فهرس الكتاب
إننا نؤكد - والأحداث تشهد - أن المسئولين في الغرب عندما اختاروا موقع العداء للإسلام وحضارته ، ووصفوه بوكر الأفعى ، كما فعل نيكسون ، فإن ذلك لم يرجع في الأعم الأغلب ــ كما يشيع البعض ــ إلى سوء عرض منا ، أو سوء فهم منهم ، ولم يرجع إلى ما عليه حال المسلمين اليوم من تخلف ، أو ما عليه حال بعضهم من تطرف ، ولكنه يرجع إلى اختلاف جذري في أصول كل من الحضارتين، وفي الوقت الذي يدركون فيه ذلك يدركون تحرك كل منهما نحو العالمية ، فيجعلهم ذلك يفزعون إلى خططهم المدروسة في الإساءة إلى الإسلام ، وتشويه صورته عمدًا ، وبكل ما يملكون من وسائل الدفاع عن الذاتية الخاصة جريا على منهجهم الذاتي في ( إبادة الآخر) .
إن علينا أن نعترف بأن هناك تناقضًا بين النسق الإسلامى ــ أو بتعبير آخر بين الحضارة الإسلامية ــ والحضارة التى تسمى"غربية تارة ، وأوربية أو أمريكية تارة ، وعالمية تارة أخرى". وهو تناقض موضوعي: تمامًا كما يكون التناقض بين المحافظة على"ذات"في مقابل المحافظة على"ذات"أخرى .
وإني لأحيي الأستاذ الفاضل الدكتور محمد سليم العوا في تعليقه على ظاهرة من ظواهر الانمياع الثقافي بمقاله بجريدة الأسبوع 16\2\2004 وهي ظاهرة تفشي الاحتفال بما يسمى"عيد الحب: عيد فالنتين"في بلادنا الإسلامية: وأستسمحه في نقل جزء من تعليقه بنصه: إذ يقول: (وكنت عندما يسألني بعض شبابنا عن السبب الذي من أجله أقول لهم لا تحتفلوا بهذا اليوم أرده إلي تميزنا الديني والثقافي والحضاري. وأقول له إن كان لليوم علاقة بالقديس(أو القديسين) المقتولين، فإنه إذن عيد للمسيحية الغربية لا شأن له بالمسيحية الشرقية وكنائسها الوطنية. وإن كان لا شأن له بذلك، فهو عادة ثقافية وحضارية لا أصل لها عندنا، ولو أن كل ذوي حضارة قبلوا عادات الحضارات الأخري، وانتحلوها وقلدوهم فيما يصنعون فيها، لذابت حضارتهم وانمحت هويتهم وفقدت خصوصيتهم الثقافية التي دونها لا يكونون …..!! وكنت أذكر دائما أنه إذا كان قولنا للمخالفين في الدين هو ' لكم دينكم ولي دين' فإنه كذلك يكون قولنا للمخالفين ثقافيا وحضاريا، لئلا نذوب فيهم أو تفني مميزات ثقافتنا فيما نستورده من تقاليدهم وعاداتهم.)
ثم ينتقل سيادته إلى التعليق على مشاركة إحدى الصحف القومية في الترويج لهذه الظاهرة ، والأدهى من ذلك إدماجها ضمن صفحتها الدينية وتوريط فضيلة المفتي بكلمة عن الحب الأخلاقي في الإسلام فيما أرادت به الصحيفة أن يكون تأييدا لهذه الاحتفالات لم يقصده المفتي: يقول الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا ( ما الذي يدعوني اليوم إلي هذا الحديث كله؟ يدعوني إليه ما صنعته احدي كبريات الصحف القومية العربية في مصر: لقد خصصت صفحتها الدينية يوم الجمعة الموافق 22 ذي الحجة 1424ه 13/2/2004 كاملة لموضوع الحب. واستصدرت فتوي من مفتي مصر تقول إن الحب من أهم الأركان الأخلاقية في الإسلام. وصدٌiرت حديثها عن الموضوع كله بأنهم(أي الغربيون) اكتشفوا الاحتفال بعيد الحب مؤخرا وهو في الإسلام صورة الشاعر الصوفي الكبير عمر بن الفارض الملقب بسلطان العاشقين.
وشتان بين ما يعبر عنه الحب باعتباره قيمة أخلاقية إسلامية كما قال فضيلة المفتي وبين ما يعبر عنه الحب عند الصوفية من ناحية، وبين ما يعبر عنه الاحتفال بيوم القديس فالنتين من أنواع الحب وصور ممارسته من ناحية أخري.
إنني لا أستطيع أن أكتفي بتخطئة المقارنة بين المفهومين. ولا أجد في قلمي الجرأة علي كتابة الوصف اللائق بما صنعته الصحيفة القومية المصرية (!) ولم يسيطر علي نفسي شئ منذ طالعت صفحتها الدينية يوم الجمعة الماضي أكثر من حديث الرسول صلي الله عليه وسلم: ' لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتي لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم. قالوا: اليهود والنصاري يا رسول الله؟ قال: فمن غيرهم' ؟
وأنا أهدي هذا الحديث الشريف، بل هذا المقال كله، إلي القائمين علي أمر تلك الصحيفة وصفحتها الدينية. لعلي أكون قد قمت ببعض واجب النصيحة الواقع عليٌi لهم!! )
ولقد اسعدني ما وجدته من توافق مع سيادته في تقرير مبدأ"الخصوصية الحضارية"، وإن كنت لا ازعم أنه قد يصل بيننا إلى حد تقرير مبدأ حتمية الصراع ، و قد نلتقي عند تقرير مبدأ"التدافع"ففيه الكفاية إذ هو على كل حال - وفي حده الأدنى - يمثل الصورة المهذبة من صور الصراع
أما الذين ينكرون واقع الصراع بين الحضارات أصلا فإنهم يتجاهلون ذلك كله ثم يتجاهلون أن راية الصراع فيما يخص صراع الغرب مع الحضارة الإسلامية إنما ظهرت أولا في الجهة الأخرى ، أي في الجهة التي لا يملكون حق التحدث باسمها ، كما يتجاهلون أن فلسفة الصراع والبقاء للأصلح هي الفلسفة المتربعة على عرش الفكر المعاصر لم تتزحزح عنه منذ دارون إلى هربرت سبنسر إلى مختلف موديلات الفكر المعاصر بغير استثناء ، فكأنهم واعين أو غير واعين يساعدون الصراع على أن يأتي صرعا لنا من جهة العدو على غير استعداد .
يتحدثون عن التفاعل ، ويتحدثون عن التبادل ، ويتحدثون عن التلاقح ، ويتحدثون عن الحوار - كأنما انحسر المفكر إلى أقبية الدبلوماسية ، فلم لا يتحدثون أيضا عن التضارب ، وعن التعارض وعن التناقض ، وإلا فأين ذهبت حضارات السومريين والفينيقيين والبابليين والكلدانيين وعاد وثمود والمصريين القدماء ؟ ولماذا ذهبت حضارة الهنود الحمر ، وحضارة الأندلس ، وما الذي حققته الحروب الصليبية ، وحروب المغول والتتر ، وحروب"التعديل الحضاري"بين القوميات الصاعدة في القرنين التاسع عشر والعشرين ؟ وأخيرا فلم لا يتحدثون عن التدافع ثم التصارع كوعاء تاريخي واقعي لذلك كله ؟
كيف يفسر لنا هؤلاء تكالب الغرب على إزهاق جميع محاولات نهوض الأمة العربية والإسلامية في العصر الحديث - على الأقل - بدءا من محمد علي إلى الشريف حسين وجمال الدين الأفغاني وحسن البنا وعبد الناصر وصدام حسين مهما اختلفنا مع بعضهم في بعض أعمالهم أو توجهاتهم ؟
كيف يفسرون لنا المذبحة التي تجري لعلمائنا اليوم في العراق ثم في باكستان ثم في الصفوف المذهولة والصامتة من زملائهم في كافة البلاد العربية الإسلامية الذين ينتظرون دورهم أو يحاولون التبرؤ من ماضيهم ، أو يبحثون عمن يشتريهم لقاء تبرئتهم أو إطلاق سراحهم ، ثم في الأجيال المتفرجة والتي لم تظهر بعد من شبابنا وأطفالنا ومن لم يولد بعد منهم ، وما هو متوقع نتيجة لذلك من تأثير مرعب لا يقل عن تأثير محاكم التفتيش في العلماء في القرون الوسطى ؟ وكيف لأحد أن يدعوهم بعد إلى ممارسة العلم بدلا من ممارسة اللهو والرقص والدعارة ؟
كيف يفسر لنا هؤلاء مأساة علمائنا الذين أصبحوا بين يوم وليلة موضع المطاردة بدلا من التمجيد وموضع التحقير بدلا من الإجلال والتخليد ، وصاروا يتعرضون اليوم لمذبحة أخذت تجري وسط تعتيم إعلامي جبان خاضع لتهديدات السيد رامسفيلد الوقحة .. مقارنة بما يحدث من إعلام صاخب لو أن راقصة باتت في ليلها عكرة المزاج ، أو بما يحدث من تخصيص قناة فضائية كاملة عربية - مثلا - لما يسمى"ستار أكاديمي"لانتخاب أفضل راقص أو راقصة أو مغن أو مغنية ، بعد مرورهم ومرورهن بتجربة معيشية يومية مختلطة كاملة لأيام متتالية ليل نهار لست أدري مداها ، !! ، وأخرى لعرض عدد معين من الفتيات للزواج تحت شعار"مع الهوا سوا"كأنه سوق نخاسة عصرية أربعا وعشرين ساعة كل يوم ولمدة ثلاثة شهور أو أكثر ؟ ؟