فهرس الكتاب

الصفحة 1953 من 2255

ولا شك أن هناك رابطا بين الحضور والشهود، ولكن هذا الرابط لا يصل إلى حد أن تكون الكلمتان مترادفتين ، بنحيث نذهب لنستنطق المعاني المستنبطة من شهد ثم نسقطها تلقائيا على حضر ـ كما فعل الاستاذ نصر ـ ، فأصل معنى شهد لغة: علم وبين، وهذا المعنى لا يشترط دوما في الحضور ، وهذا على ما بينا ، والحضور لا يقتضي العلم ، ألا ترى أنه يقال: حضره الموت، ولا يقال شهده الموت؛ إذ لا يصح وصف الموت بالعلم (3) وهذا يعني أن الشهادة أعم من الحضور ، فكل من شهد حضر ، وليس بلازم أن يكون كل من حضر شهد.

فنحن إذن بإزاء ثلاث كلمات: الوجود: وهو ضد العدم ، وهو ممكن مع الغيبة، والحضور: وهو ضد الغيبة ، لذا فهو غير ممكن مع الغيبة، ولا يستلزم العلم والبيان. والشهود: وهو أعلى من الحضور؛ إذ يقتضي حصول العلم والبيان، وقد يعني هنا:المراقبة وأداء الرسالة.. وهذا التفريق بين الكلمات الثلاث يجعلنا نخرج أصحاب حضور مثل التتار ـ الذين كان لهم نظم ودساتير وتأثير في حركة التاريخ ـ من الشهود ؛ حيث كان لهم حضور ولكن لم يكن لهم شهود.

فإذا كان مصطلح الحضارة لا يكفي للدلالة على المفهوم المراد ـ رغم التحفظات الموردة عليه ـ فما هو اللفظ الذي يمكن أن يطرح بديلا له؟

قبل أن نبحث في المصطلح البديل علينا أولا أن نحدد المفهوم، وإذا كان مقال كهذا لا يحتمل البحث في تعريف جامع مانع للمفهوم ، فسوف أحاول تقديم ملامحه من خلال التعرف على العناصر والخصائص والشروط ودوائر النشاط المشكلة له.

فالمفهوم يبحث في نشاط الإنسان وإنجازاته في فترة زمنية ، بما يحقق ذاته وسعادته ويكيفه مع بيئته ويميزه عن غيره، باعتباره مخلوقا اجتماعيا مختلفا عن الحيوان.. ومن هنا نستطيع القول: إن عناصر المفهوم هي: الإنسان ، والبيئة'، والزمن..

والإنسان: عقل، وجسد، وروح، يتميز عن الحيوان ـ عندما يكون إنسانا ـ بأن عقله: يستطيع التأمل والنظر، والتحليل والتركيب، والربط بين المتشابهات والتفريق بين المتنافرات، واختزان التجارب والمعارف ثم تذكرها والاستفادة منها .. وبأن جسده: يحتوي ـ إضافة إلى غرائزه ـ على مخ كبير الحجم، له جهاز عصبي معقد التركيب، قامته منتصبة مما حرر يديه، يداه تمكمنانه من القبض على الأشياء بقوة،لسانه وحباله الصوتية مكنته من إخراج أصوات مختلفة، عيناه في وجهه مما يمنانه من الرؤية في مجال بصري واسع، طفولته الجسدية والعقلية والنفسية طويلة.. وبأن روحه: تبحث عن الطمأنينة والسكن والتجانس والجمال مع جنسه ومع بيئته،تسمو بالغرائز، وتبحث دائما عن معبود تألهه.

وأما البيئة فمقصود بها: العناصر والإمكانات المادية المتاحة لاستغلال الإنسان، والعوامل الجغرافية (تضاريس، وموقع ومناخ) التي يعيش فيها ويتأثر بها ويحاول السيطرة عليها.

وأما الزمن: فهو امتداد الوقت الذي ينشط فيه الإنسان: الماضي الذي يستمد منه خبرته، والحاضر الذي يعايشه ويستغله ، والمستقبل الذي يستشرفه ويخطط له.

ولكن هذه العناصر الثلاثة: (الإنسان، والبيئة ، والزمن) لا تعمل وحدها؛ إذ لا بد أن يكون هناك غاية (هدف) يسعى إليه ، وتعاون اجتماعي يعمل على تحقيق هذا الهدف وتلك الغاية ، ولإخراج هذا الهدف إلى الواقع لا بد من الاستقرار والاستمرار إضافة إلى التعاون، ولقيام هذا التعاون لا بد من وجود نوع من أدوات الاتصال ( اللغة والكتابة مثلا) ولا بد من وجود نوع من العلاقات الاجتماعية، ونوع من الحكم المنظم والسلطة المؤثرة وقوانين (أو أعراف) منظمة.

ومن هنا: نجد أن الإنسان في سعيه لتحقيقف هدف راحته وسعادته ( الجسدية والعقلية والنفسية والروحية) يعمل في دوائر نشاط متعددة ومتداخلة ، نتجت من طبيعة الإنسان وتفاعله ـ جماعيا ـ مع بيئته خلال الزمن ، هذه الدوائر هي: دائرة النشاط المعنوي والمعرفي ، وتشمل: الجوانب العقدية والروحية والفكرية، ودائرة النشاط المادي، وتشمل: الجوانب الاقتصادية والتقنية والمعمارية.. ، ودائرة النشاط الإداري ، وتشمل: النظم والمؤسسات السياسية والإدارية.

فما هي الكلمة التي تصلح أن تدل على هذه المفاهيم؟

في رأيي ـ وبدون تعصب فكري أو سلفية شكلية ـ أن أقرب كلمة تدل على هذه المفاهيم هي الكلمة التي اختارها العلامة ابن خلدون (العمران) ، فهي أقرب الكلمات في اللغة العربية ، وأقربها إلى الاستعمال القرآني، بل لا تدانيها ـ حسب علمي ـ لفظة أخرى في اللغات الأجنبية للدلالة على هذه المفاهيم..

فأصل مادتها واشتقاقاتها تتضمن الجانبين: المادي ، والمعنوي، وتتضمن أيضا: البقاء (الاستمرار) ، والامتداد الزمني، والاجتماع، والكثرة (أو الانتشار) ، والعلو (السمو والتقدم) .. وإليك بيان ذلك:

يقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:"العين والميم والراء، أصلان صحيحان، أحدهما يدل على: بقاء (4) ، وامتداد زمان (5) ، والآخر على: شيء يعلو (6) ... ومن الباب: عمارة الأرض (7) ، يقال: عمر الناس الأرض عمارة..."، ويقول الأزهري في تهذيب اللغة (وانظر أيضا لسان العرب لابن منظور) :"... عن ابن الأعرابي أنه قال: عمرت ربي أي عبدته (8) ، وفلان عامر لربه، أي: عابد، قال: ويقال: تركت فلانا يعمر ربه، أي يعبده، وقال الله ـ عز وجل ـ (( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) ) [ هود:61] أي: أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها (9) ... ورجل عمار، وهو الرجل القوي الإيمان الثابت (10) في أمره.. قال: والعمار: الزين (11) في المجالس، مأخوذ من العمر، وهو القرط، والعمار: الطيب الثناء والطيب من الروائح.. (12) "، ويقول أيضا:"وعمار: المجتمع الأمر اللازم للجماعة (13) الحدب على السلطان (14) ، مأخوذة من العمارة، وهي القبيلة المجتمعة على رأي واحد (15) ، قال: وعمار: الرجل الحليم الوقور في كلامه وفعاله... (16) ، وعمار مأخوذ من العمر ، وهو البقاء (17) فيكون باقيا في إيمانه وطاعته وقائما بالأمر والنهي إلى أن يموت، وقال: وعمار: الرجل يجمع (18) أهل بيته وأصحابه على أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام بسنته..".

وعلى هذا تكون (العمران) التي هي مصدر عمر يعمر كلمة محايدة أيضا لا تفيد مدحا، ولا ذما، فقد يكون عمران قوم فاسدا أو باطلا، وقد يكون صالحا أو حقا، وقد يكون فيه جانب من هذا أو جانب من ذاك.. تماما مثل كلمة دين التي قد تعني دين الحق أو تعني دينا باطلا..

وبمثل الاستعمال اللغوي جاء الاستعمال القرآني: يقول الله تعالى: (( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها [الروم:9] ، وقد بين لنا القرآن في مواضع أخرى بعض أنماط هذا العمران الأقوام؛ فقوم عاد قال لهم نبيهم هود ـ عليه السلام ـ (( أتبنون بكل ريع تعبثون . وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون . وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) ) [الشعراء:128ـ130] ، وقوم ثمود الذين قال لهم نبيهم صالح ـ عليه السلام ـ في معرض التذكير بمنة الله عليهم: (( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروا ثم توبوا إليه ... ) ) [هود:61] قال لهم في موضع آخر ـ في معرض المنة أيضا ـ: (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا... ) ) [الأعراف:74] ، وقال أيضا: (( أتتركون ما هاهنا آمنين . في جنات وعيون . وزروع ونخل طلعها هضيم . وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ) ) [الشعراء:146ـ149] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت