فهرس الكتاب

الصفحة 1890 من 2255

ومن الملاحظ أن كبار الخبراء والباحثين قد أدركوا عمق المأساة التي تنحدر إليها الأرض في هاوية البيئة . يقول بارى كوموز في كتابه الشهير"الدوامة"ـ كما ينقل عنه الأستاذ راشد الحمد ومحمد صبارينى في كتابهما بعنوان"البيئة ومشكلاتها"ص 199 نشر عالم المعرفة بالكويت ـ: ( أنقذوا الإنسان من الموت المؤكد ، ساهموا في مكافحة التلوث ، إن مدنية قبائل البوشمن في وسط إفريقيا هي أرقى من مدنية الإنسان المعاصر في البيئة المرفهة الأمريكية) . وتقول الدكتورة هند صادق أستاذة علم طبقات الجو العليا والتلوث في واشنطن . ( إن الإنسان القديم كان متفاعلًا مع الطبيعة ومع كل مظاهر الحياة من حوله .أما ما يفعله أحفاده اليوم ، فهو تدمير كل ما هو جميل ، وخير وطيب ، في هذه الأرض التي نحيا عليها . ) الأهرام 23\12\1989 ، ويقول الأستاذ الدكتور طلبه عويس في دراسة له نشرت بكتاب بعنوان ترجمته"من أجل الحفاظ على الأرض"مع الدكتورة هند وآخرين: ( إن الإنسان ابن الطبيعة قد طعنها في مقتل . )

إن الأرض كلها هي التي تمر اليوم بالمأساة . إن حجم المشكلة وصل إلى حد الوصف القرآنى لها في قوله تعالى: { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون . } 24 يونس .

ويقدم آل جور ، نائب رئيس الولايات المتحدة السابق صورة المأساة في دراسة عالمية حديثة ، جاءت في كتابه ( الأرض في الميزان ) ، قام بها فريق كبير من الخبراء والباحثين بقيادته ، وترجمت إلى اللغة العربية ، وأصدرها مركز النشر والترجمة في الأهرام بالقاهرة عام 1994م ، وتتمثل المأساة وفقا لهذه الدراسة في:

(1) مشكلة القمامة: وهي تأتي في تيار عارم ، يتدفق بكميات هائلة لم تعد الأرض قادرة على استيعابها كما يؤكد خبراء البيئة . وإذا كان البعض يحاول التخلص من القمامة بحرقها ـ حيث توجهت استثمارات ضخمة إلى هذا السبيل بلغت حوالي عشرين مليار دولار في وقت من الأوقات ـ فإن بعض الخبراء ينظر إلى هذه الوسيلة على أنها غير مجدية وتزيد الطين بلة ، وأنه إذا ما استمرت عمليات حرق الفضلات فإن كمية الزئبق المتصاعد عن هذا الطريق تضيف ملايين الأرطال من الزئبق إلى النظام البيئي ، عبر حدود الدول ، ثم تصل بالضرورة إلى الغلاف الجوى لكوكب الأرض بأسره .

(2) مشكلة تلوث الهواء: يقول بعض خبراء البيئة: إن أوصال العالم ترتعد فزعًا من مستويات التلوث التي لا يصدقها عقل ، وبالذات تلوث الهواء على مستوى العالم كله .

وعلى سبيل المثال فإنه في بعض المناطق في بولندا يؤخذ الأطفال بصفة منتظمة إلى مناجم عميقة تحت الأرض لمدة من الوقت يريحون فيها صدورهم من الغازات المتراكمة ، والتلوث الذي يملأ الهواء بكل أنواعه . ولقد لاحظ زائر لأحد المدن الرومانية تسمى ( كوسباميكا ) أو ( المدينة السوداء ) : أن الأشجار والحشائش ملطخة بالدخان إلى حد أنها بدت كأنها مشربة بالمداد . وذكر أحد الأطباء المحليين هناك أنه حتى الخيول لا تستطيع البقاء في تلك المدينة لأكثر من عامين ، وتعاني مدينة مكسيكوسيتى يوميًا من أقسى درجات التلوث الهوائي على مستوى مدن العالم بأسره الأمر الذي يؤكد أن تلوث الهواء يصل من شمال أوروبا إلى المنطقة القطبية وينتقل إلى كل بقعة في الأرض . ص 85-87 .

(3) ثقب الأوزون: وغاز الأوزون يدخل كطبقة هامة في تركيب الغلاف الجوى للأرض يعمل على حماية سطح الأرض من سقوط الكميات الضارة للأشعة ذات الموجة القصيرة ( فوق البنفسجية ) . ومن الملاحظ أن هذه الطبقة من الأوزون أخذت تتآكل بسبب تصاعد غاز الكولوروفلوروكربون الذي يتزايد إنتاجه بكميات هائلة في الصناعات الحديثة . ومن هنا فإن هذا التآكل أخذ يسمح لمزيد من الأشعة فوق البنفسجية بأن ترتطم بسطح الأرض ، وتصطدم بكل الأحياء ، ومن أسوأ العواقب المترتبة على تلك الزيادة: سرطان الجلد ، ومرض إعتمام عدسة العين ( الكاتاراكت ) وكلا المرضين يزدادان انتشارًا ، وبالذات في مناطق بنصف الكرة الجنوبي مثل استراليا ونيوزيلندا ، وجنوب أفريقيا ، وفي كوينزلاند بشمال شرق استراليا ـ على سبيل المثال ـ فإن أكثر من 75% من السكان الذين بلغوا الخامسة والستين من العمر مصابون الآن بنوع من سرطان الجلد . ومنذ اكتشاف ثقب الأوزون وهو يزداد عمقًا واتساعًا ، وهو يغطى حاليًا في الغلاف الجوى مساحة تعادل ثلاثة أمثال مساحة الولايات المتحدة الأمريكية .

(4) نقص التأكسد: وذلك أنه في الظروف العادية ينظف الغلاف الجوى نفسه ـ بسنة الله في الطبيعة ـ من الملوثات من خلال عملية تعرف بالتأكسد ، حيث تتفاعل المواد والغازات الضارة مثل الميثان وأول أكسيد الكربون مع منظف طبيعي إلهي يعرف باسم الهيدروكسيل ، واليوم في ظل الحضارة الصناعية فإن الإنسان يدفع بكميات هائلة من غاز أول أكسيد الكربون في الطبقات العليا من الجو ـ من خلال عمليات حرق الوقود وحرق الغابات ـ لدرجة أن حجمه أصبح طاغيًا بالقياس إلى الكمية المتاحة في الطبيعة من الهيدروكسيل ، وبهذا تتزايد كميات أول أكسيد الكربون وغاز الميثان في الغلاف الجوى بسرعة كبيرة ، وأصبح له دوره الفعال بين الغازات الأخرى المسببة لظاهرة الاحترار ، وهنا يأتى الخطر الاستراتيجي العالمي ، ألا وهو ظاهرة الاحترار وهو الأشد خطورة على الإطلاق ، على مستوى الكرة الأرضية كلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت