فهرس الكتاب

الصفحة 1943 من 2255

لقد تناولت من قبل بعض سمات الردود القادمة من بلدان إسلامية على هذه المقولة، لكن السمة الكبرى فيها هي أنها صدرت عن أصوات ودوائر ذات توجه علماني متغرب؛ فضلًا عن أنه واقع تحت سيطرة التوجيه المباشر للدوائر السياسية الحاكمة وهذا طبيعي؛ لأن الواقع في بلداننا الإسلامية يبين أن هذا التيار العلماني المتغرب قد أعطيت له في الآونة الأخيرة السيطرة على منابر الفكر والثقافة والإعلام والتعليم والعمل الاجتماعي في إطار الحملة الجارفة على الحركات الإسلامية بل والإسلام ذاته؛ ولذلك جاء تعامل هذا الصوت العلماني مع مقولة صدام الحضارات غريبًا ولافتًا للنظر رغم صدوره عن أشخاص وأجهزة في بلدان إسلامية حسب التاريخ وحسب الأغلبية، وينبغي التركيز على هذه الحقيقة لغرابتها؛ فالرد الظاهر في العالم الإسلامي على مقولة (هنتنجتون) لم يجئ من أصوات إسلامية فكرية صادقة (وهو قد جاء ولكن تعرض للتعتيم) لكنه جاء من ذلك التيار العلماني المتغرب المسيطر بقوة الغير. لذلك تراوح الرد بين اتهامات سخيفة لـ (صمويل هنتنجتون) بأنه (أصولي) (ولولا بقية من حياء لقالوا أصولي إسلامي!) وبين مقولات مضادة تروّج لفكرة أن العلاقة الأساسية التي يدعو لها الإسلام (تذكّر أن هذا الطرح صادر عن علمانيين!) هي علاقة التفاعل والتعاون والتبادل بين الحضارات.

والمشكلة أو الأزمة التي وقع فيها الصوت العلماني المتغرب في البلدان الإسلامية في تعامله مع مقولة صراع الحضارات أنه لم يعد يتوقع أو يفهم أن يؤسس أحد فكرة أو طرحًا على قواعد الدين والعقيدة! إن هذا الصوت كان تلميذًا نجيبًا ومطيعًا استوعب دروس علمانية الغرب التاريخية حتى النخاع، ونبذ الإسلام وراء ظهره نهائيًا. وهذا الصوت لم يعد يستطيع أن يفهم أو يتعامل مع أي طرح يصدر عن الدين والعقيدة إلا بالرفض أو عدم التصور. ولذلك فعندما فوجئ هذا الصوت أو التيار بالعلمانية تسقط في الغرب، والمسيحية تنهض عند كثير من الفلاسفة وأصحاب المذاهب هناك (وهنتنجتون بالمناسبة هو مجرد صوت صغير غير ذي أهمية في سياق هذه العودة للمسيحية في تصور الأمور) أُسقِط في يديه ولم يعد يعرف كيف يتصرف أو يرد. لم يستطع هذا التيار أن ينادي بنهضة أو إحياء إسلامي، ولم يستطع أن ينادي بتأسيس وحدة حضارية إسلامية شاملة لتواجه الطرح الحضاري الغربي المؤسس على المسيحية الناهضة أو الأصولية!

وباختصار: لم يستطع الصوت العلماني - في تعامله مع مقولة صراع الحضارات - أن يدعو إلى رد إسلامي أو مواجهة إسلامية؛ لأنه نبذ الإسلام وتخلى عنه؛ فكان الرد الوحيد هو هيستيريا اتهام (هنتنجتون) بالأصولية تمامًا كهيستيريا اتهام المسلمين بالأصولية والتطرف!

ولم تتوقف المشكلة والمأزق عند هذا الحد؛ فالصوت العلماني المسيطر في التعامل القادم من البلدان الإسلامية مع مقولة صراع الحضارات قد أُشرِبَ الحضارة الغربية وثقافتها وفكرها؛ بحيث لم يعد يتصور أو يفهم أنه توجد حضارات أخرى وثقافات وعقائد غيرها. ومرة أخرى كان هذا هو الدرس الذي تلقاه ذلك الصوت من معلميه الغربيين واتبعه بنجابة التلميذ المطيع. ولهذا فعندما جاءت مقولة (هنتنجتون) تتحدث مذعورة عن خطر الثقافات والعقائد الأخرى على الغرب وقع الصوت العلماني في البلاد الإسلامية في حيرة مضاعفة: كيف يكون هناك خطر وقد تعلمنا أن كل الثقافات الأخرى غابرة، وأن حضارة الغرب وحدها هي القادمة وهي المنتصرة وهي الوحيدة؟ لقد رأى (هنتنجتون) أن هناك صحوة إسلامية تتحول إلى نهضة حضارية تنافس وتجبّ حضارة أمته الغربية.

أما العلمانيون الذين يحملون أسماء إسلامية فلم يروا في هذه الصحوة إلا (ردة) (حسب تعبيرهم) إلى عهود الظلام والرجعية.. إلخ، وردة عن النور الذي جاء من الغرب؛ ولهذا السبب لم يستطع الصوت العلماني أن يرد على مقولة صراع الحضارات بالدعوة إلى دعم الحضارة الإسلامية بكل الأساليب وعلى كل الأصعدة لتتصدى لهجمة الحضارة الغربية الشرسة المتوسعة، والتي تناصب الآخرين العداء، وتتخذ منهم أعداء حسب طرح (هنتنجتون) .

على ضوء تغرب الصوت العلماني حتى النخاع لم يكن الرد المتوقع إلا أن يكون الدعوة إلى الحوار والتعاون والتفاعل والمشاركة مع الغرب مع إلصاق هذا المدخل بالإسلام. أوَليس الإسلام دين المحبة والسلام؟ لكن هؤلاء العلمانيين لم يكونوا يهتمون بالإسلام بأدنى قدر في هذا الطرح يوازي اهتمامهم بنفي أي احتمال للصراع مع الغرب سواء أكان ذلك سياسيًا أو اقتصاديًا أو حضاريًا؛ إذ كيف يقبلون بوجود أي صراع مع الغرب مهما كان مسوّغًا بدوافع الدفاع عن الذات والهوية الإسلامية؛ بينما كل انتمائهم هم، وهويتهم هم، وذاتيتهم هم: غربية الطابع؟

لقد عمي الصوت العلماني عن الصورة الجديدة والتشكيل الجديد لمفهوم الغرب كما تجلى في مقولة صراع الحضارات. لم ير الصوت العلماني أية غرابة في أن تتوسع الحضارة الغربية وتتقوى أو أن تعادي الإسلام؛ فهم من أبناء هذه الحضارة الغربية بالروح وإن لم يكن بالجسد. لكنهم وجدوا الغرابة كل الغرابة في أن تخاف الحضارة الغربية من الإسلام، وتخشى النزال معه، وتحشد لذلك عدتها؛ فطفقوا وباسم الإسلام (!) ينادون بني جلدتهم المسلمين بأنه يجب أن لا يكون صراع مع الغرب بل إخاء وسلم ومحبة وتذلل وأخذ؛ حتى ولو أشهر الغرب سيوف التنصير والاستغلال الاقتصادي، وأعلن الحرب على الإسلام والمسلمين!

إن الرد القادم من بلدان إسلامية عديدة، والذي جرى إبرازه بحيث يتصور المرء أنه هو الرد (الإسلامي) على مقولة صراع الحضارات جاء في الحقيقة وفي معظمه من الأصوات العلمانية المسيطرة والموجودة حتى داخل المؤسسات الدينية الشهيرة بل وعلى رأسها في أحيان؛ ولذلك تخبط هذا الرد بين اتهامات مضحكة لهنتنجتون بالأصولية الفكرية أو الردة عن العلمانية! (وكأنها دين منزل عند هؤلاء الذين لا يقبلون الأديان) وبين اتهامات أخرى بأنه يذكي نيران العداوة والإحن؛ وكأنه ليس مجرد ممثل ومعبر عن حضارته المتوسعة الشرسة في طرحها المعاصر الذي هيمنت عليه المسيحية كعقيدة ودين تؤسس عليه الدول والسياسات والمواقف ويكون قاعدتها المتينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت