فهرس الكتاب

الصفحة 2096 من 2255

وحين رأى العالم رأى العين أكثر من مائة ألف من غير المحاربين من الرجال والنساء ، والأطفال يقضى عليهم بضربة واحدة ، أدرك مدى الخطر الذي يهدد البشرية ،

وبدأ التسابق في إنتاج أسلحة الدمار الشامل وكان أعظم ما شغل أذهان المفكرين في النصف الثاني من القرن المنصرم التفكير في هذا الخطر الجديد المحدق بالبشرية .

لقد ساهمت الثنائية القطبية للعالم في القرن المنصرم عن طريق توازن الرعب بين القطبين العملاقين إلى تفادي الحرب المنذرة بالفناء للجنس البشري .

ولكن انتشار أسلحة الدمار الشامل وتعارض المصالح وعدم تكافؤ القوى ،والأخذ في الاعتبار إنه بجانب قوة التسارع في التطور التكنولوجي توجد قوى أخرى فالأعداد أحيانا يكون لها معنى كل هذه الحقائق أظهرت أن الخطر المروع المحدق يتعاظم ، ومن هنا تظهر أهمية البحث عن منهج للعلاقات الدولية يختلف عن المنهج السائد والفاعل في الحياة المعاصرة . وهذا هو ما دعا إلى كتابة هذا المقال الذي يقارن بين المنهج المعاصر للعلاقات بين الدول وبين المنهج الذي وضعه الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا .

الفصل الأول

العلاقات الدولية في الحضارة المعاصرة

إن الحضارة المعاصرة مرادف لفظي صحيح للحضارة الغربية ، ذلك أن سلطان هذه الحضارة وشيوع قيمها ، مضافًا إلى جاذبية سمعة التقدم التكنولوجي والمادي لديها جعل تأثيرها يصل إلى أعماق النفس البشرية ، بل ويطرد أو يزاحم جزئيًا أو كليًا لقيم الثقافة للحضارات الأخرى ليحل محلها .

هناك خاصيتان أساسيتان تطبعان منهج العلاقات الدولية في الحضارة الغربية ( أو إذا شئت الحضارة المعاصرة ) :

أولاهما: هشاشة القوة الإلزامية لقواعد القانون الدولي المفروض أن تحكم العلاقات الدولية .

ثانيهما: هشاشة الأساس الأخلاقي الذي يرتكز عليه المنهج .

فمن الناحية الأولى: لعل أوضح ما يعبر عن هذه الفكرة ما قرره جوزيف فرانكل في كتابه العلاقات الدولية حيث يقول"كما أن أهم القواعد التي تحكم سلوك الأفراد تتجسَّد في القانون الوطني .. فكذلك نجد بعض القواعد التي تحكم سلوك الدول مجسدة في القانون الدولي . ومع هذا فالتشابه في الاسم لا يعني تماثلًا في طبيعة القانونين . إن القانون الدولي يعمل في محتوى اجتماعي مختلف تمامًا ، كما أنه لا ينهض في اتفاق اجتماعي شأن القانون الداخلي ودون سلطة مركزية تضمن تطبيق الجزاء على مخالفة قواعده ، والدول تختلف عن الأفراد من حيث إنها لا تعتبر من رعايا القانون . ذلك لأن القانون الدولي ليس قانونًا فوق الدول ، وإنما هو قانون بين الدول . وهذا الوضع لا يتفق وطبيعة النظام القانوني إلى درجة أن بعض رجال القانون ينكرون الطبيعة القانونية للقانون الدولي كليةً مدعين أنه يفتقر إلى الخاصية الأساسية ، وهي الجزاءات الفعالة ، لا يمكن منطقيا أن تتعايش دول ذات سيادة مع نظام قانوني دولي له طبيعة الأنظمة الداخلية . إما أن تكون الدول ذات سيادة فلا تتعرف بقوة أعلى ، وفي هذه الحالة لا يمكن أن تكون هناك قواعد قانونية ملزمة لها ، وإما - إن وجدت مثل هذه القواعد - أن لا تكون الدولة ذات سيادة بالمعنى الصحيح . وهذا التناقض تحله نظرية القبول التي تذهب إلى أن الطبيعة الملزمة للقواعد مبنية على قبول الدولة لهذه القواعد ... ونظرًا لأن القانون الدولي قائم على هذا الحل الوسط القلق فليس من الغريب أن نجد اختلافًا كبيرًا حول تقييم أهميته ، فبينما يعتبره البعض مجرد قانون صوري يرى البعض الآخر أن رجال القانون بإمكانهم لو أتاح لهم رجال السياسة المجال أن يضعوا مجموعة من القواعد القانونية تكفل السلام على الأرض ( ص 171- 172) ."

ومن الناحية الثانية: فإن الحضارة المعاصرة ( الحضارة الغربية ) بالنسبة للقيم الخلقية بوجه عام تعاني من:

-انحسار الإيمان بالله الذي يمكن أن يكون أساسًا للالتزام الخلقي ، وكما يعبر د. هوفمان:"عوض الغرب خسارته في الإيمان بالله بإيمان لا حدَّ له بالتقدم الذي جعل العالم يبدو أكثر استناره وعقلانية .... رغم كوارث المائة عام الماضية بطريقة لا تصدَّق أن الإيمان الأبله للغرب بالإله الجديد"التقدم"ما زال سائدًا . يمكن للمفكرين الغربيين أن يستنتجوا - وقليل منهم فعلوا - أن الأحداث الرهيبة للقرن"العشرين"نفت إمكانية أن تعتمد الأخلاق على التقدم . تسليم الإنسان للأوامر الأخلاقية الإلهية - ولا شيء غير ذلك - يمكن أن يضبط الأعمال الأخلاقية للأفراد والجماعات" ( ص 26- 29) .

-سيادة فكرة النسبية في القيم الخلقية ، وليست النسبية محكومة دائمًا بالعقل والمنطق ولكنها - في الغالب إن لم يكن دائمًا - محكومة بالهوى والوهم وإيحاءات الـ Cultu صلى الله عليه وسلم e .

لقد كان من الطبيعي أن تتأثَّر الأخلاق في العلاقات الدولية في الغرب بنظرته إلى الأخلاق بوحه عام . ولا يقتصر الأمر على هذا ، فمن وراء ذلك تعاني القوة الإلزامية للقيم الأخلاقية في مجال العلاقات الدولية من عوامل ضعف أخرى وربما أبلغ .

ينسب فرانكل"إلى الدكتور رينولد نيبر قوله إن البشر بدلًا من أن يمدوا قواعدهم الأخلاقية لتشمل السياسة الدولية ينزعون إلى استخدام السياسة للتنفيس عن نزعاتهم اللاأخلاقية وأنهم بالتالي بشر أخلاقيون في مجتمع لا أخلاقي" (ص171) .

وحتى عندما نسلم بأن للقيم الأخلاقية أثرًا ما في العلاقات الدولية تواجهنا مشكلة أخرى ، هي الغموض في تحديد الأخلاق الدولية . يقول فرانكل"إن الذي يجعل الأخلاق الدولية على ما هي عليه من غموض هو أن معناها لم يحدَّد فقط بوضوح كما أنه لم يوجد بعدُ اتفاقٌ بين المفكرين على العلاقة بين قواعد الأخلاق الفردية وقواعد الأخلاق الدولية ، تذهب إحدى المدارس الفكرية متبعة في ذلك ميكيافيلي إلى إنكار الأخلاق الدولية كلية ."

إن أي تحليل واقعي للعلاقات الدولية لا يسعهُ أن يتقبل دون مناقشة دعاوى رجال السياسة المكررة في كل البلدان بأنهم محكومون بالقيم الأخلاقية . إن من الواضح أن الأخلاق كثيرًا تستدعى وبأسماء مختلفة لا لشيء إلا لإضفاء قدر من الاحترام على المصالح الأنانية للدولة ، كما أن اللجوء إلى الأخلاقية تبرير شائع مريح في يد الطرف الذي يعارض الحقوق القانونية لطرف آخر" (ص169) ."

لعل النتيجة التي ينتهي إليها القارئ مما سبق أن الحقيقة الواقعة أن العلاقات الدولية في الحضارة المعاصرة ترتكز أساسًا إن لم يكن كليًا على المصلحة الوطنية ، والقوة .

1 -المصلحة الوطنية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت