فهرس الكتاب
ومن الملاحظ تبادل مفاهيم (Civilization و Clt صلى الله عليه وسلم e) في اللغات الأوروبية من بيئة معرفية إلى أخرى.
انتقال مفهومي Civilization و Clt صلى الله عليه وسلم e إلى العربية:
لعل ترجمة كتاب: (إتحاف الملوك الألبا بسلوك التمدن في أوروبا) في عهد محمد علي باشا أوائل القرن التاسع عشر الميلادي شهد ظهور أول ترجمة لكلمة Civilization بمفاهيمها الغربية الحديثة إلى العربية. وواضح أن لفظ (المدنية) صيغ في هذه الفترة مقابلًا لها للدلالة على المجالين المادي والمعنوي، وقد ذكر رفاعة الطهطاوي في كتابه: (مناهج الألباب المصرية) ما يوضح ذلك، أي: إن (التمدن) و (المدنية) كانتا تطلقان إطلاقًا شاملًا، وكذلك صيغت اللفظة نفسها في ترجمات كتب القانون، خصوصًا ما أطلق عليه: (القانون المدني) ، وظل هذا المفهوم الشامل (للمدنية) مستخدَمًا طوال القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين صيغت كلمة (حضارة) ترجمة لـ (Civilization) ، وربما كان علي مبارك ومن بعده أحمد لطفي السيد أول من استخدم كلمة (حضارة) للدلالة على مفاهيم (Civilization) ، وابتداءًا من الربع الثاني من القرن العشرين شاع استخدام كلمة (الحضارة) بديلًا عن (المدنية) بمعناها الشامل.
في عشرينيات هذا القرن أطلق سلامة موسى لفظ (ثقافة) على مفاهيم (Clt صلى الله عليه وسلم e) قاصدًا بها: المعارف والعلوم والآداب والفنون، يتعلمها الناس ويتثقفون بها؛ بينما أطلق (الحضارة) مقابلًا لكلمة (Civilization) قاصرًا مدلولها على الأمور المادية والمحسوسة.
وفي أواخر الخمسينيات أُطلقت لفظة (المدنية) على الظواهر المادية في حياة المجتمع ترجمة لـ (Civilization) ، بينما ترجمت Clt صلى الله عليه وسلم e إلى (حضارة) للدلالة على الظواهر الثقافية والمعنوية، وقد ساهمت في ذلك ترجمات علماء الاجتماع والإنثروبولوجيا العرب.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين أخذت المعاجم والقواميس تترجم Civilization إلى (حضارة) ، مع نقل التعريفات والمفاهيم المرتبطة بالكلمة الأوروبية كما هي في بيئتها.
ومن خلال هذا الاستعراض يتضح لنا أن هناك شقين في المفهوم الغربي الذي أراد بعض المثقفين العرب نقله إلينا من خلال ترجمة (Civilization) و (Clt صلى الله عليه وسلم e) : شق مادي محسوس، وشق معنوي ومعرفي. وقد انتقل التداخل والتضارب في مفاهيم اللفظين عند الأوروبيين إلى الترجمات العربية؛ حيث عبرت (المدنية) أحيانًا عن الشقين معًا، وأحيانًا أخرى عبرت (الحضارة) عنهما، وأحيانًا عبرت (المدنية) عن الشق المادي، و (الحضارة) عن الشق المعنوي، وأحيانًا أخرى عبرت (الحضارة) عن الشق المادي، تاركة للشق المعنوي المعرفي كلمة (الثقافة) .. وهكذا اضطرب ارتباط المفهوم مع المصطلح، وإن كان يكثر في السنوات المتأخرة إطلاق لفظ (الحضارة) على الشقين المادي والمعنوي، مع بعض الميل إلى استخدام (المدنية) في الجوانب المادية، تاركًا (الثقافة) لجهود الفرد في تنمية وعيه ومعارفه وذوقه؛ بخلاف (الحضارة) التي تتسم بالجماعية.
