فهرس الكتاب
يقول فرانكل"المصلحة الوطنية هي"المفتاح الأساسي"في السياسة الخارجية ، ويرتد هذا المفهوم في جوهره إلي مجموع القيم الوطنية ، تلك القيم النابعة من الأمة والدولة في نفس الوقت ، غير أن هذا المفهوم لا يخلو من غموض .. وإذا كان من الصعب بيان المقصود بالمصلحة الوطنية بفكرة مجردة ، فإن من المستحيل أن نجد إجماعًا على ما تعنيه في قضية معينة ، إن الجدل المتكرر حول السياسة الخارجية يتركز حول التفسيرات المختلفة لمتطلبات المصلحة الوطنية .. تحكم تصرفات الساسة جميعًا مصالحهم الوطنية المختلفة ، غير أنَّ هذا لا يعني أنه ليس بوسعهم البتة الاتفاق على شيء ما ، بل على العكس كثيرًا ما يتفقون ، وإن كان هذا الاتفاق ينطلق أيضًا من مصالحهم الوطنية ، فإذا وافق سياسي على تقديم تنازلات فإنه لا يفعل ذلك إلا إذا اقتنع أن عمله سيعطي دولته بعض المزايا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة .. إن فكرة المصلحة الوطنية مبنية على وجود قيم في الجامعة الوطنية ، هذه القيم التي يمكن أن نعتبرها نتاج ثقافتها ومعبرًا عن روح تجانسها ... غير أنّ العلاقة بين هذه القيم وبين الأهداف السياسية المحددة تتطلب شرحًا أكبر ، إن القيم تنتمي إلى مجال"ما يجب أن يكون"، وليس من الضروري أن تترجم إلى أهداف سياسية محددة ... إن النظم القيمية يعوزها اليقين عامة ، بل إنها أحيانًا تتضمن قيما متضاربة ، الأمر الذي يثير مشكلة: أي هذه .... الواجب التطبيق في الحالات المعروضة وقد تتعقد الأمور أكثر من ذلك ، وقد يستهدف الساسة التضليل من وراء تصرفاتهم ، بل إنه طبقًا لنظرية فرويد لا يعرفون بالضبط حقيقة الدوافع التي تُسيرهم ، وأخيرًا فإن الثقافات المختلفة لا تعطي الأهمية لنفس القيم .. ولقد كان الإنسان يسعى طوال تاريخ الفكر السياسي إلى تصوير قيمة عليا تتخذ معيارًا عامًا لتصرفاته ، وللأسف فإن مجرَّد وجود نظريات متناقضة في هذا الموضوع يعني الشكَّ في إمكانية أن تكون أي منها صحيحة كل الصحَّة . ومعيار المصلحة الوطنية - رغم شعبته - شديد الغموض ... وعندما تصطدم قيمتان أو أكثر فيما بينها فإن الأهمية النسبية لأي منها يجب أن تقدر وترسى ... وهذا التصنيف للقيم ليس سهلًا ، لأن التركيز على أهميتها يتراوح من حالة إلى أخرى ، وكثيرًا ما تحكمه العواطف ... لا تبلغ القيم ذروة مدلولها السياسي إلا في الممارسة ، أي عندما يحاول رجل الدولة أن يطابقها بالصورة الذهنية التجريدية الغامضة التي لديه عن البيئة .. وهمزة الوصل الأساسية بين البيئة ورجل الدولة هي المعلومات ... وبرغم أنه بإمكان كبار المسؤولين أن يطلعوا اطلاعًا تامًا على المعلومات المتوافرة لحكوماتهم ، إلا أنَّهم لا يستطيعون بأي حال من الأحوال هضم كل هذه المعلومات ، وعندما تحمل المعلومات إليهم فإنها تكون في العادة قد تكثفت وانفصلت عن الواقع إلى درجة تسمح بإساءة تفسيرها تمامًا ."
ولكي يختار المرء ما يمكن الاعتماد عليه من بين خضم المعلومات والأحداث يجب أن يكون لديه معيارٌ لذلك الاختيار لتجديد أهميتها ... وعملية تفسير الحقائق والوقائع ليست عقلانيه تمامًا . ولكنها غالبًا ما تتأثر بالعواطف وبنزعة البشر في أن يطمسوا ما لا يسرهم وبالتفكير المفرط في التمني ... وهكذا يتضح أن ما نعرفه عن بيئتنا بعيد عن الواقع على درجة أننا بدلًا من أن نتكلَّم عن المعرفة يجب أن نستخدم"الصورة الذهنية"... وبمجرد أن يكوَّن السياسي صورة ذهنية عن موضوع أو عن دولة أخرى فإن هذه الصورة الذهنية تصبح بمثابة جهاز لتنظيم المزيد من المعلومات ومصفاةً تمر من خلالها هذه المعلومات ، ولهذا فالصورة الذهنية لا المعلومات هي التي تحكم السلوك السياسي" (ص 52) ."
لا بدَّ أن يستنتج القارئ من الشرح السابق صعوبة تعيين المصلحة الوطنية الحقيقية ، وأنه ليس من الضروري أن تكون محكومة بمعايير موضوعية ، كما يستنتج قابليتها للمرونة والتكيف في يد صانع القرار . وسيكون في مكانه نتيجة لذلك أن يقَّيم مدى أهلية المصلحة الوطنية لأن تكون أساسًا للعلاقات الدولية .
2 -القوة:
يقول فرانكل"إن مشكلة القوة تدخل جميع أنواع العلاقات الدولية ، في الحروب والمنافسات تدخل القوة بمعناها العسكري ، وفي التعاون يدخل التهديد بالقوة لقمع الأطراف . يدور عالم السياسة كله حول ممارسة القوة والبحث عنها ، غير أن القوة في السياسة الدولية أوضح بكثير وأقلّ قيودًا من القوة في السياسة الداخلية . ولهذا فكثيرًا ما تسمى السياسة الدولية بسياسة القوة .. ولقد أدى الدور الهام الذي تلعبه القوة في العلاقات الدولية إلى نشوء مدرسة فكرية تفسر العلاقات الدولية على ضوء مفهوم القوة ...]ولكن [ بالرغم من أن القوة تلعب دورًا هامًا في السياسة الدولية ، فإنها في الأساس وسيلة لتحقيق قيم وطنية ، والسياسة الدولية لا تحددها القوة التي تملكها الدولة فحسب ، وإنما تحددها بدرجة أكبر القيم التي تعتنقها هذه الدول ، ومفهوم المصلحة الوطنية التي تحكم سلوك الدول لا يقف عند اعتبارات القوة وحدها" (ص 93- 94 ) .
على أنا إذا استعدنا الشرح السابق عن المصلحة الوطنية ، فربما يصح الافتراض بأن القوة تحكم تعيين المصلحة القومية أكثر مما تحكم المصلحة الوطنية القوة .
يقول فرانكل:"من الصعب أن تقيم القوة تقييمًا مجردًَّا ، فبإمكان القوة أن تكون في خدمة أهداف سيئة وأهداف خيرة على السواء . ومن المستحيل قطعًا إزالة القوة . والمشكلة التي تواجهنا ليست في كيفية إزالة القوة ، ولكن في كيفية السيطرة عليها وإبقائها ضمن القنوات المشروعة" (ص 94 ) .
"...منهم إلى حجبها في المسائل الخطيرة ، وإلى تقديمها فيما عدا ذلك ، وعلى شكل يجعل الجمهور يميل في الاتجاه المطلوب . وهذا كله يثير مشاكل الإرشاد . إن فكرة الديمقراطية لا تعني التزام القادة بالرأي العام التزامًا مطلقًا ، وإنما تعني بل وتقتضي أحيانًا أن يتولوا قيادة هذا الرأي" ( ص 51) .
خلاصة ما سبق:
أنَّ هناك خصيصتين تطبعان منهج العلاقات الدولية في الحضارة الغربية ( الحضارة المعاصرة ) :
-هشاشة القوة الإلزامية للقواعد القانونية المفروض أن تحكم العلاقات الدولية .
-هشاشة الأساس الأخلاقي الذي يرتكز عليه المنهج .
ولذا فمن الطبيعي أن تكون العلاقات الدولية مؤسَّسةً في هذا المنهج على المصلحة الوطنية والقوة . على أنَّا إذا رأينا أنّ المصلحة الوطنية الحقيقية يصعب تعيينها ، وأنّه ليس من الضروري أن تحكم بمعايير موضوعية ، وأنّها قابلةٌ بصفةٍ فائقةٍ للمرونة والتكُّيف في يد صانع القرار ، وأنَّ للإعلام بالرغم من هشاشة صدقة وموضوعيته وخضوعه للأهواء والمصالح الخاصة الدورَ الأهمّ في تعيين المصلحة الوطنية ، وأنّ القوة تحكم تعيين المصلحة الوطنية أكثر مما تحكم المصلحة الوطنية سلوك القوة .
عندما يستدعي القارئ إلى ذهنه الحقائق السابقة فسيكون قادرًا على تقييم مدى سلامة منهج الحضارة الغربية في العلاقات الدولية ، وصلاحية هذا المنهج لإبعاد شبح الفناء والدمار الذي يتهدَّد البشرية .
الفصل الثاني
العلاقات الدولية في الإسلام