فهرس الكتاب
يا سادة: إن في الغرب رجالًا يحققون ، ويدققون ويذهبون إلي المصادر الأصلية ، كعلماء وخبراء وفلاسفة ، وإعلاميين ، واستراتيجيين ....فما هي القضية إذن ..
ليست القضية إذن قضية سوء فهم ، نشأ من سوء عرض .. فما هي القضية إذن: ؟
القضية أنهم هناك يدركون الخطر الموضوعي الذي يأتيهم من انبعاث الحضارة الإسلامية مرة أخري ، ثم يذهبون يشوشون علي منطلقاتهم وأهدافهم ويستأجرون العملاء من سماسرة الثقافة والإعلام ليشيعوا مقولات ساذجة تبعدنا عن أصل المشكلة وتضللنا عن جوهر القضية .
وإلا فقولوا لنا هل كان أرنست رينان المستشرق الفرنسي الشهير متأثرًا بسوء عرض الجهلاء منا للإسلام وهو يقدم كراهيته للإسلام في ذورته الأكاديمية: إذ يقول في خطاب افتتاحي في الكوليج دوفرانس حول تصنيف الشعوب السامية في تاريخ الحضارة ..( . الشرط الأساسي لتمكين الحضارة الأوربية من الانتشار هو تدمير كل ماله صلة بالسامية الحقة: تدمير سلطة الإسلام الثيروقراطية ، لأن الإسلام لا يستطيع البقاء إلا كدين رسمي ، وعندما يختزل إلي وضع دين حر وفردي فإنه سينقرض . { برافو } هذه الحرب الدائمة، الحرب التي لن تتوقف إلا عندما يموت آخر أولاد إسماعيل بؤسا ، أو يرغمه الارهاب { أي إرهاب يعني ؟!! } علي أن ينتبذ في الصحراء مكانًا قصيا .
الاسلام هو النفي الكامل لأوربا ، الإسلام هو التعصب ، الإسلام هو احتقار العلم ، القضاء علي المجتمع المدني ، إنه سذاجة الفكر السامي المرعبة ، يضيٌق الفكر الإنساني ، يغلقه دون كل فكرة دقيقة دون كل عاطفة لطيفة ، دون كل بحث عقلاني ، ليضعه أمام حشو سرمدي:"الله هو الله".المستقبل هو إذن لأوربا ولأوربا وحدها ، ستفتح أوربا العالم ، وتنشر فيه الدين الذي هو الحق، الحرية ، احترام البشر ، هذا الاعتقاد القائل بأن ثمة شيئًا ما إلهيًا في صلب الإنسانية { عقيدة التجسد !! } ) !! أنظر كتاب"الإسلام اليوم لمارسيل بوازار"بحث الحبيب الشطي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ووزير خارجية تونس الأسبق صـ 34 ــ 35 طبعة 1986 ــ اليونسكو .
فهل تريدون منا أن نصدق ان أرنست رينان تأثر بسوء العرض منا ؟
أو فقولوا لنا لماذا يكتب"باول شمتز"المستشرق الألماني المعروف مثلًا في كتابه"الإسلام قوة الغد العالمية"ــ قبيل الحرب العالمية الثانية ــ ليُحذر من تواكب الحركة الإسلامية مع الحركة القومية الإسلامية"وما يمثله ذلك من خطر محدق بالغرب !! يقول المؤلف ( إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوربا ، وهتاف يجوب آفاقها يدعو إلي التجمع والتساند الأوربي لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو ويزيل النوم عن عينيه. فهل يسمع الهتاف أحد ؟ ألا من يجيب ) .انظر كتابه"الإسلام قوة الغد"ترجمة د. محمد عبد الغني شامة صـ 356"
.حتي إنه ليقلل من أهمية افتقاد العالم الإسلامي للتقدم التكنولوجي في هذه المعركة التي ينذر قومه بها ، إذ يقول ( من الممكن أن يعارض المرء هذا الرأي .. فإن الإسلام فقد سيطرته علي بعض الأشياء المادية ، وخاصة ما يتصل بالحرب ، فهو لم يلحق بالتقدم التكنولوجي الحديث . ولا أستطيع أن أدرك لماذا لم يعوض الشرق الإسلامي ما فاته في هذا الميدان ، إذ لا تحتاج العلوم الحديثة إلي طبيعة عقلية خاصة ، بل يتطلب الإلمام بها والتفوق فيها الخبرة وتوجيه الخبراء ، ومن المؤكد أنه غالبًا ما يحدث أن تكون حضارة ذات منزلة عالية في التقدم التكنولوجي .. هي أقل درجة من حضارة أخري لم تبلغ تطورها بعد في هذا المجال ما بلغته الأولي ، إذن فهناك احتمال كبير في أن يصبح شعب ظهر حتى الآن أن مواهبه في الناحية التكنولوجية ضعيفة سيدًا علي شعب آخر استولت التكنولوجيا علي حواسه ومشاعره ، فلم ينقذه أحد .. لماذا لا يتعلم العالم الإسلامي ما تعلمناه في مجال التكنولوجيا ، وفي مقابل هذا: سوف يكون من الصعب علينا استعادة التعاليم الروحية التي فقدتها المسيحية ، بينما لم يزل الإسلام يحافظ عليها . ) (1) .
