فهرس الكتاب
ومفهوم الحضارة الغربية المطروح في مقولة (هنتنجتون) يجمع بين أوروبا وأمريكا ويبقي ما كان من توتر وما هو كائن من تضارب في المصالح الاقتصادية. بل إنه داخل الكتلة الغربية الأوروبية ذاتها يجمع ما بين الكتل المصلحية الثقافية المتضاربة من بريطانية وفرنسية وألمانية وشمال أوروبية وجنوب أوروبية. ولا يكتفي مفهوم الغرب الجديد في التوسع شرقًا حتى حدود الصين واليابان ووسط آسيا (حيث امتداد روسيا) بل إنه يضرب إلى الجنوب الأمريكي حتى القارة الجنوبية المتجمدة حيث يتضمن الأمريكتين: الوسطى، والجنوبية. وهناك أيضًا تسود المسيحية الكاثوليكية التي مقرها في روما، ويسود العنصر الأبيض حتى وإن وجدت الأعراق والعناصر الأخرى بكثافة عددية أكبر: من زنوج ومخلطين في البرازيل، أو هنود في البلدان الأخرى. لكن ارتباط هذه القارة بالتاريخ الأوروبي، والمنحى العام للحضارة الغربية قد ترسخ منذ (اكتشافها) (حسب الزعم الغربي) في القرن الخامس عشر الميلادي، ويعاد اكتشاف هذا الإقليم الآن بثرواته وإمكاناته الهائلة ليُدرج في صف الحضارة الغربية بعد أن كانت بعض تصنيفات الفكر اليساري الغربي تضعه في خانة (العالم الثالث) ثم (الجنوب) في مواجهة (العالم الأول) أو (الشمال) وهو (الغرب) . وبالطبع فإن أستراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق، وإلى الشرق حتى من الخصم الجديد للحضارة الغربية (الإسلام والصين الناهضة أو الكتلة البوذية... إلخ) تقع هي الأخرى ضمن صف الحضارة الغربية الذي تنشئه مقولة صِدام الحضارات.
إذن: نجد أن طرح التصور للحضارة الغربية عند (هنتنجتون) يتضمن ما يمكن تسميته بإعادة تأسيس وإنشاء صف الحضارة الغربية بشكل يختلف جذريًا عما اعتاد عليه الفكر السياسي والثقافي والفكري حتى عهود بالغة القرب. فالغرب كما قلنا كان يقتصر على مجموعة بلدان غرب أوروبا (جغرافيًا) بالإضافة طبعًا إلى كتلة القارة الأمريكية الشمالية، لكن المفهوم الجديد يوسع المدى الجغرافي للغرب كثيرًا إلى حد ينعدم معه معنى (الغرب) ذاته مع الامتداد العميق إلى أقصى الشرق من ناحية وأقصى الجنوب من الناحية الأخرى، ثم محاولة التوغل في الوسط من خلال الطرح المكمل لمفهوم الغرب وهو طرح الحضارة المتوسطية التي يفترض أن تضم بلدان حوض شرق البحر المتوسط ومعظمها إسلامية. وهذا الطرح جاء من بلدان أوروبا الغربية والجنوبية وهو إن حاول التظاهر بخلق أو إحياء كيان حضاري متميز (البحر متوسطي) إلا أنه في الحقيقة لا يكاد يخفي أنه أداة لاستيعاب وضم الدول الإسلامية الكبرى المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط وإلحاقها بالحضارة الغربية (المسيحية - الوثنية) وإدراجها كعناصر داخل هذه الحضارة بعد تجريدها من خصوصياتها الحضارية وتمييع هويتها العقدية. وهكذا يتسع مفهوم الحضارة الغربية الجديد ليشمل نطاقًا جغرافيًا هائلًا بل - وهو الأهم - ليشمل ويبتلع نطاقات ثقافية كانت بشكل ما خارجة عن نطاق الثقافة الغربية كروسيا وأمريكا الجنوبية.
وينقلب هذا التوسع الجغرافي عدوانيًا عندما يتحرك ليهاجم قلب العالم الإسلامي من خلال طرح مفهوم الحضارة المتوسطية وهو في جوهره مجرد مفهوم وسيط يمهد لإلحاق الحضارة الإسلامية أو بلدانها المركزية بالحضارة الغربية ومجال النفوذ الغربي بعد فصلها أولًا عن الوسط الإسلامي وضمها إلى ذلك الكائن المصطنع (البحر متوسطي) الذي لن يلبث أن يكشف عن وجهه الحقيقي فإذا هو غربي بحت بعد أن يكون فات أوان العودة إلى الهوية الإسلامية بالنسبة للبلاد الإسلامية التي تكون انضوت تحت لوائه.
ويتجلى هذا التوسع الجغرافي الشرس والشاسع لمفهوم الغرب في التصور الجديد من بعض التصورات التي ينقصها الوضوح في مقولة (هنتنجتون) أو التي يسكت عنها؛ فما هو وضع الهند أو إفريقيا في خارطة الصراع الحضاري الذي يتنبأ به الكاتب الأمريكي للقرن الحادي والعشرين الميلادي؟
لقد تعرضت في مقالتي السابقة لوضع الهند وخلصت إلى أن (هنتنجتون) لا يصنفها في خانة أعداء الغرب رغم أنها كالصين (وأكثر من العالم الإسلامي) تمتلك القوة النووية حسب أرجح التصورات، وفوقها إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة حالية ومتوقعة، كما خلصتُ إلى أن عدم وضع الهند في خانة العدو الحضاري المحتمل يعني أنها واقعة في خانة الأصدقاء أو الحلفاء المحتملين للحضارة الغربية حتى وإن لم توضع صراحة في الصف الغربي. ولا يُنسى أن الجذور الأولى للحضارة واللغات الأوروبية تستمد نفسها من الماضي الآري السنسكريتي في الهند؛ فضلًا عن أن المنطق الاستراتيجي السليم يحتم وضع الهند في الصف الغربي في مواجهة الحضارتين الإسلامية غربًا وجنوبًا، والصينية شرقًا. تتبقى إذن قارة إفريقيا؛ ووضعها - من هذه الناحية - غامض؛ فهي غير مذكورة في الصف الغربي إضافة إلى أن ضعفها الحالي والمتواتر يجعل من غير المحتمل وضعها كالهند في خانة الحلفاء المستقبليين. لكن الواقع يقول إن عملية (هندسة سياسية) ضخمة تجري الآن لإلحاق سائر إفريقيا في إقليم ما يعرف بـ (جنوب الصحراء) إلى الصف الغربي. وإلا فلماذا عودة جنوب إفريقيا كالابن الضال إلى صف السياسات الدولية من منظور غربي؟ ولماذا عملية التغييرات حتى في قلب ووسط إفريقيا ثم في الاتجاهات الأربعة من ذلك القلب لرسم خريطة سياسية جديدة من إمبراطوريات لا تتميز بشيء قدر تميزها بالعداء للإسلام، والولاء السياسي والاقتصادي لأمريكا، والانتماء الديني إلى المذاهب المسيحية الغربية وبعدها الثقافة المتأوربة؟ إن المسرح السياسي العام يعد الآن في وسط وأطراف إفريقيا لتأكيد الضم والإلحاق بالغرب على أصعدة تمتد من الاقتصادي إلى الثقافي والديني في مواجهة الشمال والشرق الإفريقي المسلم.
ومن ثم نرى أن الحضارة الغربية التي سوف تواجه العدو الإسلامي في المستقبل القريب حسب مقولة (هنتنجتون) هي صف أوسع وأكبر وأخطر بكثير من ذلك التصور الذي ساد حتى عهد قريب حول (الغرب) وليست القضية مجرد توسع جغرافي مهما كان مداه وخطورته، بل إن هذا التوسع عدواني في المقام الأول أي إنه مستمر وزاحف ينتهج سياسات الضم والإلحاق والإدراج، وترتيب الحلفاء والأصدقاء، وتحييد القوى التي قد تنضم إلى العدو؛ فهو صف يتبع أساليب عسكرية واضحة في التفكير والنهج. والأخطر من ذلك كله أن هذا الصف الغربي في شكله الجديد الذي تؤسسه وتنشئه مقولة صراع الحضارات يقوم على أساس ظن البعض أنه قد مات في الغرب إلى الأبد؛ وأعني به الأساس العقدي وبالتحديد: الديني المسيحي؛ فبعد قرون من سيادة نهج التفكير العلماني، وبعد أن بشّر الفكر الغربي في طرحه البراجماتي والليبرالي بنهاية الأيديولوجيا أو نهاية سيطرة المفاهيم العقائدية على توجيه الأمور في عصر العلم وثورة التكنولوجيا، كان من المظنون أن أي طرح يقيم الحضارة والثقافة والهوية على أسس دينية عقائدية قد مضى وقته إلى غير عودة في الغرب؛ لكن ها هو البروفيسور الأمريكي يبشر بحضارة غربية تقيم هويتها على أساس مواجهة خصم ديني (الإسلام) وهذا لا يكون إلا إذا كانت تلك الحضارة نفسها تقوم على أساس ديني أو هي شديدة الوعي والحساسية بدور الدين ووضعه كمقوِّم للحضارة والهوية والكيان. وعند هذه النقطة بالذات ينهار منطق الردود التي جاءت من العالم الإسلامي على مقولة صِدام الحضارات.