فهرس الكتاب

الصفحة 1838 من 2255

وليست القضية - فحسب - أنهم افتروا على الله الكذب وشتموا رسول الله ، وهتكوا مقدساتنا ، وقذفوا أمهاتنا وكتبوا في أعراضنا ما لم يكتبه"اليهود"عن"مريم".

وليست القضية- فحسب - أنهم طردونا من الأندلس ، أو أزاحونا من وسط فرنسا ، أو أزهقوا وجودنا في مناطق من أوربا الشرقية وشمال البحر الأبيض المتوسط ..

وليست القضية- فحسب - أنهم سفحوا دماءنا في افريقيا ، وأوربا ، وقطعوا شرايينا في آسيا ، وتركوها تسفح أنهارًا وجداول ..

وليست القضية - فحسب - أنهم أخرجوا فلذات أكبادنا من فلسطين واستوردوا إليها مطاريد اوربا ومن لا يكادون يعرفون أكثر من أسماء قبائلهم ممن يسمون"الفلاشا"..

ليست القضية ذلك فحسب .

لو أن القضية كانت ذلك ــ فحسب ــ لجاز لبعض أبواقهم أن يخدروا وعينا بكلام عن نسيان الماضي ، وتصفية الأحقاد ، واستقبال النظام العالمي الجديد"بأيد متشابكة وقلوب مفتوحة".. كلا

لو أن القضية كانت كذلك أو بعض ذلك لجاز لبعض دروايشهم أن يعلنوا استغرابهم لما يدور على ساحة التاريخ والجغرافيا بيننا وبينهم في حين أنه لقد كانت حروب ضارية بينهم وبين اليابان مثلا ثم انتهت المسألة وتم غلق الملف ورجعوا حبايب (!!)

إن اليابان ليست في وارد القياس على حالنا وحالهم

إن التناقض بين ذاتية الحضارة الإسلامية ، وذاتية تلكم الحضارة الغربية ، أو"الأوربية ، أو"العالمية"تناقض موضوعي تحركه النظرة إلى المستقبل ، أكثر مما تحركه مواريث التاريخ ، أو عقم الحاضر …تناقض يتحرك بطبيعته من كونهما حضارتين متنافستين على"المستقبل".حضارتين تتصف كل منهما"بالعالمية"…فالإسلام دين"عالمي"وحضارة عالمية ، باستثناء ما أسفر عنه تاريخ كل منهما من فرق أساسي ، فبينما درجت حضارتهم منذ نشأتها على الإصرار على إبادة الآخر كان للحضارة الإسلامية منهج مختلف يقوم على الاعتراف به ومحاولة احتوائه . ."

هذه الحضارة ــ الغربية ــ تعلن على الأشهاد أنها حضارة"إنسانية"وتصدر إلى أنحاء العالم قيمها ومفاهيمها فيما تسميه"الديموقراطية"و"حقوق الإنسان"والعولمة و"قرارات مجلس الأمن". حضارة أخذت تدس أنفها في كل دولة ، ومدينة ، وشارع ، وزقاق ، وبيت ..."أخذت تقول: نعم ، وتقول: لا ، في شئون السياسة والاقتصاد ، والتربية ، والإعلام ، والحرب ، والثقافة والرياضة ، وأوقات العمل ، وأوقات الفراغ .. وهى تتسرب بكلمتها تلك تحت شعار"العالم الذى أصبح كقرية"عن طريق: الخبر ، والجندى ، والكمبيوتر ، والمعلومات والقروض ، والمنتديات ومراكز البحوث ، والسلام الزائف ، والمؤتمرات ، أنظر مقال محمد حسنين هيكل الذى تضمن بيانًا عن معركة تطويع العقل المصري لقبول الصلح مع إسرائيل ، وكيف أنفق الغرب على هذه المؤتمرات في مدى عامين أو ثلاثة ما يساوى"تكاليف حرب كبرى: جريدة الخليج 21/5/1996 .

وهى مستعدة لإدخال كلمتها عن طريق النظريات المزيفة عن"نهاية التاريخ"، لفوكوياما ، أو عن طريق كلمة وقحة لمأجور مؤتمرات يقول لك: أنت تأكل خبزهم فيكف ترفض"هُمْ"!! فبدلا من ان يفكر كيف يحررنا من خبزهم يدعونا إلى أن نكون عبيدا للقمتهم .

نعم ، حضارة تزعم أنها إنسانية ، عالمية ، والإسلام رسالة عالمية أيضًا . ومن هنا كان التناقض شيئًا غير قابل للنسيان أو القياس على حالهم مع اليابان . كان التناقض بين حضارتهم وبين الإسلام ــ كدين وحضارة ــ تناقضًا موضوعيًا ، ومعركة على"المستقبل"في المكان والزمان .

