فهرس الكتاب
إن الحرب في ظل هذه الحضارة الحديثة لم تعد أسلحتها تعتمد على الطابع الأخلاقي أصلا ، كالشجاعة والشرف والمواجهة والمروءة والرجولة والمهارات الجسدية والإنفاق الشخصي ، لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس ، ولقد ذهب - ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور القديمة والعصور الوسطى"المتخلفة"الذي كان يعتمد على المواجهة بين صفوف القتال في أرض المعركة ، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب ، أما في التطور الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب وتلك ثمرة من ثمرات التدهور الإنساني في معطيات الحضارة المعاصرة ،
إن الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية قام بضرب المدنيين دونما حاجة عسكرية استراتيجية وانظر ما فعله كما جاء في مقال الأستاذهشام الناصر في مقاله بجريدة الشعب في 26\7\ 2003 حيث يقول: ( لم يتدخل الأمريكيون مباشرة ضد هتلر إلا في يونيو 1944، عندما كان يعاني من هزيمته الأولى في يناير 1944، حيث تحطم جيشه في ستالينغراد، بعد أن خسر 400 ألف جندي بينهم 140 ألف أسير. وهنا ارتكب الجيش الأمريكي الفظائع التالية:
( قصف مرعب على التجمعات السكانية المدنية، أثناء أعمال الإنزال، راح ضحيته 570 ألف قتيل و 800 ألف جريح من المدنيين . قصف درسدن 135 ألف قتيل مدني، على الرغم من أن الزحف الروسي كان قد تجاوز المدينة، التي لم تعد لهذا السبب تشكل هدفا.
وفي عام 1945، هاري ترومان يصدر أوامره بإلقاء القنبلة الذرية علي هيروشيما، وفي أعقابها نجازاكي، أدت إلى مقتل وتشويه مئات الألاف من المدنين، إضافة للحيوانات وحتى الحشرات، وتدمير المباني والبنية التحتية واستمرار أخطار الإشعاع لسنوات طوال، رغم أن اليابان كانت قد هُزمت بالفعل في المعارك التقليدية، وكان الإمبراطور الياباني يتباحث بالفعل مع بعض الدول الوسيطة حول الاستسلام . وفي تصريحات وتحليلات لاحقة، اتضح أن الغرض الأساسي كان يتمحور حول إرهاب المعسكر الشرقي !!، وإبراز القوة النووية الأمريكية للعالم أجمع ) فبماذا يأتي جسد خلا من الروح ؟ أليس قد صار جثة مسكونة بالأباليس ؟
إن الجوهر الأخلاقي لأية حضارة إنما يظهر في غضبتها وهي تمارس الحرب كما هو الشأن في الفرد عند الغضب ، ومن هنا يتضح التركيب الدموي والطابع الهمجي لعمق هذه الحضارة ، كأنها نسخة من يأجوج ومأجوج ، أو كأنها جثة متعفنة لم تجد من يحنطها كجثة فرعون ، فتناثرت منها الآثام العفنة يمينا ويسارا فكيف يجدي معها إذن"إعادة التأهيل"التي أسقطتها على الأحياء .
إن هذه الحضارة هي التي صنعت تيارا عارما من قتل المدنيين أصبحت تكتوي به الإنسانية على المستوى العالمي: فالمراقبون السياسيون يسجلون أن العالم الغربى يشهد تيارًا من العنف لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب الباردة: الحروب الأهلية في المناطق الإسلامية من الاتحاد السوفيتى السابق . وحرب الإبادة التي استمرت سنوات في البوسنة والهرسك وكوسوفو ، ولم تهدأ إلا لفترة مؤقتة إلى أن يفيق المسلمون هناك من خديعة استبدال الذئب الأمريكي بالذئب الصربي . والحروب التي تجرى في المدن بين عصابات الشوارع: في الولايات المتحدة الأمريكية ، وبريطانيا ، وإيطاليا وألمانيا وفرنسا واليابان ، والتي تنظمها منظمات على أعلى مستوى من السيطرة والتحكم والإدارة والمال . .
