-7- وخوفًا من قُطّاع الطرق علي سلامة المغادرين, أرسل صلاح الدين معهم قوة من جيش المسلمين تحميهم إلي أن يصلوا إلي مدينة صور. وللأسف خانوا وغدروا, وانضموا إلي قوات الصليبيين بها, وقاتلوا معهم جيش صلاح الذي حاصر المدينة بعد ذلك وعجز عن إسقاطها.
-8- أما النصاري من أهل القدس فسمح لهم صلاح الدين بالبقاء في المدينة, ودفع الجزية.
التطهير00والتعمير
وبعد هذا الخروج الكبير باشر صلاح الدين بنفسه إعادة المدينة المقدسة إلي طهرها, ونقائها, وعمارها, فأمر - كما يقول ابن الأثير - «بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار والأنجاس» وأزال المساكن والمخازن والمداحات التي بناها الفرنجة غربي الأقصي, وعلي مساحات من حرمه. ولما كان الجمعة الأخرى (4 من شعبان 583) صلي فيه المسلمون الجمعة, ومعهم صلاح الدين, وصلي في قبة الصخرة.. ثم رتب فيه خطيبًا وإمامًا برسم الصلوات الخمس, وأمر بإحضار المنبر الذي كان نور الدين محمود قد أمر بصنعه من عشرين عامًا للمسجد, ومات دون أن يتحقق أمله في نقله إليه. وأمر ببذل أقصي الجهود في ترصيف المسجد, وتحسينه, وتجميله وعمارته, واستخدم في ذلك الرخام الفاخر, وأظهر الصخرة (وكان الفرنجة قد غطوها بالرخام) , وأزال من فوقها الصليب الذهبي الضخم, ووضع هلالا هائلا مكانه. وأقام ببيت المقدس إلي الخامس والعشرين من شعبان , يرتب أمور البلد وأحواله, وأمر ببناء الرّبط والمدارس قبل أن يغادر البلدة المقدسة لمواصلة الجهاد, وتحرير بقية المدن والقري التي احتلها الصليبيون من عشرات السنين.إنها كلمة التاريخ00
هذه كانت كلمة التاريخ وبيانه البليغ الواقعي الحاسم لأنه لا يشوبه التزوير والتزييف. وليرجع القارئ إلي صورة القدس تحت وطأة العدوان الصليبي, وصورة القدس بعد أن استعادها المسلمون ليتبين الفوارق الهائلة بين حضارة قامت علي التخريب والتدمير, وحضارة عاشت للتعمير والتنوير
المسلمون والصراع الحضاري
عمر عبيد حسنة 11/9/1423
التدافع والصراع الحضاري ، سنة من سنن الحياة الاجتماعية ، وأمر لازم لنمو الحياة وامتدادها، وتدفقها ، واستمرار التاريخ ، وابتلاءات لا بد منها ليتميز الحق من الباطل وتختبر وجهة الإنسان وصبره وكسبه ، واختياره ،قال تعالى:"كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
وقال:"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجُد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصُرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"
فالتدافع دليل الحياة ، والسبيل إلى ظهور الحق وانتصاره ، وتميزه ، وإلا لتساوى الحق والباطل، والتبست الأمور ولما تفاضل الناس ، ولكان مجرد الادعاء يكفي صاحبه دون تحمل أية تبعات . قال تعالى:"آلم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين".
فإذا كان التدافع الحضاري وتداول الأيام بين الناس ، من سنن الحياة ليتم الابتلاء ، وتظهر الحقائق ، ويختبر الناس ، وسبيلًا إلى تفاضلهم في الكسب ، ومن ثم في الأجر والثواب ، فإن اختيار العقيدة والالتزام بها ، والتحمل والتضحية في سبيلها ، يعدّ من أعلى أنواع التفاضل والاختبار ،وأبرز ساحات التدافع والصراع الحضاري ، لذلك نرى - في كثير من الأحيان - أن مجرد الاختيار يكون سبيلًا لنقمة الآخرين ، وسببًا أساسيًا في اشتعال الصراع وإلحاق الأذى ، قال تعالى:"وما نقموا منهم إلا أنه يؤمنوا بالله العزيز الحميد". فالإيمان بالله والانعتاق من العبوديات ، الذي هو أعلى درجات الخيار وأرقاها ، هو وحده سبب نقمة الآخرين .
والذي تغيب عنه هذه الحقيقة ، أو بتعبير أدق: هذه السنة الاجتماعية سوف يقف عاجزًا عن فهم أو تفسير الكثير من القضايا والمآسي التي تحيط بالمسلمين اليوم ، وتحاصرهم من كل جانب ، سواء في ذلك العالم الإسلامي أو الأقليات المسلمة في العالم ، ذلك أن الكثير من العداوات والكيود والمؤامرات التي تمارس على المسلمين ليس لها سبب مباشر إلا أنهم مؤمنون ومغايرون في عقيدتهم .
إننا لا نستطيع أن ندرك الكثير من جوانب الصراع الحضاري الذي وصل إلى مرحلة المواجهة المباشرة اليوم ، بين عالم المسلمين بحضارته وثقافته وتاريخه ، وبين حضارة الغرب المغايرة، تلك الحضارة الغازية الغالبة المستعمرة ، التي تحاول التمكين لقيمها ومعاييرها وثقافتها كبديل في العالم الإسلامي دون أن ندرك سنن التدافع الحضاري ، ونحسن التعامل معها والإفادة منها.
والذي نريد أن نقرره هنا: أن هذه السُنة أو هذا التداول الحضاري ، قد يستغرق جيلًا أو أجيالًا حتى يستكمل دورته ، ويبلغ مداه ، ويؤدي دوره كمنبه حضاري في معاودة اليقظة والنهوض لكن ذلك لا قيمة له في عمر الزمن المديد الخالد ، إذا استطاعت الأمة إدراك أبعاده، والخلوص من الغفلة واسترداد المعاني المفقودة .
وقد يكون من المفيد الإشارة السريعة إلى أدوات ووسائل الصراع التي يمارسها الغرب في العالم الإسلامي ليمكن لثقافته وغلبته الحضارية .
ولعل من أبرز الوسائل وأشدها تأثيرًا:
-إقامة ودعم الأنظمة السياسية التي تمكن للقيم الغربية دون النظر في ممارساتها وأعمالها التي تتناقض - أصلًا - مع الطروحات الغربية في الحرية ، والديمقراطية ، والمساواة، والتعددية وتداول السلطة ، بل قد يتجاوز أمر الدعم الحدود المعقولة والمقبولة ، فيتم الاتفاق مع زعامات هذه الأنظمة على شتيمة الحضارة الغربية ، وانتقاد ممارساتها حتى لا يحمل فسادها الاجتماعي واستبدادها السياسي أمام الشعوب على الغرب الداعم لها، فتسقط في عيونها قيم الحضارة الغربية .
-تخريج جيل مؤمن بالقيم الغربية ومرتهن لها ومدافع عنها ، والتمكين له في مواقع التأثير المختلفة لتشكل مرتكزات لا بد منها للإغراء بالقيم والمجتمعات الغربية من خلال استغلال المعاناة وسقوط إنسانية الإنسان التي يعيشها في بعض مناطق العالم الإسلامي.
-إشاعة صور القمع والإرهاب والاضطراب والاستبداد السياسي في العالم الإسلامي ، ومقابلته بصور الحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية التي تتمتع بها المجتمعات في الحضارة الغربية حتى لا يكون هناك أي مجال للمقارنة والخيار .
هذا المناخ الاستبدادي - إن صح التعبير - إلى جانب أنه يغري بالإيمان بالحضارة الغربية وقيمها، يكون سببًا في هروب العقول والسواعد ، وكل الطاقات الفاعلة إلى العيش في الغرب وبذلك يكون الغرب هُوَ اليدُ نفسُها التي تعمل على طرد الطاقات والعقول في العالم الإسلامي بسبب دعمه لأنظمة القمع والاستبداد ، وهي هي التي تعمل على جذب هذه الطاقات وامتصاص قدراتها في مجتمعاتها لتحيق الغلبة والتفوق العلمي .