فهرس الكتاب

الصفحة 1885 من 2255

أليس من العجيب أن نكتشف أخيرا أن المثل القائل: من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة لم يعد صحيحا ، لقد اكتشفنا أخيرا أن صحته تتوقف على ما إذا كان صاحب البيت على قدر ولو ضئيل من الحياء ، أو كان الطرف الآخر على استعداد لاستعمال ذراعيه ، لهذا وجدنا"الأمريكي"صاحب البيت الزجاجي المتهالك ( المتحضر ) على النحو المبين أعلاه يعاير المسلمين بأنهم أعداء عالمه ( المتحضر ) المسكون بروح يأجوج ومأجوج ، ويسلط عليهم ثوره الشاروني الهائج لكي يبيدهم باعتبارهم غير مؤهلين للانخراط في معبد"حضارته"المنكوس ، ثم يأمر عملاءه بينهم أن يعيدوا"تأهيل الدعاة"وخطباء المساجد ، فيسرعون إلى ما أمر ، ولو كانت لهم ذراع يستعملونها للرد لأشاروا بأصبع من يدهم - مجرد إشارة - إلى"جثة حضارته"المرموز لها بما عرضوه علينا من جثث الشهداء ، أن يعيد تأهيلها بينما هي جثة حضارة عفنة جرى تشريحها على يد أطبائهم فلم يجدوا بها من قطع الغيار المطلوبة شيئا: لا عقلا ولا روحا ولا قلبا ولا خلقا ، غير مشرط دقيق بيد علم أجوف جاهل بقسم أبقراط

وإذا لم يكن للمسلمين اليوم قدرة على استعمال أصبع يشيرون بها لاستغراقهم في بركة آسنة من السكون ، فإن لبعضهم ما تزال حاسة استماع تجعلهم في حالة أرق مدمن ، يطلبون النوم كالذين من حولهم ولكنهم لا يستطيعون ، ذلك أنهم يسمعون أصواتا تأتي مرعدة ، أو مقعقعة كأنها طقطقة عظام التاريخ ، أو كأنها تكسر أعمدة الجغرافيا: حدث جلل ، إنه سقوط حضارة لا يصلحها"إعادة التأهيل"!

لماذا والأمر الذي لاشك فيه أن لهذه الحضارة تلك التي تتساقط إيجابيات شامخة - كما يقول بعض المراقبين -: في مجال العلوم ، والتخصص ، والتكنولوجيا ، وتوزيع العمل ، والإنتاج والتسويق ، والاستهلاك ، واختزال المعرفة ( الكمبيوتر ) واختزال الزمن والمكان ، وهي اليوم تتربع على عرش العلم ، وتملك قوة الذرة ، وتمشى على القمر ، وتجوب الفضاء وتزرع قلوب الموتى في الأحياء ، وتصنع أجناسًا جديدة من النبات والحيوان بالهندسة الوراثية ، وتفجر الطاقة الكهربائية من شعاع الشمس ، وتصنع السدود والأنفاق والكباري مئات الكيلومترات ، وتحفر تحت المحيط أنفاقًا مثل المدن .

لكن أليست هذه هي القشرة"الشمعية"فوق ظاهر الجثة المادية ؟ تعالوا بنا نتجاوزها لنلقى نظرة على صانع الخلايا في العظام لنرى ما إذا كانت آيلة للسقوط أم بحاجة إلى"إعادة تأهيل"كشأن آلاف الدعاة في بعض البلاد الإسلامية وفقا لسجود وزارات الأوقاف والشئون الإسلامية فيها أمام تعليمات"الغزاة ؟!"

إن المشكلة بدأت في خطة قيام هذه الحضارة في مشروع النهضة الأوربية ، والتي تلقت درس القرون الوسطى استبعادا للكنيسة ، والدين ، باعتبارهما العائق الأكبر في طريق التقدم ، ومن ثم قررت التوجه في مشروعها .. لبناء الحياة الدنيا وإقصاء ما يتصل بالآخرة ، يقول الدكتور هرمان راندال في كتابه"تكوين العقل الحديث"وهو يتكلم عن الروح الجديدة التي سيطرت على النهضة الأوربية: ( تقوم هذه الروح الجديدة في أعماقها على اهتمام متزايد بالحياة الإنسانية كما يمكن أن نعيشها على هذه الأرض ، ضمن حدود الزمان والمكان ودون ارتباط بالعالم الثاني أو الأخروي ) ج1 ص 184: وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ) 200 البقرة .

وإنسان هذه الحضارة عموما هو النموذج العالمي الذي يغزو الكرة الأرضية ويسيطر على الذهن البشري في الأقطار المتقدمة والمتخلفة على السواء .

ومن هنا عبر الفيلسوف الفرنسي الشهير هنري برجسون عن حالة الخواء الروحي في الحضارة المعاصرة تعبيرا رائعا - على حد قول الفيزيائي الشهير لويس دي برولي الحائز على جائزة نوبل عام 1929 في كتابه"الفيزياء والميكروفيزياء"ترجمة ونشر سلسلة الألف كتاب عام 1967 - بقوله: ("يتطلب جسدنا المتوسع زيادة في الروح"ثم يقول: هل سنستطيع الحصول على هذه الزيادة بنفس سرعة تقدم العلم ؟ لاشك أن مصير البشرية متوقف على ذلك)

يقول دي برولي ( والآن في هذا الجسد الذي اتسع أكثر مما ينبغي بقيت الروح كما كانت أضأل من أن تملأه وأضعف من أن ترشده .. إن هذا الجسد المتخم ينتظر إضافة في الروح ، وإن الآلة تتطلب تصوفا .. إن الإنسانية تئن ، تكاد تسحقها أثقال التقدم الذي صنعته ) فماذا يعني جسد خلا من الروح ؟ أليس يعني أنه صار جثة ؟ حضارة هي جثة ؟

إننا نمسك هنا بتلابيب المأساة الحقيقية - هكذا يقول دي برولي - .. ( إن إرادة رجل واحد فقط تكفي لأن تفك من إسارها ظاهرة ذات قوة هائلة ، وتزداد مسئولية الإنسان نتيجة لهذه الزيادة الهائلة في قوته ، بنسبة واحدة ، ويمكن أن تصبح نتائج سقطة واحدة مما يفوق الحصر ، وعلى ذلك يصبح للمشكلة الأخلاقية مغزى أعظم مما كان لها في الماضي .)

نعم لقد أصبحت المشكلة الأخلاقية لرجل واحد يتربع على قمة السلطة في بضع دول غربية يمسك بيده الحقيبة النووية - ربما يكون قد شرب قدرا من الكحول في ليلته الليلاء أكثر من المسموح به - أصبحت على قدر هائل من الخطر بالنسبة للإنسانية كلها .

فهل يفهم"العم سام"أن الأولى به إعادة تأهيل لجثة حضارته بدلا من شغله بـ"دعاة المساجد"في السعودية أو مصر ؟ لكن أليس هذا مستحيلا ؟

ويضع ألبرت شفايتزر يده على نفس المشكلة في كتابه الشهير"فلسفة الحضارة"عندما يقول:"إن الاتساع الرائع في المعارف المادية والقوة لا يكوَِن جوهر الحضارة". و يرى أن الأعمال المبتكرة: عقلية ومادية لا تعطى آثارها الحقيقية إلا إذا استندت الحضارة في بقائها ونمائها إلى استعداد نفسي يكون أخلاقيًا حقًا. وأنه إذا فقد الأساس الأخلاقي تداعت الحضارة حتى لو كانت العوامل العقلية والفنية والمادية تعمل عملها في اتجاهات أخرى . وأنه لن يكون في وسع أحد إنقاذها إلا إذا اكتشف غالبية الناس لأنفسهم معنى أخلاقيًا عميقًا راسخًا عن طريق نظرية أو عقيدة في الكون . وأنه بغير هذه التجربة الروحية العامة لا سبيل إلى المباعدة بين عالمنا وبين الانهيار الذي يغذ السير إليه.

وهو يذهب إلى أنه منذ أن تخلت الحضارة الغربية عن الدين في مشروعها الأساسي للنهضة ثم انصرفت الفلسفة الأوربية المعاصرة عن القيام بدور إيجابي في هذا المجال ، سواء على المستوى العالي من الفلاسفة ، أو على المستوى الشعبي من أتباعهم فإن ( الأفكار الأخلاقية التي تقوم عليها الحضارة تجوس منذ ذلك الوقت أنحاء العالم فقيرة لا مأوى لها ، ولم تتقدم نظرية في الكون لتسندها إلى أساس متين . ) فهل يفهم توماس فريدمان الصحفي الأمريكي فاضح الصيت هذا الكلام ، وأليس الأولى به أن يركبه هم إعادة تأهيل جثته الحضارية التي أفرزته ويا للعجب كيف أفرزته ، أم أنه لا عجب لأن جثتة هكذا تفرز ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت