وهاهو تشارلز فرانكل في كتابه"أزمة الإنسان الحديث"يشير إلى أن كثيرًا من فلاسفة العلم المعاصر مثل مرتيان ونيبور ومانهيم يتحدثون عن ( التقدم الفكري والعلمي ـ وهو أكبر مفخرة لما أتاه الإنسان الحديث ـ على أنه مجرد أحبولة وخداع ، وأن هذا العالم الحديث قد أعطى مكانًا مركزيًا في الحضارة لجزء من الحياة البشرية ، ليس في حقيقته سوى جزء صغير بالنسبة إلى الأجزاء التي تعمل على التقدم الإنساني ، وأن حماسة كوندورسيه ، وجون ستيوارت مل ، للعلم الحديث وإيمانهما بالعلم وأملهما في المستقبل تنبذ ـ الآن ـ على أنها أوهام قوم ، معرفتهم بالطبيعة البشرية مسطحة جدًا ، مثل مفهومهم لإمكانات الحياة البشرية ومعضلاتها . ) فهل يفهم هذا الكلام العم سام ، وأليس هو الأولى بالعمل على إعادة تأهيل الجثة التي أفرزته ، أم أن الفرصة قد أفلتت منه إلى الأبد ؟
ولا يمكن اعتبار ما ظهرت به الصهيومسيحية في الولايات المتحدة وبعض البلاد الأوربية الأخرى رجعة حقيقية إلى الدين أو نوعا من إعادة التأهيل ، فهذا أولا: مالا يمكن تاريخيا أن يكون تعديلا في بنية حضارة و مسيرتها الأساسية وهيكليتها التي عقدت وقامت واستمرت منذ قرون على استبعاد الدين من مشروع النهضة ، تماما كمالا يمكن لحضارة أخروية كالحضارة الإسلامية أن تعدل هيكليتها لتكون على منوال الحضارة الغربية ، محاولة كل منهما عندئذ تصبح انخلاعا من الطبيعة الخاصة بها من جهة وفشلا في الوصول من جهة أخرى .
وهذه الرجعة ثانيا لا قيمة دينية لها وهي لم تربط بالقيم الأساسية للدين ، في العقيدة والأخلاق والقيم الإنسانية والتشريع ، وطالما اقتصرت خارجيا - وهو بيت القصيد - على اختراع العدو (الإسلام ) ، والشحن ضده ، وشن الحروب الاستباقية ضده ، والصراع على النفط والأرض والمال في أرضه ، وطالما ظلت تقتصر داخليا - كما هو الحال - على ما يشبه مذهب الإرجاء:"لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة"، وطالما انحصر دور المسيح - حسب تصورهم - في الغفران للممسوحين مهما ارتكبوا من آثام .
واقرءوا ما نشرته بعض جرائد الإمارات ( الخليج \ الاتحاد ) في 27\5\1988من حلقات الفساد الخلقي لكبار وأعلام المؤسسات الدينية في أمريكا من أمثال جيم بيكر الذي بدأ حياته كواعظ ديني يبث برامجه على شاشة التليفزيون ، وارتقى في هذا المسلك إلى أن بدأ في عام 1974 في ( بناء امبراطوريته الدينية ، وفيما بعد قام بالاشتراك مع زوجته المغنية والراقصة"تيم فاي"ببث برنامج تليفزيوني يشاهده 13،5 مليون عائلة عن طريق قمره الصناعي الخاص ومن خلال 178محطة تليفزيونية ، وأما العائدات فبلغت عام 1986 حوالي 129 مليون دولار وهو العام الذي سبق الفضيحة الأخلاقية المالية المدوية التي انفجرت عن علاقته الغرامية مع السكرتيرة"جاسكا هان"والتي اتضح فيما بعد أنها مستمرة منذ سبع سنوات مضت ، مما دعا قادة العمل الكنائسي في أمريكا إلى مواجهته بها: مما اضطره إلى الاعتذار بما هو أقبح: فتارة يعتذر بأنه وقع ضحية بريئة لامرأة متمرسة جنسيا ، وتارة بأنه فعل ذلك بقصد إثارة غيرة زوجته فحسب ، وتارة بأن زوجته كانت على علاقة مع رجل آخر ، والطامة ما أجاب به أحد مساعدي جيم بيكر السابقين وهو"جاري سميث"في( تقرير مسجل قانونيا بأن الواعظ جيم بيكر"شاذ جنسيا") ، وأخيرا فإنه عندما أنكر ما نسب إليه في برنامج تليفزيوني شهير اسمه"نايت لاين"وعندما قال له مقدم البرنامج: إذا كانت هذه التهم غير صحيحة فلماذا لا تقوم برفع قضية قانونية ضد الذين اتهموك ؟ أجاب ( إنهم يعرفون أني لن أرفع أية قضية ، فأي شخص يعرف طبيعة جيم بيكر يعرف بأن جيم بيكر لا يرفع قضايا ضد الناس ) !! وللقصة ذيول طويلة في جانبها المالي ، وفي أشباهها من رجال الدين الآخرين في أمريكا أولئك الذين يقودون أمريكا اليوم إلى حرب صهيونية ضد الإسلام ، والحبل على الجرار طويل .