وهل أغنت المظلة النووية شيئًا ؟! إن الاتحاد السوفيتي تبدد - كما يقول الأستاذ مصطفي محمود - الأهرام 30\9\1992 - وهو مسلح نوويًا ، ، ماتت روسيا وهي واقفة بدون حرب ، وعلى ظهرها حمولة من القنابل الذرية تكفي لنسف الكرة الأرضية وفي الفضاء تدور سفينتها العجيبة"مير"، . وسوف يسقط العملاق الغربى بنفس الداء .. سوف يموت من الداخل ، هذه المرة بمرض مختلف: اسمه الترف ، والوفرة والشبع ، والتخمة ، وعبادة الشهوات ، والغرق في الملذات . هذه المرة الميكروب: اسمه البطالة ، و المخدرات ، والجريمة المنظمة والمافيا ، وعجز الميزان التجاري ، وصراع العملات ، وكساد السوق …وكعادة كل حضارة مترفة ازدهرت فنون الانحلال ، وسينما العنف ، ومسرح العبث ، وغناء العهر ، وروايات الجنس التي تخلق البلادة والاكتئاب. ( ثم سر المكروبات: غرور القوة الذي يورث التمرد على كل شيء ، حتى على الخالق وقوانينه وسننه ، فنراهم يقننون الشذوذ … وكأنهم يخرجون لسانهم لحكمة الخالق التي أعمرت لهم الأرض فراحوا يخربونها بهذا الزواج العقيم ، ويحتفلون بهذا العقم ، ويتبادلون التهاني . )
وليس صحيحا ما يساق إلينا من الاستخفاف بخطورة الانحطاط الأخلاقي في عالم الجنس السائد في أركان هذه الحضارة ، فبالرغم مما يروج لها تحت عناوين التطور والتحرر والنسبية نجد من كبار قادتهم من يحذر من الخطر القادم من هذه الزاوية ، ففي آخر شريط مسجل للرئيس الأسبق للولايات المتحدة ريتشارد نيكسون أذيع أوائل العام ( 2002) بعد مرور 30 عاما علي توثيقه، يسوق الرجل اتهاما غليظا لليهود بأنهم وراء إباحة المارجوانا قانونا، ومساندة الشذوذ الجنسي وتقنين الزواج المثلي.. رجل برجل وامرأة بامرأة.. والأدهي أن المحركين لهذا الانحطاط والانحلال الإنساني من اليهود المشتغلين بالطب النفسي.. ويصفهم نيكسون بأنهم أصحاب أذهان مشوشة ، وأنهم بذلك إنما يقوضون أركان المجتمع الأمريكي. ويقول نيكسون إن الذي أضاع الامبراطورية الاغريقية هو الشذوذ الجنسي.. أرسطو كان شاذا.. وكذلك سقراط! وأن الذي هدم الامبراطورية الرومانية هو انحلال الأباطرة، ومضاجعة البابوات للراهبات! ويخلص نيكسون في النهاية إلي أن يهود أمريكا يدفعونها إلي نفس المصير! ( نقلا عن مجلة العالم اليوم 26\9\2002) ،
هكذا تحدثت بقايا العقلاء من المفكرين من أبناء هذه الحضارة قبل أن يظهر الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة ، بعشرات السنين .
إن المشكلة هي في صميم تركيب هذه الحضارة: قوة في الجسد لم تسعفها قوة مطلوبة في الروح ، اللهم إلا الروح البوشية الممسوخة الانتقامية النابعة من المستوى الحضاري المنحط ذاته ، وإن تلفعت فجأة بنبوءات دينية ذرائعية كاذبة ، ليس لها من أثر في حياتهم غير إثارة الحقد ضد الآخر: دفعت العالم وما تزال تدفعه إلى هوة سحيقة بأسباب: من غرور الأقوياء ، وجهل الرؤساء ، وانحطاط المسئولين ، وكذب الحكام ، واختفاء الحكماء ، وانسحاق الضعفاء ، واستلاب البسطاء ، واستجابة الأرقاء ، وشيوع القلق والخوف ، والتهديد بالدمار تسعى إليه هذه الحضارة بخطى حثيثة ، تنبأ بها هنري برجسون ، وشفايتزر ، وألمح إليها دي برولي ، وتشارلز فرانكل وأرنولد توينبي ، وروجيه جارودي ، ورشدي فكار وغيرهم .