فهرس الكتاب

الصفحة 1839 من 2255

ذلك أنه قد كان لنا ـ وما يزال ـ زعماء فكر هم خريجو كلية فكتوريا، والميردى دييه ، وقهاوى باريس ، وشارع الشانزلزييه ، وقبعات التخرج في عقر جامعاتنا !! فلم يكن لفمهم ـ وهو ممتلئ بشرابهم ـ أن ينطق بأن القضية صراع حضارات . وعندما ظهرت الكلمة بعد أن انكشف الغطاء ــ في صراعنا معهم ـ عن التأخر الحضارى الذى"نتمتع"به ، ... بعد أن ظهرت الكلمة وأنها"صراع الحضارات"، جرى تزييفها مرة أخرى فقالوا: هو صراع حضارى ؛ ولكنه يعنى أن"نتحضر"مثلهم . أن نعيش كما يعيشون . ونغني كما يغنون ، ونرقص كما يرقصون ، ونلبس البذلة كما يلبسون . ونحلق الذقن كما يحلقون . ونكشف العورات كما يكشفون ، ونأكل بالشوكة كما يأكلون . ونشرب كما يشربون ، أن نتحضر بمثل ما يتحضرون .

وليتهم أرادوا من ذلك أن نأخذ العلم كما يأخذون ، والقوة كما يأخذون ، والجد كما يجدون ، أن من حضارتهم"الوسائل"التى تعيد الحياة إلى حضارتنا ، والقوة إلى"وجودنا"؛ والسلامة إلى"نسقنا"!!

لا ولكنهم يهدفون إلى أن نخسر حضارتنا ، ونفقد ذاتنا ونعيش بحضارتهم وننماع في ذاتهم . أزاحوا الفهم الصحيح لحقيقة صراع الحضارات وأنه صراع يدور بين حضارتين تتمتع إحداهما ـ اليوم ـ بالسيادة على العالم ، وتنزوى أخراهما في جمود .

صراع بين حضارتين ، إحداهما يمكن أن نسميها"إنسانية"بحق !! أى يستقل بها الإنسان فلسفة وتوجهًا ، وتطبيقًا ، وأخرى"إسلامية"إلهية !!

نعم: فالإسلام دين حضارة ؛ وقد وضع حجر الحضارة الإسلامية على الأرض في تلك الزاوية التى كتب عليها قوله تعالى { إنى جاعل في الأرض خليفة . } 30 البقرة .

فالحضارة وفقًا للمفهوم الإسلامى مقصد شرعي ومراد إلهى ، يصنع وفق التكليف الإلهى ، وقيام حضارة مقابلة تتصف بالإنسانية دون"الإلهية"، هو إعلان لمعركة حضارية موضوعية بالمفهوم الصحيح لهذه الكلمة . لن تنتهى هذه المعركة في تصورهم إلا بإبادة الإسلام وحضارة الإسلام . ولن تنتهى في تصورنا إلا بصنع الحضارة وفقًا للتكليف الشرعى .

في ظل هذا التصور عن الصراع الموضوعي المستقبلي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية يصبح من الطبيعي أن نستحضر النظرة الماضوية عن هذا الصراع من أجل تجنيدها في معركة لا مفر منها . الحروب الصليبية: سقوط الأندلس ... سقوط الدولة العثمانية ... سقوط القدس ، سقوط بغداد ، تخلخل الخرطوم

تفكك القوميات ... هجوم الاستعمار .. زرع العلمانية في قلب الأمة وأحشائها . الهجوم الصريح على الإسلام ...

تزييف الإسلام ومحاولة صنع"الإسلام الجديد"الذى أوصت به مؤتمرات التبشير . تزييف في الاقتصاد . ، في التربية في اللغة ، في الأدب ، في الفن في الأخلاق ... وصولًا إلى تشويه الذاتية الإسلامية ثم القضاء عليها في معركتها الأخيرة: زحفًا من الشمال بكتيبة صهيومسيحية أو إسرائيلية ... .. وزحفًا من الجنوب بكتيبة تنصير ... أو وثنية ...!

وإطباقًا في النهاية من بعد العراق على سوريا وإيران والجزيرة العربية ، ثم مصر . !! وفقا لخطة منهم معلنة ، وهنا ، وهنا فقط تنتهى ــ في حسبانهم ــ الحروب الصليبية !

لكن هل ينتهى التاريخ ؟!

قائمة سوداء غليظة السواد ، منقوعة في السم ، ملطخة بالدم ، مصنوعة من الأشلاء ...

والحق أن عداءهم لنا لم ينشأ مع ظهور الإسلام ــ وإن كان قد تضاعف معه أضعافا ــ ولكنه كان قبل الإسلام ، ومع قوة الإسلام ، والآن مع مظنة صحوته ..

أتعرفون ماذا قال هيرودت عن طريقة جمع أحجار الأهرامات ؟ أتعرفون كيف اغتصب اسم"مصر"على أيديهم فصار إيجبت بينما اسم مصر هو هو منذ وجود الهيروغليفية والعبرية والفينيقية والآرامية والأشورية ، ولم تحفظها من الاندثار غير العربية ؟ أتعرفون كيف أطلقت أكذوبة"مصر هبة النيل"لتحرم المصريين من شرف العمل والكفاح والجهد الذي كان وسيلة ترويض هذا النيل وتهذيبه والاستفادة منه ؟ كم من شعوب مر عليها النيل فلم يجعل منها هبته ؟

إنهم هم المصريون الذين اضطهدوا على يد الفتح الاسكندرى (اليونان ــ البطالمة ) ثم على يد الرومان حتى تخلصت مصر من اضطهادهم على يد الإسلام ؟

وصل اضطهاد الرومان للمصريين والتنكيل بهم الذروة في عصر الامبراطور ــ دقلديانوس (284 م) فكانت أول سنة من حكمه مبدأ اتخذه المصريون لتقويمهم المعروف بتاريخ الشهداء أو التقويم القبطى ؟ ثم استمر الاضطهاد بعد ذلك أربعة قرون تقريبًا كانت حصيلتها نشأة الرهبانية وفرارها إلى جبل المقطم وغيره من الصحارى وإنشاء الأديرة ؟

وجاء الإسلام فأرجع إلى مصر اسمها وأمنها وسلامها وحرمتها ؟

ولم يكن العرب غرباء على مصر قبل الإسلام: اسألوا الجيولوجيا تقول لكم إن صحراء مصر الشرقية جزء من التكوين الخاص بالبلاد العربية، والبحر الأحمر ليس إلا أخدودًا أو شقا بين الجانبين .واقرءوا سورة الفجر لتروا كيف جمع القرآن الكريم بين العرب البائدة ومصر ( عاد وثمود … ومصر ) : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، التى لم يخلق مثلها في البلاد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، وفرعون ذى الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد . } .

ولم يصبح العرب غرباء على مصر بعد دخول الإسلام بعد أن صار حقا لكل من اعتنقه على السواء ، وأصبح الإسلام رسالة لمصر كما هو رسالة لبقية البلاد العربية . ولذلك قصة مجيدة تطول

إننا نؤكد أن هؤلاء عندما اختاروا موقع العداء للإسلام وحضارته ، ووصفوه بوكر الأفعى ، كما فعل نيكسون ، فإن ذلك لم يرجع في الأعم الأغلب ــ كما يشيع البعض ــ إلى سوء عرض منا ، أو سوء فهم منهم ، ولم يرجع إلى ما عليه حال المسلمين اليوم من تخلف ، أو ما عليه حال بعضهم من تطرف ، ولكنه رجع إلى اختلاف جذري في أصول كل من الحضارتين، وفي الوقت الذى يدركون فيه ذلك يدركون تحرك كل منهما نحو العالمية ، فيجعلهم ذلك يفزعون إلى خططهم المدروسة في الإساءة إلى الإسلام ، وتشويه صورته عمدًا ، وبكل ما يملكون من وسائل الدفاع عن الذاتية الخاصة .

وشهد شاهد في جريدة عصرية ، إذ قال قبيل سقوط الاتحاد السوفيتي: ( لا أعتقد أن الأحداث سبق أن تدافعت وتراكمت على الأمة العربية في شكل سلسلة من التحديات المعقدة والمرهقة بمثل ما جرى في الآونة الأخيرة . حتى يبدو الأمر وكأننا قوم مستهدفون من الشرق والغرب على حد سواء . وأنه بينما يعم المجتمع الدولى بأسره موجة من التفاؤل .... في ظل الوفاق العالمى بين القوتين ... فإن الأمر يبدو مغايرًا تمامًا في عالمنا العربى { ولو أدرك جوهر القضية لقال الإسلامى: أنظر أفغانستان ، وباكستان والفلبين ، وقبرص وأريتريا ، وجنوب السودان .. إلخ .} الذى هبت عليه رياح التشاؤم وتولدت في ربوعه أحاسيس القلق ، من مجرد رصد ما هو قادم إلينا وما يجرى تصديره لأوطاننا، بدءًا من هجرة اليهود السوفيت ، ومرورًا بمحاولات تغيير الأوضاع القانونية لمدينة القدس ، { يشير إلى قرار الكونجرس باعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل } ووصولًا إلى النوايا الرامية لإبقاء بؤر التوتر على حالها كأنها أشبه بسرطان ينخر في جسد الأمة ، سواء في لبنان أو في الخليج ، إضافة إلى ما يجرى في الضفة والقطاع من ممارسات بربرية يشيب لها الولدان { الأهرام 5\4\1990 ص 8 } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت