العلماء يريدون خفضا حادا في ثاني أكسيد الكربون والغازات الأخرى التي ترفع درجة حرارة الأرض وذلك بما يتراوح بين 50 و 80 % ، وهذا يتطلب على أقل تقدير الخفض الجذري في استخدام السيارات ومعظم إمكانات الحياة الحديثة ، فهل يجرؤ أي زعيم سياسي على فرض مثل هذه الإجراءات ؟
إن درجة حرارة الأرض سوف ترتفع 3 درجات مئوية ، فيذوب الجليد ، ويرتفع منسوب مياه البحار والمحيطات وتغرق الأراضي المنخفضة وربما دولا بأكملها .
وقد حذر العالم المصري مصطفى طلبة من أن شواطئ مصر والوجه البحري كله ليست بمنأى عن هذا الخطر ..
كما حذر الدكتور طلبة من أن التصحر والقحط سينتشر في الدول البعيدة عن المياه مما سيؤثر على الإنتاج الغذائي في العالم ، وسوف تموت الغابات والحيوانات التي لا تتحمل درجات الحرارة المرتفعة وستكثر العواصف والأعاصير ، فتقطع الاتصالات وتزيد من الكوارث الطبيعية ، وذلك علاوة على ما سيصيب الإنسان من أمراض مثل السرطان وفقدان المناعة وفقد البصر … )
وتلخص الأهرام في تقريرها ما آل إليه الوضع فعلا في أوربا وأفريقيا والولايات المتحدة وآسيا مصر حتى كتابة التقرير فتقول:
( يقول العلماء إننا دخلنا العد التنازلي للكارثة وان 50% من الضرر قد وقع فعلا خلال العقود الثلاثة الماضية وأنه في المستقبل القريب سوف تفقد 40 دولة احتياجاتها من الماء
وتظهر صور الأقمار الصناعية للمناخ في أوربا الشرقية كتلا كثيفة سوداء من الغازات والأتربة الصناعية تنتشر فوق مصانع ألمانيا الشرقية وتشكوسلوفاكيا وتغطي بولندا بأكلها ، وفي بولندا بالذات كل شيء مسمم: الجو والتربة والماء
وتتعرض أوربا الغربية أيضا وخاصة في المناطق السياحية بجبال الألب لأزمة بيئية نتيجة للأمطار الحمضية والتلوث النووي من تشرنوبل
وفي بريطانيا هناك نسبة تلوث عالية من الـ 1900 مصنع على أراضيها فأحد هذه المصانع يبعث بثمانية أطنان من ثاني أكسيد الكبريت في الجو يوميا وهو ما يزيد عشر مرات عن المعدلات المسموح بها
ووفقا لهذه التقارير فإن قارة أفريقيا لم تعد تصلح للحياة بسبب التلوث والجفاف وأن خمسين مليونا من البشر يعيشون في أراض متصحرة تهددهم المجاعات كل عام ، وأن القحط في أفريقيا ينتشر بمعدل 2,3 مليون متر مربع سنويا
ويقول تقرير أصدره مجلس السوفييت الأعلى أن شخصا من بين كل خمسة أشخاص بالاتحاد السوفيتي - قبل تفككه بالطبع - يتنفس هواء يحتوي على نسبة من الكيماويات الخطيرة تزيد عشر مرات عن الحد الأقصى المسموح به ، وان 600 مدينة سوفيتية نصحت مواطنيها بشرب المياه المعبأة
وفي الصين كلما هبت الرياح فوق المدن الصناعية انتشر دخان أحمر وأسود ليغطي الأراضي والسلطات هناك تواجه مشكلات رهيبة في مواجهة التلوث بإمكاناتها المحدودة .
وفي الولايات المتحدة مازالت الدولة تواجه مشكلات بيئية خطيرة ففي مائة مدينة يصل الدخان في الجو إلى نسب تزيد عن المسموح به ، مما يزيد من نسبة الإصابة بالسرطان ، كما أوقفت 2000 سفينة شحن في نهر المسيسبي بعد أن انخفض مستوى النهر عشرة أمتار
ويقول الباحثون إنه في العاصمة المصرية أصبح مجرد تنفس الهواء خطرا يهدد الحياة وهو لا يقل خطورة عن تدخين علبتي سجائر يوميا . )
والحق أننا ونحن نتحدث عن مشكلة الأرض والإنسان في العصر الحديث على هذا النحو ، يجب أن نعلم أننا نتحدث عن نوع"جديد"من الإنسان غير الذي نعرف على وجه التاريخ من قبل ، كذلك ونحن نتحدث عن وضعية الأرض فإننا نتحدث عن وضعية غير التي عرفها الإنسان على وجه التاريخ الطبيعي من قبل ، فالإنسان الجديد هو نوع جديد لم يعد يشرك بالله آلهة أخرى تنتسب إلى كائنات علوية ، أو سفلية مجردة أو غير مجردة ، يحصل عليها من مصدر الحكايات والأساطير والأصنام ، أو التراث الشعبي ، ولكنه أصبح يضع نفسه ــ حسب زعمه ــ في موضع الألوهية منذ أمكنه ــ حسب وهمه ــ أن يسيطر على الطبيعة بأداة العلم حسب مشروع النهضة الأوربية منذ القرن السادس عشر .
كذلك فالأرض ليست هي الأرض الموكول أمرها إلى قدرة الله وعنايته ورحمته وموازنته ، ولكنها الأرض المتروكة بسخط الله ــ وإلى أمد ــ إلى قدرة الإنسان في السيطرة على الطبيعة حسب زعم هذه الحضارة منذ وضع الإنسان أركانها في عصر النهضة .
إن الصانع لمأساة البيئة ــ مأساة الأرض ، هو وجهة النظر الفلسفية التي قامت عليها الحضارة الغربية المعاصرة . وفي هذا المعنى يقول أرنولد توينبى: ( في عصرنا نجد أن سيادة الإنسان التامة على المحيط الحيوي بأكمله تهدد بتحطيم المحيط الحيوي والقضاء على الحياة بما في ذلك الحياة البشرية كلها . ) . وهو يذكرنا بوجود هذا التوجه ــ السيطرة على الطبيعة ــ في الثقافة اليهودية القديمة ، في العدد الثامن والعشرين من الإصحاح الأول من سفر التكوين القائل ( وباركهم الله ، وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر ، وعلى طير السماء ، وعلى كل حيوان يدب على الأرض ) . تاريخ البشرية ج 1 ص 30-31".ثم يشير إلى مخالفة هذا التوجه لما جاء في ثقافات الشرق إذ يحكى على لسان تاوتى تشينج قوله: ( كلما ازدادت الأسلحة الحادة تزداد الأرض كلها انغماسًا في الظلام ، وكلما ازداد عدد الصناع الحاذقين تزداد الآلات المتلفة التي تخترع ، وكلما ازدادت القوانين التي تشرع يزداد عدد اللصوص وقطاع الطرق . شد القوس إلى النهاية وستتمنى لو أنك توقفت في الوقت المناسب ) تاريخ البشرية ج1 ص 30 ."
ويتفق آل جور ــ وهو أحد كبار القيادات المسئولة في هذه الحضارة - مع التحليل الذي وصل إليه أرنولد توينبى للمشكلة ، حيث يقول آل جور: ( إن الثقافة الغربية المعاصرة تقوم على افتراضات متعلقة بالحياة ، يتم تلقينها للأطفال ، ألا وهي: إن الطبيعة يتعين إخضاعها ) . (وهي افتراضات انتقلت من جيل إلى جيل ، منذ زمن ديكارت وبيكون ، ورواد الثورة العلمية الآخرين ، أى منذ 375 عامًا مضت ، وقد استوعبت هذه الحضارة تلك القواعد ، وتعايشت معها قرونًا دون أن يراجعها أحد بجدية ) ، وهو يربط بين هذه العقيدة الحضارية وبين أزمة البيئة المعاصرة ، ثم يقول: ( إن الأزمة البيئية بلغت اليوم حدًا من الخطورة يجعلنا نعتقد أن حضارتنا يجب أن تعتبر بطريقة أساسية مختلة الوظائف ، وأن إحدى القواعد التي تقوم عليها الحضارة مختلة الوظائف هي أنك لا يمكنك مراجعة هذه القواعد أو مناقشتها ) . كأنه يتطابق في ذلك مع قوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } 7 البقرة . وهذا يعني أن الحل لا يمكن أن يأتي في سياق الحضارة المعاصرة .