ولعل من أدوات الصراع أيضًا - وهذا من الفتن الكبيرة - إتاحة هوامش من الحرية محسوبة تمامًا ، ومنح الفرصة للتعبير والتفكير والنشاط الإسلامي في المجتمع الغربي ، والسماح بإقامة التجمعات والندوات وعقد المؤتمرات حيث يطرح في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام ، وحتى في الساحات والشوارع ، من النقد للغرب والدعوة إلى الإسلام وبيان أحكامه ونشر تصوراته ، ما لا يمكن طرحه أحيانًا في بعض مساجد العالم الإسلامي ، والتي تخضع للمنظومة الحضارية الغربية ،وذلك جزء مهم من عملية الصراع ، ومزيد من الفتنة للإنسان المسلم اليوم حيث يرى أنه يتمتع في الغرب بالحرية الإسلامية المفقودة في الكثير من بلاد العالم الإسلامي ، خاصة عندما يعجز عن الإدراك أن الذي يمنح الحرية هنا ، هو نفسه الذي يمنح الحرية هناك ، حتى يتحقق الإيمان بالقيم الغربية والانحياز لها ، واعتبارها المخلص ، دون أن يدري أن ذلك من أخطر أسلحة وأدوات الصراع الفكري والحضاري ، وأن هوامش الحرية المحسوبة والمحكومة في الغرب للإسلام والمسلمين ، هي إحدى الوسائل الفاعلة لاقتلاع البقية الباقية من الانتماء للحضارة الإسلامية ، ذلك أن أمر هذا الصراع عجيب ، ومعادلته في غاية الصعوبة، وخاصة على الذين لا يستطيعون تجاوز الصورة إلى إدراك الحقيقة ، حيث نرى المطاردين في العالم الإسلامي ، حتى من قِبَل الأنظمة المدعومة من الغرب الذي قد لا يكون الغرب بعيدًا عن النصح والإيحاء بمطاردتهم ومحاصرتهم والتخويف منهم ، يستقبلهم الغرب كلاجئين سياسيين ، أصحاب قضايا وتوجهات فكرية ، لا تجد حماية لها إلا في الغرب، ولو فكر واحد منهم في التوجه إلى بعض بلاد العالم الإسلامي لأصبح البلد الذي يؤويه محلًا للهجوم عليه ، لأنه يؤوي الخارجين على الأنظمة ، ولا مانع أن يوصفوا بالإرهابيين في الشرق ، والأحرار أصحاب الرأي المحرم في الغرب ، حتى ولو كانوا من الذين يحاربون الإرهاب ، أما إذا كان اللجوء إلى الغرب ، فيكون السكون فظيعًا ، لأن القيم الغربية هي أم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية .
ولعل من أخطر أدوات ووسائل الصراع: محاولة الغرب استنبات بعض الكتّاب والمفكرين الذين يسمون بالإسلاميين ، على التربة الإسلامية ليقوموا بدورهم في توهين القيم الإسلامية ، وهزّ الثوابت ، وممارسة عمليات النقد الذي يتحول لهدم الذات بدل بنائها ، ويلقون عليهم الأضواء ويفسحون المجال لآرائهم ومقالاتهم ، وكتاباتهم ولقاءاتهم ، والترويج لآرائهم ؛ لأن المواجهة من الخارج الإسلامي ، سوف تكون سببًا في وحدة الأمة وتماسكها وتجميع طاقاتها واستفزازها لمواجهة التحدي ، لكن المشكلة كل المشكلة في من نصبوا أنفسهم مفكرين ومنظرين للشأن الإسلامي وهم مسكونون بالحضارة الغربية ، حتى ولو كانوا يسكنون بلاد العالم الإسلامي .
والحقيقة التي لا بد من تسجيلها هنا: أن القيم الغربية قد سقطت في عالم المسلمين ، سقطت الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان ، وأول من تنكر لها الغرب ؛ لأنها إنما طرحت أصلًا في بلاد العالم الإسلامي لتحقيق العمالة للحضارة الغربية ، وبمجرد أن كادت تتيح الفرص للحضور الإسلامي ، كان الغرب من أول المضحين بها ، سقطت الديمقراطية في معظم بلاد العالم الإسلامي ، وسقطت الحرية وسقطت المساواة وألغيت حقوق الإنسان في فلسطين ، وألغي الإنسان في البلقان ، والشيشان ، وأفغانستان لمجرد أن خياره الإسلام ، وتواطأ العالم الغربي كله على إلغاء خيار الإنسان في الغرب وحاول التدليس وتسمية الحروب هناك بغير اسمها لا لشيء إلا لأنهم لا يريدون السماح للأنموذج الإسلامي أن يبرز للعالم .
فهل يدرك المسلمون طبيعة الصراع ، ولا ينخدعون بالشعارات والفلسفات الغربية التي سقطت على كل المستويات ، ويحولون دون مؤامرات الغرب ، ومن ورائه اليهود في اختراق الصف الإسلامي ودفع المسلمين إلى ممارسات غير مشروعة ، حتى يتم تشويه البديل الإسلامي المطروح ، والمأمول ، بعد السقوط الحضاري الغربي لتعود دورة العمالة الثقافية من جديد .
المشروع الحضاري الإسلامي
الأستاذ/ أنور الجندي
لم يعد هناك مفر من أن يتقدم كتاب ومفكرو الأمة الإسلامية بتصوراتهم للمشروع الحضاري الإسلامي الذي أصبح ضرورة ملحة بعد أن مر المسلمون والعرب خلال السنوات الأخيرة بهذه التحديات الخطيرة التي واجهتهم والأخطار التي حاصرتهم مما يتطلب وضع تصور أصيل مستمد من مفهوم الإسلام الجامع ليكون نبراسًا للخطوات المتصلة على طريق الأصالة والعودة إلى المنابع وإقامة معاصرة في دائرة الأصالة يكون فيها (البناء على الأساس) وليكون هذا المشروع الحضاري الإسلامي بديلًا للمشروع الحضاري الوافد الذي حاول السيطرة على مقدرات المسلمين والعرب خلال قرن ونصف قرن من الزمان بعد أن ثبت عجزه عن العطاء وفشله في تحقيق الأمن النفسي والمجتمع الرباني .
ولقد أقام الإسلام منهجه الأصيل على أساس وحدة الفكر الجامع التي توسع دائرة الالتقاء والتعارف وتضيق دائرة الخلافات حتى تصل الإنسانية إلى عصر التراحم والوفاء من خلال المنهج الرباني الذي رسمه الحق تبارك وتعالى بديلًا للمنهج البشري القائم على الصراع والقتال وإثارة الأحقاد والخصومات والمطامع على النحو الذي نراه اليوم .
والذي يتطلع دعاته إلى شق القوى المجتمعة وتدمير الروابط والتي تستهدف أساسا تحويل الكيان الإسلامي الكبير إلى كيانات وكانتونات متصارعة وذلك بإيقاظ الخلافات المذهبية والتفرقة العرقية .
والواقع أنه لا سبيل لأي مشروع حضاري علماني أو قومي أو بشري أن يمكن لقيام الأمة القادرة على حمل رسالة الحق تبارك وتعالى للعالمين ، إلا إذا استمد مفاهيمه من الأصل الأصيل الخالد: النص الموثق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي جمع مختلف القيم الربانية العليا التي وهبها للبشرية (القرآن الكريم) والسنة الشريفة .
ومن هنا فلا بد أن يكون المنطلق الحقيقي من القرآن والسنة على النحو الذي بدأت به النهضة الأولى إيمانًا بأن القرآن كتاب البشرية الخالد الصالح لكل زمان ومكان والذي هو الينبوع الذي تنطلق منه المناهج والخبرات التي تمكن المسلمين خاصة (والبشرية عامة) من جني الثمار من خلال مخاطبة العقل والقلب والوجدان .
ومن هذا المنطلق يمكن تأصيل كل المنظمات القائمة وردها إلى منابعها: منظمة الانتماء ، ومنظمة المجتمع ، ومنظمة التعامل الخارجي مع الغير وتكامل المجتمع الداخلي وتصحيح مسار الاقتصاد ورفض النظام الربوي ووضع المرأة في مكانها الطبيعي عمادًا للأسرة والمجتمع وبناء التعليم على أسس التربية الإسلامية وتوجيه أدوات الترفية والتسلية نحو الوجهة السليمة التي تحقق هدف الترويح دون الدخول في دائرة الانحراف والتبذل وحماية الوجود الاجتماعي كله من الانحراف الأخلاقي ومن الفساد والفحشاء والإثم كله .
ولما كان الإسلام يمتلك قوة رائعة لا يمتلكها إلى منهج بشري أو أيدلوجية أخرى ؛ تلك هي الوسطية: وسطية التوازن والتكامل والمواءمة بين القيم بحيث لا يوجد من خلال ذلك أي صراع طبقي أو حصون بين الأجيال أو تضارب بين الآباء والأبناء .