تلك إذن قشرة دينية أشبه بالقشرة الحضارية ويظل الخواء هو الخواء ، ولو أمسك بها خبراء التأهيل ليعيدوها إلى الطريق لتفسخت بين أيديهم . فهل يفهم سدنة الحضارة الغربية"هذا الكلام أم هم بحاجة إلى إعادة تأهيل بكونهم رمزا لحضارة كاملة طالها العفن من زمن كما طال أنوفا من حولهم كان من شأنها أن تستحيي فتشم ؟"
وإذا كان الردع النووي الذي يحتكره كبار السدنة في هذه الحضارة هو الذي يؤجل انهيار المعبد على رءوس الجميع فهل بقى في المعبد رادع أخلاقي أو عقلاني يمنع انفلات الكارثة النووية الشاملة من بين أصابع رئيس مخمور؟ وماذا تكون هذه الكارثة المحتملة والتي إن لم تقع فعلا فإنها تؤثر سلبًا بمجرد احتمال وقوعها .. ؟ ماذا تكون هذه الكارثة . سؤال طرحته منظمة الأمم المتحدة على عشرة من كبار العلماء في العالم ـ من بينهم أ. الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص ـ واستغرقت الدراسة حوالي عام ، وتم تسليمها إلى بيريز دى كويلار السكرتير العام للأمم المتحدة آنذاك . وكانت نتائج الدراسة على النحو التالي - كما جاء بجريدة الأهرام 10\9\ 1988 ص 3: سوف يموت في الساعات الأولى ما بين 2 إلى 3 بليون شخص ، 2 بليون آخرون ينتظرهم شتاء نووي مظلم تنخفض فيه درجة الحرارة إلى ما بين 20 ـ 25 درجة تحت الصفر . وفي نهاية الشتاء النووي المظلم وبعد أن تنقشع غمامة الدخان الأسود هناك مرحلة تساقط الغبار الذرى . تنشأ ـ عن قنبلة ذرية عادية ـ عاصفة سرعتها 750 كيلومترًا ، وتدمر أي مبان ـ مهما كانت قوتها ـ في بؤرة التدمير . الموجة الحرارية الناشئة عن طاقة القنبلة تكفي لإشعال حرائق تصل درجة حرارتها إلى مئات الدرجات المئوية . وتحدث نبضة ألكترو مغناطيسية تكفي لتعطيل كل الاتصالات السلكية واللاسلكية ، وتدمر كل الأجهزة الالكترونية في قارة أوربا. ؟
وبغير السلاح النووي ماذا صنعت ـ بالفعل ـ هذه الحضارة ؟ يعلق الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودى على ضحايا الحضارة المعاصرة فيقول في كتابه"ما يعد به الإسلام"ص 37 - 39: ( لقد أطلق مؤرخونا بحق اسم الغزوات البربرية على الأهرامات التي بناها تيمورلنك بسبعمائة ألف جمجمة بعد احتلاله أصفهان ، فماذا نقول عن إبادة ملايين الهنود الحمر في أمريكا على يد الفاتحين الأوربيين أصحاب المدافع ؟ وماذا نقول عن تخريب أفريقيا بانتزاع حوالي عشرين مليونًا من سكانها السود مما يعني أن عدد الضحايا بلغ مائتي مليون إذ كان أسر كل أسير يكلف قتل عشرة أفراد . بل ماذا نقول عن مذابح آسيا وحرب الأفيون ؟ والمجاعات التي فتكت بملايين الهنود بفضل الاستعمار وفرض الضرائب ؟ وماذا نرى في ضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية ؟ وماذا نرى في قنبلة هيروشيما ؟ وماذا نرى في حرب فيتنام ؟ وماذا نرى في ضحايا فلسطين ؟( والعراق ) ، وماذا نسمي في عالمنا اليوم النظام العالمي للسيطرة الغربية ، هذا النظام الذي أنفق أربعمائة وخمسين مليارًا من الدولارات على التسلح عام 1980 وتسبب في العام نفسه في موت خمسين مليونًا من البشر في العالم بسبب لعبة المبادلات التجارية ؟ وهكذا ـ يقول جارودى ـ يعتبر الغرب إلى أبد الآبدين أكبر مجرم في التاريخ . ) فهل يفهم دراويش هذه الحضارة هذا الكلام أم هم بحاجة إلى إعادة تأهيل بدلا من حضارتهم ، إن هم بادروا فانسلخوا منها ثم اغتسلوا ؟