً بسيطًا وسطحيًا لدائرة جماعة فرقية أو قومية شعوبية وعرقية، أو حتى جزء جغرافي من العالم اصطلح عليه الغرب بعالم الإسلام أو العالم الإسلامي، إنما هو انتماء لدائرة الأمة المركبة، أمة الرسالة، أي أمة المسلمين، وأمة الدعوة، أي باقي الإنسانية التي ندعوها إلى الإسلام، والتي نعتقد في سلامة فطرتها وجبلتها الإسلامية. فالهجرة هي مرحلة ضرورية في الدعوة من أجل أن يتسع أفق أمة المسلمين نحو أمة الإسلام، أمة البشرية جمعاء.
نحو خطاب حضاري بديل: ملاحظات ختامية
لم تكن دوافع الهجرة الإسلامية نحو الغرب ومنطلقاتها اختيارية في عمومها ، فهي وليدة إكراهات عدة محلية ودولية، بحثًا عن الرزق والأمن والرفاهية، وتلبية لحاجات الغرب في دعم موارده البشرية وتغطية عجز نموه السكاني. أما الوجه الاختياري في هذه الهجرة فمدخله الأساس ومقتضاه هو السنة التاريخية، التي أشار إليها «ابن خلدون» في مقدمته حول ولع المغلوب في الاقتداء بالغالب، وهو ولع يتنزل في عالمنا اليوم ضمن حضارة الغرب، طلبًا للمعرفة والعلم، أو استفادة من التجربة التقنية والمؤسسية، أو انبهارًا بالتجليات الشكلية في العادات والذوق.
والوجه الإرادي في مشهد الاختيار هذا ضعيف، لكونه يفتقر إلى رؤية ذاتية في تصور الهجرة تحصنه من مزالق الذوبان والانصياع لإرادة الغالب. فبمثل ما هاجر إلينا الغرب «مستشرقًا» ، دارسًا لحكمة تراثنا الإسلامي، فإن عالم الإسلام اليوم يمتلك الطاقات البشرية الكاملة للهجرة العلمية الدراسية للغرب، ضمن مناهج يستنبطها في نقد العلوم الاجتماعية، أو النقد التاريخي، أو الأدبي، أو الأديان المقارنة، أو ضمن إطار ما يعرف «بالاستغراب» في مقابل «الاستشراق» .