فهرس الكتاب
ثم يقول ريتشارد نيكسون: ( للعمل في العالم الإسلامي فإن علي صناع السياسة الأمريكية المناورة داخل وكر أفعي من سم النزاعات الأيديولوجية والصراعات الوطنية ) .والمدهش أنه يعترف بعد ذلك بأن بعض الأمريكيين ( يتغاضون عن حقيقة أن الإسلام لا يشمل مبدأ ارهاب وأن ثلاثة قرون قد مرت منذ أن انشغل المسيحيون في حروب دينية في أوربا . ) فهل من سوء عرضنا فهم نيكسون ؟ .
ثم يعترف بفضل الحضارة الإسلامية فيقول: ( بينما ذبلت أوربا في العصور الوسطي تمتعت الحضارة الإسلامية بعصرها الذهبي ، وقد أسهم الإسلام بمجهودات هائلة في مجال العلوم والطب ، والفلسفة ، وفي كتابه"عصر الإيمان"لاحظ ول ديورانت أن الإنجازات الهامة في كل الميادين قد تحققت علي يد مسلمين في هذه الفترة ، وكان ابن سينا أعظم الكتاب في الطب ، والرازي أعظم طبيب ، والبيروني أعظم جغرافي ، وابن الهيثم أعظم صانع للآلات البصرية ، وجابر أعظم كيميائي .. وكان العلماء العرب فاعلين في تطوير الفكرة العلمية .. وعندما دفع الرجال العظام من عصر النهضة الأوربية إلي الأمام حدود المعرفة .. فقد رأوا أكثر لأنهم وقفوا علي أكتاف العمالقة من العالم الإسلامي . ) .
ثم يقول ريتشارد نيكسون ( إن حضارتنا ليست متفوقة علي حضارتهم الموروثة ، إن شعوب العالم الإسلامي كانوا أكثر مقاومة لجاذبية الشيوعية من مقاومة أولئك في الغرب ، وإن رفضهم الواسع للمادية وثقافة الغرب الأخلاقية المسموح بها ـ أي في الغرب ـ رجعت عليهم بالفضل . )
وطيلة خمسة قرون من 700 إلي 1200 م ــ كما يقول نيكسون ــ فإن العالم الإسلامي تقدم وتفوق علي العالم المسيحي فيما يتعلق بالقوة الجيوبوليتيكية ، ومستوي المعيشة ، والمسئولية الدينية ، وتقدم القوانين ، ومستوي تعلم الفلسفة ، والعلوم والثقافة .
ثم يرجع انحسار الحضارة الإسلامية إلي انتصارها في الحروب الصليبية ، كما يرجع تفوق الغرب إلي انهزامه إذ يقول ( إن عقودًا من الحرب قلبت الطاولات ، وكما كتب ديورانت: إن الغرب خسر الحرب الصليبية ، لكنه ربح العقائد(!! ) ، وتم طرد كل محارب مسيحي من أرض اليهودية والمسيحية المقدسة ( كذا !! ) . لكن الإسلام استنزف نتيجة انتصاره المتأخر ، ودمر وخرب علي يد المغول ــ بالمقابل ــ في عصر من ظلام الغموض والفقر ، بينما المهزوم مدفوعًا بالجهد ونسيان الهزيمة تعلم كثيرًا من عدوه ، ورفع الكاتدرائيات في السماء ، وعبر بحور العقل ، وحوٌل لغاته الجديدة إلي لغة دانتي وفيلون ، وتحرك بروح معنوية عالية إلي النهضة ) فهل كتب نيكسون ما كتب تحت سوء عرض منا للإسلام .
وحين أصدر جان بيرك المستشرق الفرنسي ترجمته لمعاني القرآن عام 1990 وجدناه يبرر اهتمامه بتقديم معاني القرآن للغرب بقوله ( لأن الكثير من المفكرين والناس الآن ينبذون الصورة المادية للحياة المعاصرة ، ويرفضون مجتمع الاستهلاك ، هذا المجتمع المادي المحض .. ويفضلون علي المدنية المعاصرة مدنية الإسلام الروحية وينادون بالعودة إليها ) ، ولما كان قد قدم في ترجمته للقرآن الكريم معاني القرآن مشوهة فكأنه أراد أن يقول للمفكرين الغربيين الذين أصبحوا يرفضون حضارة الغرب الآن ويرون أنها علي وشك الانهيار، لأنها فقدت الأساس الروحي والأخلاقي .. يريد أن يقول لهم: وهذا هو الإسلام أيضًا ملئ بالخرافات والتناقضات .. ) ألخ مقال رجب البنا صـ 9 ، الأهرام 6/3/1994 .
أما جان بيرك نفسه فيكاد يلتمس لنفسه العذر فيما يكون قد حدث من مخالفة في ترجمته للقرآن الكريم يعتذر بالرجوع إلي وجوب الأخذ بالمنهج التاريخي إذ يقول: ( يبقي صحيحًا القول بأن الديناميكية الدينية ذاتها تتطور عبر التاريخ ــ ليس في مبادئها وأصولها بالطبع ، ولكن في صياغتها وأشكالها وتطبيقاتها ، فتلك أشياء خاضعة للتأقلم والتطور وتختلف باختلاف العصور والأزمات ) الأهرام 29/7/1995 .
ومن الواضح لدينا أن استثناءه ( المبادئ والأصول ) من عملية التأقلم.. الخ ، ليس إلا تغطية لفظية لهدفه من الترجمة ، وهو إيصال الديناميكية الدينية التاريخية إلي ( صياغة ) المبادئ والأصول ، وما ذلك إلا صياغة كلمات الله تعالي ما دمنا بصدد ترجمة القرآن الكريم خلافا لتصريحه ، وهذا المنهج التاريخي هو المدخل"الحديث"لنسف أصالة المسلمات الإسلامية .
فهل ذهب جان بيرك إلي ذلك نتيجة سوء فهم أوسوء عرض .
أهو سوء عرض منا ذلك الذي جعل منصٌرًا مثل: بروس ج. نيكولز يدرك حقيقة الإسلام بدقة يغبط عليها حين يقول: إن الإسلام هو أكثر من عقيدة دينية ، إنه نظام متكامل للحياة والدين. فالإسلام يدمج كل المؤسسات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية علي أسس الإيمان والاقتناع والالتزام بقبول الله ربًا ، والاستسلام كلية لإرادته ، ثم يستمر قائلًا: ( إن مركز الابداع في الإسلام هو التوحيد ، أي الشهادة بأن لا إله إلا الله ، والتوحيد يعني أن الله هو الخالق أو السبب الجوهري لكل الوجود والنشاط ، ويؤكد أن الإنسان هو المسئول عن تحقيق إرادة الله ) . ثم يستمر قائلًا ( ففي المؤتمر الإسلامي الدولي الذي عقد في لندن في نيسان(أبريل) 1976م حول"الإسلام وتحديات العصر"، تم تقديم الإسلام كنظام متكامل من القيم ومصدر إلهام لكل منجزات العلم والدراسات الإنسانية والمصدر الوحيد الراسخ للإيمان والسلوك . ) أنظر كتاب"التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي"وهي تضم مجموعة أعمال المؤتمر الذي عقد عام 1978 بكولورادوا بالولايات المتحدة الأمريكية ، ونشرته دار MARK ، ونشر بالعربية صـ 214
فكيف يمكن القول إذن بأنهم يحاربون الإسلام لأنهم لم يفهموه ، وانهم لم يفهموه لسوء في عرضنا ؟ .
انظروا مثلًا إلي الفهم الصحيح للإسلام الذي يقدمه المنصر كينيث أ . كراج عن الإسلام ، حيث يقول:
( دعونا نواصل الحديث عن الجسور ، إن للقرآن والإنجيل أرضية مشتركة من الإيمان بالخلق:"هو(الله) الذي يقول كن فيكون"
إن الخلق المبدع هو لله والأرض الطيبة كذلك ، والتي ينظر إليها علي أنها مسكن الإنسان ومجال نشاطه و"الأمانة"التي حملها
والإنسان هو"خليفة"الرب في"حكم"النظام الطبيعي
وهو في ذلك مسير بإرادة إلهية
وتفهم الغاية الإلهية بالنسبة للعالم من خلال تسخيره للإنسان الفلاح والزارع والتقني والفنان والعالم الذي يمتلك ويستكشف
ويستغل العالم بتفويض إلهي
كما أنه يكون مسؤولًا عن أعماله هذه أمام الرب
فالإنسان مخلوق أدني من الرب ، وهو عبد للسلطة الإلهية ، وخليفة ومندوب في مواجهة الطبيعة .
من هذا المنطلق توجد جوانب عديدة من الفهم المشترك تساعدنا علي القيام باتخاذ الموقف الصحيح في وجه كل ما من شأنه أن يتعدى علي الكرامة الإنسانية والمجال الإلهي ، وليس فقط فيما يتعلق بالقضايا المعاصرة كالسلطة والبيئة ، والمسؤولية عن الموارد والعدل الاجتماعي والتراحم ، بل بأكثر من هذا ،
والقرآن ( سورة 2: 33 وما بعدها ) يري أن الشيطان هو رأس الاتهام، فبعد أن اعترض علي خلافة الإنسان ، ثم تمرد علي الرب لنفس السبب ، فإن هدفه التاريخي هو إغواء البشر وتشتيت وإفساد العمل البشري والثقافة حتى يستطيع أن يثبت للرب خطأ ما قام به بتكريمه للدور الإنساني ، وهذه الموضوعات مثيرة جدًا
وإذا كان من الواجب"أن ندع الرب يكون ربًا"يجب علينا كذلك"أن نجعل الإنسان يكون إنسانًا"