ويبني المؤلف تحذيره علي ما يلمسه من مصادر القوة التي يملكها العالم الإسلامي ؛ وهي: الموقع الجغرافي ، والخصوبة البشرية ، والثروات والمواد الخام والدين الإسلامي ( الذي له قوة سحرية علي تجميع الأجناس البشرية تحت راية واحدة بعد إزالة الشعور بالتفرقة العنصرية من نفوسهم ، وله من الطاقة الروحية ما يدفع المؤمن به علي الدفاع عن أرضه وثرواته ، بكل ما يملك مسترخصًا في سبيل ذلك كل شئ حتى روحه .. يحرص علي التضحية بها فداء لأوطان الإسلام . ) .
ثم يتساءل: ( أي قوة وجدانية بعثت هذه الإرادة اليوم في الشرق ؟ ) ثم يجيب ( قوة الوحدة الفكرية للإسلام ، ووجود الإحساس الحي للدين الإسلامي ، فهو ينتصر في كل مكان ينزل فيه الميدان مع الأيديولوجيات الأخرى ) .
بل إنه ليستشعر الخطر من مجرد أداء المسلمين لفريضة الحج واتجاههم إلي القبلة في صلواتهم .. إذ يقول ( إن اتجاه المسلمين نحو مكة ــ وطن الإسلام ــ عامل من أهم العوامل في تقوية وحدة الاتجاه الداخلي بين المسلمين ، وأسلوب يضفي علي جميع نظم الحياة في المجتمع الإسلامي طابع الوحدة ، وصفة التمسك . ) .
بل إن ناشر الكتاب الألماني يقدم له بهذه العبارة ( باول شمتز عاش في القاهرة عدة سنوات ويعرف جيدًا الأسس التي ينبثق عنها تطلع الشعوب الإسلامية إلي الاستقلال ، الذي يعد أهم مشكلة سياسية في الوقت الحاضر ، وهذا الكتاب يوضح الخطر المتوهج الذي يمر عليه الإنسان في أوربا بكل بساطة ، وفي غير اكتراث ، فأصحاب الإيمان بالإسلام يقفون اليوم { قبيل الحرب العالمية الثانية } في جبهة موحدة معادية للغرب ... وهذا الكتاب هو نداء وتحذير يجب أن يلقى الاحترام الجدي من أجل مصالح الغرب وحدها. ) .هكذا ، فهل كتب باول شمتز ما كتب لما وجده من سوء عرض للإسلام يرتكبه بعض الجهلاء من هنا أو من هناك ؟ !!!
أو فقولوا لماذا نشر المفكر الأمريكي"صامويل هانتنجتون"الأستاذ بجامعة هارفارد كتابه المعروف باسم ( صدام الحضارات ) وفيه يبشر لصدام مستقبلي هائل بين الديانات والثقافات الحديثة ممثلة في الثقافة الأوربية الأمريكية الغربية من ناحية ، وبين الديانات والثقافات القديمة .. لكنه خص الحضارة العربية الإسلامية بأكثر قدر من التركيز لأنها ـ كما يعتقد ـ ستكون أولي تلك الحضارات القديمة وأقدرها علي الازدهار وتحدي الغرب قريبًا ، ولذلك يقول الرجل: ( يجب علي الغرب الاستعداد من الآن لصدام المستقبل هذا ، بل العمل علي إجهاض قوة الحضارات الأخرى ، خاصة الإسلامية قبل أن تكتمل . ) .
وهناك دراسة أخري نشرتها مجلة الايكونومست البريطانية في 8 يناير عام 1994 ، ركزت علي أن مستقبل العالم مهدد بقوتين كامنتين أمامهما فرصة البزوغ ، بل الصدام مع الآخرين: هما اليابان والقوة الإسلامية المنتظرة! مقال صلاح حافظ ــ الخليج 25/2/1994 .
وها هو الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية ــ ريتشارد نيكسون: يدرك السمة الحضارية للإسلام ، حيث يقول ( إن الإسلام ليس دينًا فقط ، وإنما هو أساس حضارة رئيسية ، إننا نتحدث عن العالم الإسلامي بصفته كيانًا واحدًا ــ ليس لأن هناك مكتبًا إسلاميًا يوجه سياساته ، ولكن لأن الدول منفردة تشترك في اتجاهات سياسية وثقافية مشتركة مع الحضارة الإسلامية ككل . ) (انتهزوا الفرصة ــ ترجمة حاتم غانم ، طبعة فبراير 1992 صـ 40 .) .فهل فهم نيكسون ذلك من سوء العرض للإسلام ؟ى