وللأسف فإنهم يدركون هذه الحقيقة أكثر مما ندركها نحن ... فهم أساتذة"تاريخنًا"الذي نتعلمه منهم ... وهم أساتذة الاجتماع والنفس .. وهم أساتذة الاقتصاد ... وأساتذة الفلك والفضاء ...وهم أساتذة الاستراتيجية ، والسياسة ، والحضارة ...

هم يدركون بمقتضى أستاذيتهم لعلم الحضارة: أنه لا مكان في العالم لحضارتين"عالميتين"... إلا أن يقع بينهما تنافس ، وتزاحم ، وتدافع ، وتآكل في الحدود ، وصراع على محل"القلب".. وإذن فسيلعنهم تاريخهم إن تركوا فريستهم ـ نحن ـ بعد أن اصطكت الركب ، وناخت الأقدام ...

إنهم يدركون هذه الحقيقة ويحسبون أنهم يلعبون"الآن"الدور الأخير في معركتهم مع هذه الحضارة"الإسلامية"ليقذفوا بها إلى مكان سبق أن قذفوا إليه"الهنود الحمر"!!

هم يدركون هذه الحقيقة ويعلمون ـ أكثر مما علموا عن الهنود الحمرـ أنهم يتعاملون مع حضارة"عاتية"دوختهم واستعصت عليهم ـ في وقت أصبح فيه وُرٌاث هذه الحضارة في أضعف حالاتهم وأحط أحوالهم .. ولذا فإن ضعفنا لا ينسيهم خطورة حضارتنا ، ولا ينسيهم خطورة انبعاث هذه الحضارة مرة أخرى . إن ضعفنا ـ الذي يعيرنا به أفراد منا يسيلون بكلماتهم كما يسيل الحوض بالماء النازل فيه ـ هذا الضعف لا ينسيهم قصوائية المعركة التي تدور ، ولكنه يُسيِّل لعابهم لضربتنا الضربة الأخيرة ، وللقضاء علينا القضاء النهائي . إنهم يعتقدون أنهم أمام الفرصة التاريخية التي إن أضاعوها فسوف تدور الدائرة عليهم من جديد .

لذا فإنهم يصفٌوننا جغرافيًا ، ويصفٌوننا جسديًا ، ويصفٌوننا تاريخيًا ، ويصفٌوننا حضاريًا ..

يزهقون قطرات الدم الأخيرة من عروق حضارتنا من حقيقة ذاتنا . من جوهر وجودنا .

إنهم يدركون أن المعركة معركة حضارية موضوعية بين حضارتين عالميتين تتنافسان على"المستقبل". ومن هنا فإنهم يلعبون معنا اللعبة بوجه جامد ، وعصب بارد ، وبسمة"المشفق"على"الذبيح". كأنه يقول: لماذا تتعب نفسك ، وتتعبنا معك ، فأنت قدرنا ، ونحن لا نتركك .. فتعال ساعدنا على أن نوسدك أحضان الفناء .

إنهم يقتلوننا ؟ نعم . وهم يقتلوننا بإشفاق ؟ ربما!!

كيف ذاك ؟ لأن نظرتهم إلى القضاء علينا نظرة موضوعية !! تمامًا كالذي يذبح شاة .. ويربت على وجهها ، وربما ... يقبلها ، ثم يذبح !!

هكذا حالهم معنا ، وهكذا حالنا معهم !! يقتلوننا بالمذاهب الفلسفية ، وبالروح العلمية ، ومناهج البحث .يقتلوننا ويستغربون: لماذا لا نُقتٌل ؟ !

وللأسف ـ الذي يصل إلى حد الكارثة ـ ينخدع البعض منا ببسمة القاتل ، فينهضون إلى مساعدته بهدهدة الذبيح . نعم ؛ ولقد ساعدناهم ، وساعدناهم من قبل كثيرًا .

ساعدناهم بالاعتداء على ذاتية الإسلام . ساعدناهم بتفكيك النسق الإسلامي . وساعدناهم بتزييف"الكلمات"و"المصطلحات"الإسلامية . أفهمونا أن الغرب قد جاء إلينا من أجل"الاستعمار".وابتلعنا الكلمة ، وقد كان الصحيح أن يقولوا إنه جاء إلينا من أجل"الاستخراب"وأفهمونا أن استعمارهم ــ أو استخرابهم ــ هو من أجل"القطن"، لتشغيل مصانع النسيج في يوركشاير ؟ والآن ماذا بعد"القطن"؟ وأفهمونا أن استعمارهم ــ أو استخرابهم ــ هو من أجل قناة السويس . والآن ماذا بعد قناة السويس .. ؟ وأفهمونا أن استعمارهم ـ أو استخرابهم ـ قد جاء من أجل بترول العراق ، والآن ـ أو بعد الآن ـ ماذا يكون بعد البترول ؟ !

"تعمية"على الهدف في عملية الصراع الحضارى ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت