فهرس الكتاب
إن ذلك كله يمكن أن ننظر إليه بموازاة آثام حضارات تداعت من قبل ، أو على حضارات سقطت بسبب ما تخلت عن أسباب الصعود ، لكن أهم أسباب سقوط هذه الحضارة التي نحن بصددها - في رأيي - وفي ضوء ما شخصه حكماؤها من"تزايد التوسع في الجسد مع تزايد الهزال في الروح"، هو في تماديها في أسباب صعودها: التقدم العلمي المتمرد على خالق الكون .. فهل وصلت حضارة من قبل إلى حضيض أن تجعل الأرض كوكبا غير صالح للسكنى ؟؟ ، أو أن تجعل من الإنسان ما ليس إنسانا وهي تغلق أبواب التاريخ ؟؟: كليهما لم يكن إلا نتيجة مشروعها للتقدم ، وهو يتضح لنا مما شهد به أهلها: خبراؤها ، ومن أبرزهم"آل جور"نائب الرئيس كلينتون في كتابه ( الأرض في الميزان ) ، وفوكوياما في نظريته عن نهاية التاريخ ، فكيف يجدي معها إذن"إعادة التأهيل"وهي في نعش المثوى الأخير
وأخيرا وبالإضافة لما تقدم فإنه لا يصح لنا أن نستخف بالهوة المفتوحة أمام مسيرة هذه الحضارة في مجال القوة المادية نفسها التي تفوقت فيها لو أحسن المهزومون أمامها في التعامل معها . ففي مقال د مصطفى السعيد بجريدة العرب بعنوان"اطردوا الأمريكان من الخليج"بتاريخ 12\10\2003 نقلا عن جريدة التايم الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 4 أغسطس 2003 تحت عنوان"أزمة الطاقة الجديدة".. لماذا أمريكا أكثر اعتمادا، عن أي وقت مضي، علي البترول الأجنبي". حيث ركز المقال علي الحقائق الآتية:"
أولا: إن جميع المحاولات والجهود التي بذلتها الولايات المتحدة، منذ الأزمة البترولية التي صاحبت حرب أكتوبر 1973، لم تنجح في تحقيق أهدافها في تقليل اعتماد الولايات المتحدة علي البترول المستورد من الخارج، سواء في ذلك البترول الخام أو الغاز الطبيعي أو المنتجات البترولية المختلفة، ففي عام 1973 كانت واردات الولايات المتحدة الأمريكية من البترول الخام حوالي 6 ملايين برميل يوميا، ثم زاد ليصل إلي 6.4 مليون برميل يوميا 1980 وإلي 12 مليون برميل يوميا عام 2002 كما جاء بمقال الدكتور حسن عبد الله في جريدة"الأهرام"بتاريخ 23/ 8/ 2003.. كما أن واردات الولايات المتحدة الأمريكية للبترول الخام كنسبة من إجمالي استهلاكها قد زادت من حوالي 28% عام 1972 لتصل إلي حوالي 53% عام 2002.
ثانيا: إن زيادة الاعتماد علي الخارج لم تقتصر علي البترول الخام، بل امتدت إلي الغاز الطبيعي، حيث زادت الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج لتصل إلي حوالي 4 ملايين متر مكعب عام 2002، في الوقت الذي لم تتجاوز فيه هذه الفجوة أكثر من نصف مليون متر مكعب عام 1988.. وترجع أهمية الغاز الطبيعي إلي أن أكثر من 88% من الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة يتم توليدها باستخدام الغاز الطبيعي.
ثالثا: إن البترول لا يزال هو المصدر الرئيسي لتوليد الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن المصادر الأخرى من الفحم، والطاقة الشمسية، والطاقة النووية، وطاقة الرياح، والطاقة الهيدروليكية، لا تمثل أكثر من 20% من مصادر الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية.
رابعا: إن الرئيس بوش قد أعلن في يناير 2003 في حديثه عن أحوال الاتحاد عن برنامج لتوليد الطاقة من الهيدروجين، واقترح تخصيص 1.2 مليار دولار لتشجيع الأبحاث في هذا المجال وصولا إلي قدر أكبر من استقلالية الولايات المتحدة في استهلاكها لمصادر الطاقة.. إلا أن هذا البرنامج لا يتوقع له النجاح، كما تشير جريدة التايم، شأنه شأن البرامج السابقة عليه، وإن نجح هذه المرة فإنه لا يتوقع أن يحقق نتائج واضحة قبل مرور أكثر من عشرين عاما من الآن.
خلاصة القول.. فإن الولايات المتحدة الأمريكية سيستمر اعتمادها علي الاستيراد من الخارج للبترول الخام والغاز الطبيعي، وذلك خلال فترة العشرين سنة المقبلة علي الأقل..
ومن هنا فإن الفرصة متاحة تاريخيا -قبل انقضاء العشرين عاما المذكورة أعلاه - للدول النفطية في الشرق الأوسط والإسلامية لتوجيه الضربة القاصمة ضد الذي أعلن عليهم وصف"العدو الأول"وبدأ في محاربتهم عسكريا تحت عنوان الإرهاب ، وهم إنما يستثمرون هذه الفرصة المتاحة إن أحسنوا التعامل معها ووقفوا منها الموقف التاريخي الجذري بتعطيل إنتاج بترولهم ، هكذا ، ودفعوا الثمن الغالي لهذا الموقف بكل أخطاره وتداعياته وهو الثمن الذي لا مهرب مما هو أخطر منه وأشد لو تركوا منطق التعامل يجري وفقا لخطة العدو في الاستيلاء عليه ، بدلا من فرصتهم المفترضة في التعطيل والتي إن ضيعوها سيحاسبهم عليها التاريخ ، وهي فرصة محسوبة عليهم في حساب الله قبل حساب التاريخ ، وعند ذاك يضيفون إلى الذل الفقر المقيم ، فمن أي شيء يهربون ؟
وبالجملة: تلك نذر واضحة لسقوط حضارة قد اتسع خرقها وألقت أوزارها ، ومن ثم فهي لا تنفعها"إعادة تأهيل"وتشرذمت جثتها فهي لا يجدي معها طب الأطباء ، وتم عرضها على الأنظار في مسلخ التاريخ فما وجدت لوجهها غير البصاق ، وانتظرت من يشيعها فما وجدت رجل دين صادق ، ولذا استحقت أن يأرق لها الآرقون من أصحاب الضمائر . إذ هم والنائمون مع الجميع غدا: أشلاء . فأي الفريقين أحق بلوم من سيأتي بعد غد ؟!!
أد: يحيى هاشم حسن فرغل
من علماء الأزهر
عميد كلية أصول الدين بالأزهر سابقا ،
المقالة الثانية
سقوط الحضارة وكارثة الأرض
أيهما طريق إلى الآخر ؟
أد: يحيى هاشم حسن فرغل
تمر الحضارة المعاصرة اليوم بمنحنى خطير فيما يتعلق بشئون البيئة يهدد بما يطلق عليه:"مأساة الأرض"ـ ككوكب صالح للسكنى .ومنذ ظهر الإنسان على الأرض وإلى اليوم ما كان لأحد أن يساوره الشك لكي يطرح سؤالا على النحو الوارد أعلاه ، إذ ما كان يشك أحد في أن الطريق إلى الكارثة الكبرى مفتوح من الأرض إلى الإنسان أن تزلزل الأرض زلزالها أولا ، وليس العكس ، إلى أن بدا لنا اليوم أن الآية القرآنية في قوله تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لعلهم يرجعون . } 41 الروم ، تجيب بغير ما كنا نظن: بأن كارثة يصنعها الإنسان في سياق حضارة العصر هي التي ستؤدي إلى كارثة للأرض ، وتلك هي مشكلة البيئة التي يصنعها الإنسان المعاصر ، إذ وصلت هذه المشكلة إلى مستوى تهديد الأرض ككوكب صالح للسكنى ، وصار طريق الخطر الأكبر مفتوحا من الإنسان إلى الأرض ، عندئذ تزلزل . إن الأخطار التي تهدد البيئة اليوم لم تعد أخطارًا محلية يمكن أن يقتصر ضررها على وطن ، أو إقليم ، أو قارة بعينها ولكنها أخطار تهدد بيئة الأرض كلها .إنها أخطار تأتى على مستويات متدرجة: في الفضلات ودفن المخلفات ، والأمطار الحمضية ، وتلوث مستودعات المياه الجوفية ، و زيادة كمية الكلوروفلور في الغلاف الجوى ، و الاحترار العالمي و قطع الغابات ، وتجفيف البحيرات ، وتحويل الأنهار ، والنفايات ، والتلوث النووي ، وتهديد التنوع الحيوي.. إلخ.