نقد المفهوم الغربي:
بادئ ذي بدء: فإننا غير ملزمين بقبول محتوى المفهوم ولا بالتمسك بمصطلح ارتآه بعض المثقفين إلا بقدر ما يوافق قناعاتنا، وهذا مقتضى إسلامنا، بل مقتضى كوننا عقلاءَ وأحرارًا، ومن هنا: وجب علينا مناقشة المفهوم وتمحيص المصطلح؛ فمن خلال مناقشة المفهوم الغربي ـ الذي يعد مرجعًا للمفكرين العرب الذين نقلوه إلينا ـ نستطيع التعرف على فحوى المصطلح ومدلولاته وملابساته التي تسللت إلى المصطلح العربي، ونستطيع أيضًا استيضاح مدى توافق ذلك المفهوم مع مفاهيمنا الإسلامية الأصيلة.
لقد اتضح من خلال العرض السابق أن المفهوم الغربي خرج من كلمتين تدل إحداهما في أصل معناها على الفلاحة (غرس، ثم إنماء، ثم حصد) ، وتدل الأخرى على النسبة إلى المدينة، بينما خرج المصطلح العربي (حضارة) من منطلق أن (الحضر) بخلاف البدو، وعليه: فإن الكلمة (حضارة) تدل على الاستقرار الذي تنشأ عنه المدينة التي هي أصل Civilization، ويمكن مناقشة ذلك فيما يلي:
أولًا: ارتباط مفهوم (الحضارة) بالمدن والنظرة الأوروبية للتطور أخرج مجتمعات بشرية مما يسمى بالمجتمعات البدائية من دائرة الحضارة، وهذا لا يستقيم إنسانيًا؛ فالحضارة ميزة إنسانية نظرًا لتفرد تكوين الإنسان العقلي والنفسي والعضوي، وهذا ما عناه ابن خلدون في مقدمته عندما أدخل البدو (بدون مدن) في مراحل العمران، وقريب من ذلك تقريرات علماء الإنثربولوجيا؛ فهم يقصدون بالحضارة: جماع حياة أي مجتمع بدائي أو متقدم؛ فلكل جماعة إنسانية من النشاط (الحضاري) ما تهيأ لها لتتكيف مع بيئتها وتحقق غايتها من التحسين والسعادة، وهكذا يكون لكل جماعة إنسانية حضارتها التي أبدعتها، وكما أنه ليست هناك جماعات كاملة التحضر كذلك لا توجد جماعات وحشية أو بدائية تمامًا.
فالبدو ـ مثلًا ـ ليسوا خلوًا من (الحضارة) ، وقد كان لهم في بلاد العرب ـ قبل الإسلام ـ أعرافهم وقيمهم الأخلاقية التي ترتكز في تقريرها وتنفيذها على إعمال فكر، وكان لهم شِعْر يحمل كثيرًا من الحكمة والتأمل والخبرة، كما كانت لهم خبرات عن النجوم والرياح والمطر بنيت على الملاحظة والاستقراء.
وقد أشار علماء الأجناس الجدد ـ حسب الموسوعة البريطانية ـ إلى أن شعوبًا بدون مدن مثل قبائل بولينيزيا والهنود الحمر في أمريكا الشمالية كانوا على درجة عالية من (الحضارة) ، بمعنى أنه عند التدقيق وجد أنه كانت لديهم لغات، وفنون أصيلة، بشكل يثير الإعجاب لظروفهم ومؤسساتهم المتطورة، وكان لديهم أيضًا ممارساتهم الاجتماعية والسياسية والدينية، وأساطيرهم الوثيقة التي هي ليست بأحسن ولا بأسوأ من كثير من تلك التي تسود اليوم بين دول أوروبا.
وقد قدمت (الحضارات الماضية) في أطوارها المتعددة إنجازات تعتبر الأساس الذي شيد عليه البناء الحضاري الأوروبي، كاكتشاف النار، وصهر المعادن، وتدجين الحيوانات، والكتابة، والعجلة، وابتكار الصفر... بل قدمت جماعات بشرية بدائية اختراعات كانت أنفع للإنسان من الصعود إلى القمر، وهل يقارن هذا الصعود ـ من جهة نفعه للبشرية ـ باختراع رغيف الخبز مثلًا؟!
ونخلص من كل ذلك إلى أن الحضارة نسبية، وأنها تراكمية، كما أنها أيضًا كلمة محايدة لا تحمل في ذاتها مدحًا ولا ذمًا.