ومن غير ممارسة فعلية للقتال: هل كف الرجل الغربي عن ابتداع المناسبات"السعيدة"لاستئصال المسلمين الواقعين تحت سيطرته كالذي حدث في تحويل طائفة من الكازاخستانيين إلى فئران تجربة لقنبلته الذرية الأولى عام 1949 التي فاقت في قوتها التدميرية قتبلة هيروشيما ونجازاكي عشرات المرات ؟
إن المشكلة لا تقبل إعادة التأهيل ،إذ هي ترجع إلى سياق التطور الحضاري للغرب: تقدم هائل في تكنولوجيا الدمار مع تخلف هائل يتزايد بنفس النسبة في القيم والأخلاق ، هنا نمسك بتلابيب المأساة كما يقول دي برولي ، وهي مأساة المآسي التي لا يصلح لها خبير إعادة تأهيل الدعاة في السعودية أو في مصر أو في غيرهما .
هذا الخواء هو ما جعل بعض كبار المسئولين - على سبيل المثال - في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يبدون دهشتهم - وفي بعض الأحيان امتعاضهم - من النقد الموجه إليهم في كذبتهم الكبرى عن أسلحة الدمار الشامل كسبب في احتلالهم العراق ، وجعل أحد المدبرين لهذه الحرب - جون فولفولتز - يستغرب الإلحاح على هذه الفضيحة ، ويصرح في غير استحياء أو لنقل كطفل يكشف عن عورته في براءة منبوذة - بأن هذا السبب كان مطروحا لأجل كسب التأييد لحرب كان يجب أن تقع ، وقد وقعت كما يجب وهذا هو المهم ، وهذا كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة يقول في تصريح له بنشرة الجزيرة 23\6\2003 وهو يرد على سؤال عن هذه الكذبة بصوت مكيافيلي آت من قاع الجحيم: دعونا نستمتع بسقوط صدام ، وهو لا يدري - وربما كان يدري - أنه يحتفي بصعود الرذيلة ، ويخفي سقوط الفضيلة: سقوط جوهر الحضارة ، فلا هو ولا حضارته مما يصلح مع أحدهما إعادة التأهيل بينما هو يتلذذ بعفن الجثة إذ ماذا يعني جسد خلا من الروح ؟ أليس يعني أنه صار جثة ؟
أمثال هؤلاء في خوائهم أشبه بطفل لم يعن أحد بتربيته على قيم غير قيم الغابة ، والنفعية والانتهازية ، وهو الخواء الذي تحدث عنه شفايتزر عن فقدان هذه الحضارة لعقيدة صحيحة في الكون تقوم عليها
حتى في مجال تحرير الرقيق في الولايات المتحدة نجد الخواء ...وفي هذا يقرر أرنولد توينبى - في كتابه"تاريخ البشرية"ترجمة نقولا زيادة \ بيروت -: أن المحرر قانونًا لم يكن أحسن حالًا من مملوك مسلم إذ يقول ( بالنسبة لهذا المملوك فإن استرقاقه الشرعي قد يفتح الطريق أمامه ليصبح سيد عدد من المحررين قانونًا ) . ثم يقول: ( والسود في الولايات المتحدة الذين حرروا قانونًا في سنة 1862 لا يزالون يشعرون إلى الآن - وقد مر على تحريرهم أكثر من قرن - بأن الغالبية البيضاء من مواطنيهم لا تزال تنكر عليهم حقوقهم المدنية الكاملة ، وهم في شعورهم هذا على شيء كثير من الحق ) ج1 ص 24
في مقال للدكتور زكي نجيب محمود - الأهرام 22\11\1988 - عن ملاحظات له أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية خلال العام الجامعي 1953-1954يقول:
( وتصادف أن قرأ صاحبنا في صحيفة يومية تصدر في البلد الذي كان يقضي فيه النصف الأول من مهمته - يتحدث الكاتب عن نفسه - خبرا عن محاكمة مواطن أبيض قتل مواطنا أسود في حانة ، ولنلحظ هنا أنه بينما يسمح للبيض أن يرتادوا أماكن السود فإنه لا يسمح للسود أن يرتادوا أماكن البيض . وجاء في الخبر المنشور في الصحيفة عن محاكمة القاتل الأبيض نص العبارة التي نطق بها القاضي بحكمه وفيه يقول مخاطبا المتهم ما معناه: لقد قضت المحكمة بسجنك سنتين لا لأنك قتلت رجلا أسود بل لأنك سمحت لنفسك أن تخالط السود ، فوصلت بذلك جنسين أراد الله لهما أن ينفصلا ) ويكتفي الكاتب الدكتور بالتعليق بما علق به مدير الجامعة التي ذهب يعمل بها:"لقد عوقب القاضي الذي أصدر هذا الحكم"!! دون أن يبين كاتبنا على أي شيء عوقب القاضي: على الحكم بسنتين ثمنا لقتل إنسان ؟ أم على نطق القاضي بسبب الحكم بهما ؟
إن المشكلة هي في صميم تركيب هذه الحضارة: قوة في الجسد لم تسعفها قوة مطلوبة في الروح ، اللهم إلا الروح البوشية الانتقامية النابعة من المستوى الحضاري المتدهور ذاته ، قوة عمياء تنتقي من كتابهم المقدس ما يستهوي قتلة الأنبياء ، في غفلة بائسة عن التناقض الذي تلوثوا فيه ما بين الدين والنبوءة والفضيلة والحق ، قوة غاشمة جعلتها ترى المنكر معروفا ، والمعروف منكرا: إنها تفاخر بإنجازاتها على مستوى السلبيات كما يقول الأستاذ الدكتور رشدي فكار - في كتابه نهاية عمالقة ص 132- 137 وما بعدها - ( الحروب المدمرة الأولى والثانية -: { والثالثة المستمرة من انتهاء الحرب العالمية الثانية ، في البلاد الإسلامية ابتداء من مسلسل فلسطين إلى البوسنة إلى الشيشان إلى العراق } . تعدد وسائل الفناء للبشرية كأنما لا تكفي المتفجرات الذرية ، وإنما أضيفت إليها الهيدروجينية والكيماوية والبيولوجية . التلوث الذري لتشرنوبيل وما أحدثته من رعب ، وما حملته من سموم رياح الشمال القاتلة التي وصلت أصداؤها إلى الجنوب ، والتي أتلفت آلاف الأطنان من المحاصيل والمنتجات . المضاربات التجارية ليس فقط في البنيات الاقتصادية وإنما في المستخرجات الطبية والصيدلية سعيًا وراء الربح . تعدد أنواع الأدوية والسموم بحثًا عن الكسب ولو لحساب إفشال الكبد والكلى . التلوث القيمي حيث يفاخر البعض بخروجهم على القيم والتقاليد والتنكر لكل رباط مقدس ، حتى المحرمات أبيحت باعتبار أنها مجرد( تابو) . وأسست جمعيات وأقيمت مؤتمرات وصدرت قوانين لإباحة العلاقة مع المحارم والعلاقة المثلية في مجال الجنس . وأصبح موكب الفضائح الأخلاقية بما فيه من رشوة وجنس وعلاقات جنسية علنيًا على كل المستويات ، وأصبح قاسمًا مشتركًا لا ينفصل عن العظمة !! وأصبح المنتحرون على مستوى كبار الأدباء ، والقادة والمتخصصين في الدراسات النفسية والاجتماعية والانثروبولوجية من أمثال: جاكوب مورينو ، وجان لوفيفر وهمنجواي ، ومارياكالاس ، وداليدا ... إلخ . وقامت المراهنة الصناعية على دعائم فاسدة من: تلوث البيئة بافتقاد سلامة الجو ، وتلوث الجسد بالكيمائيات ...وتلوث العلاقات الاجتماعية ، بأمراض الجنس والإيدز . وتلوث العلاقات القومية بالفتن والقلاقل وبرك الدماء . وتلوث العلاقات السياسية والاقتصادية بالزيف والغش والمضاربة: حيث أعطيت لها أسماء التكتيك والاستراتيجية ومناطق النفوذ . وصارت الحضارة حضارة العقل التي قدمت اللامعقول على حد تعبير برتراندرسل . ) اهـ بل نقول: حضارة الجثة التي تأقلمت مع"الدود".
إنها الحضارة التي قننت واقعيا في حربها ضرب المدنيين الأبرياء عبر تطور قيمي وحضاري وتكنولوجي امتد لعشرات القرون ، انتقلت فيه الإنسانية من حضارة إلى أخرى ، واصطحبت معها تغيرا في الثقافة المساندة بررت ما كان إرهابا لحساب أساليب الحرب الجديدة .