فهرس الكتاب

الصفحة 1952 من 2255

ثانيًا: إن مفهوم (الغرس، ثم الإنماء، ثم الحصد) جعل كثيرًا من الباحثين ينظرون إلى (الحضارة) على أنها تسير في خط تصاعدي دومًا، حتى إن بعض المفكرين كهيجل وكانت وفيكو ـ على فروق بينهم ـ قسموا التاريخ إلى ثلاث مراحل: مرحلة الهمجية، ومرحلة البربرية، ومرحلة (الحضارة) ، وبناءًا على ذلك المفهوم تكرست النظرة إلى أحوال المجتمع الأوروبي المعاصر على أنها (الحضارة) ، بينما المجتمعات الأخرى الماضية أو المعاصرة مجتمعات همجية، أو ـ في أحسن الأحوال ـ في مرحلة متدنية من (الحضارة) ، ولذلك: ظهرت عبارات مثل: المجتمعات المتخلفة، المجتمعات النامية، اللحاق بركب الحضارة، تضييق الفجوة،.... وفي الوقت نفسه: أعطى هذا المفهوم تصورًا عن قيم المجتمع الأوروبي ـ الذي تسنم قمة (الهرم الحضاري) ـ ومعتقداته وأنماط سلوكه ووسائل حياته.. أنها الأرقى والأصلح، بينما عدت قيم المجتمعات الأخرى ومعتقداتها وأنماط سلوكها رجعية ومتخلفة، ومن ثم: ظهرت عبارات مثل: رسالة الرجل الأبيض، اتباع الحضارة الغربية بحلوها ومرها، الدور التحضيري لأوروبا.. وبالفعل فقد تعاظم الدور الأوروبي في المجتمعات الأخرى، وأخذ الأوربيون في (غرس) قيمهم وأفكارهم ونمط معيشتهم، والعمل على (إنمائها) وسط هذه المجتمعات، والتطلع والصبر لـ (حصد) ثمرتها، وهو ما نعده نحن غزوًا حضاريًا بينما يدعي بعضهم أنها مجرد عملية (تحضير) قسري.

ثالثًا: إن هذا المفهوم بخلفياته التاريخية الأوروبية ولّد نوعًا من فكر التبعية تجاه الغرب؛ فنسق التطور الأخير للمدينة الأوروبية أوجد مدنًا كبيرة بمثابة مراكز عالمية تمثل بؤرًا تتشابك حولها مدن مختلفة رغم تباعدها، غير أنها ترتبط بالمدينة (الأم) ، وتكون هذه المدن أخوات في المدينة الأم، وهذه هي النظرة الإغريقية نفسها تجاه المدينة الأم (أثينا) ، ولكن طبيعة العلاقات المعاصرة أوجدت أنماطًا من الارتباطات مختلفة عن تلك التي كانت على عهد الإغريق، ومن هنا تكرست النظرة إلى طبيعة العلاقة المفترضة بين دول العالم (النامي) ودول العالم (المتحضر) بأنها علاقة تبعية، ثم نشأت المحاور والأحلاف والعلاقات الخاصة مع المراكز (الحضارية) الأوروبية.

ومن جهة أخرى: فإن انبهار العالم (النامي) بحضارة أوروبا ونظرة كثير من مثقفيه المهزومين نفسيًا إلى كون الحضارة: نقلًا وغرسًا وإحلالًا، أوجد بيئة خصبة للدعوة إلى استبعاد الثقافة والمعارف ـ بل والقيم ـ المحلية وتنحيتها؛ بوصفها رجعية متخلفة، لتفسح المجال لـ (الثقافة الجديدة) و (ثقافة اليوم) و (ثقافة المستقبل) ، ومن ثم: للحضارة الجديدة.

رابعًا: إن المفهوم الأوروبي مستمد من القيم والأخلاق والأنماط التي أوجدتها المدينة الأوروبية بعد تطورها الأخير، ولذلك فإن هذا المفهوم ينسب إلى (المدينة) ؛ فالمدينة في الغرب مصدر للقيم والسلوك، القيم والسلوك اللذين ظهرا في القرن السابع عشر والثامن عشر الميلاديين؛ حيث تطورت المدينة الأوروبية وانتشر فيها نمط حياة الترف وما صاحبه من أفكار وعلاقات اجتماعية وسياسية مستحدثة، وهذا بخلاف التصور الإسلامي، بل والتاريخ الإسلامي اللذين يختلفان عن التصور والتاريخ الأوربيين؛ فالمدينة إسلاميًّا هي التي خرجت من رحم القيم والسلوكيات الإسلامية وليس العكس؛ فهي مدينة؛ لأنها ذات شرعة (دين) وسلطان (دان) ؛ فهي إحدى صور تشكلُّ حياة المسلمين، وهكذا كانت حضارة الإسلام وليدة هذا الدين، ولذلك صاحب تغيير الرسول صلى الله عليه وسلم لاسم (يثرب) إلى (المدينة) إعادة تشكيل المجتمع الجديد وفق القيم الإسلامية، وربما لذلك أيضًا كان من علامات النفاق إطلاق اسم (يثرب) على (المدينة) ؛ حيث يحمل إطلاق هذا الاسم القديم رغبة في العودة إلى العقائد والقيم والنظم القديمة التي محاها تأسيس (المدينة) النبوية.

ومن هنا: رأينا اختلاف المجتمع الأوروبي (المتحضر) عن المجتمع الإسلامي في شتى المجالات حتى المادية منها؛ حيث تسيطر أدوات الحضارة (الأشياء) على الأول، يدور حولها ويعمل من أجلها؛ لأنها غايته، بينما يوظف المجتمع الإسلامي هتذه الأدوات لخدمة عقيدته ومبادئه ومنهجه.

خامسًا: صاحَبَ نشوء المفهوم الأوروبي ـ أو سبقه ـ انفكاك المدينة الأوروبية من هيمنة الكنيسة ـ حيث كانت الكنيسة مركز المدينة الأوروبية والمسيطرة عليها ـ أو بالأحرى: انفكاك المجتمع الأوروبي من الدين، وعلى ذلك قامت حضارة أوروبا المعاصرة، ونتج عن ذلك أمران مهمان:

أما الأمر الأول: فهو بروز مفهوم (الحضارة) أو (المدنية) على أنه عكس مفهوم (الدينية) ، ومن هذا التصور ظهرت عبارات: الدولة المدنية، والقانون المدني، والثقافة المدنية، في مقابل: الدولة الدينية، والقانون الديني، والثقافة الدينية، وهكذا انتقلت (اللادينية) إلى مجتمعاتنا عبر (المدنية) رغم التباين الكبير بين دين النصرانية ودين الإسلام.

والأمر الثاني: نشوء القومية الحديثة على أطلال الانتماء الديني أو المذهبي، ومن ثم ربطت الحضارة بالأرض أو القومية؛ ولهذا السبب لا نجدهم يطلقون اسم (الحضارة المسيحية) على حضارتهم رغم اشتراكهم في الانتساب إلى (المسيحية) ، إضافة إلى سبب آخر هو أن انكماش المساحة التي يتحرك فيها دينهم ـ وأي دين خلاف الإسلام ـ جعلهم لا يتركون للدين إلا ركنًا ضيقًا، هو كونه أحد مكونات الشق المعنوي في (الحضارة) أو (المدنية) ، وهذا بخلاف الإسلام الذي تتأبى طبيعته على الانكماش أو الانزواء؛ فهو أوسع من أن تحتويه دائرة في (الحضارة) أو حتى كل الحضارة؛ لأنه يشمل الحياة كلها، ولذا خرجت منه الحضارة وانتسبت إليه وليس العكس؛ وهذه خصيصة إسلامية فريدة.

تمحيص المصطلح العربي:

ارتكز من روج لمصطلح الحضارة على أن الحضر لغة بخلاف البدو، مما يعطي دلالة على الاستقرار الذي هو شرط للحضارة ، وأيضا: على الاستعمال العربي لـ (حاضرة) بمعنى مدينة أو قرية.

ورغم أن المعاجم العربية تورد (الحضر) على أنها خلاف البدو، وأن الحضارة الإقامة في الحضر، إلا أن الاقتصار على هذا المعنى لاتخاذه مصطلحا غير مسلم به؛فقد أورد ابن الأنباري في كتابه (الأضداد) ـ وكذا أورده قطرب في الأضداد أيضا ـ أن الحضارة من الأضداد؛ حيث قال:"ومن الأضداد قولهم: فلان من أهل الحضارة، إذا كان من أهل الحضر، ومن أهل الحضارة، إذا كان من أهل البادية (1) ."

وإذا ضربنا صفحا عن دلالة ما ذكره ابن الأنباري فإننا بالتأكيد لا نستطيع الزعم بأن أهل العربية قصدوا من لفظ الحضارة المفاهيم نفسها التي يقول بها علماء الإنثروبولوجيا المعاصرون؛ لأن اللفظ العربي لا يحتمل تلك المفاهيم لغة، كما أن الحضارة ـ إذا اعتبرناها من حاضرة بمعنى مدينة ـ لا تدل لغة على الشق المعنوي والقيمي الذي ارتبط بالمفاهيم الحديثة لـ (الحضارة) ، إلا إذا أضفنا إليها مفاهيم Civilization الغربية، وهذا لا يستقيم لغة ولا تاريخا ـ كما بينا ـ .

وقد حاول الأستاذ نصر محمد عارف (2) توسيع مفهوم الحضارة عربيا ليتسع لمعان إسلامية كثيرة، عن طريق ربطه بمعنى الشهادة، وحاول ذلك أيضا من خلال التفريق بين الحضور والوجود؛ حيث أعطى للحضور معنى طرح نموذج إنساني للاقتداء به ، أو للتبشير به بغض النظر عن مضمون هذا النموذج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت