فهرس الكتاب
العدل هو القاعدة الأساسية في تنظيم علاقة المسلم بغيره ، ويشمل ذلك العلاقات الدولية - كما سنرى - والعدل في هذا المجال - وكما تظهر نصوص القرآن والسنة - هو القيمة الأولى بين القيم الإسلامية ، وفي القرآن ورد الأمر بالعدل والإشادة بالمتَّصفين به ، والنهي عن الظلم والتشنيع على مرتكبيه في أكثر من ثلاثمائة وخمسين موضعًا . ويعبر عن العدل أحيانًا بالقسط وإقامة الميزان أو بما يدل على هذا المعنى ، كما يعبر عن الظلم بالبغي والعدوان والبخس والطغيان .
والعدل في الإسلام قيمة مطلقة ذات ميزان واحد يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره ، وفي حالة الصداقة والعداوة ، في القول والعمل ، وفي الفعل والترك . قال تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [ ] المائدة آية: 8[ .
قال المفسرون: المعنى لا يحملكم بغض قوم يقاتلونكم في الدين على أن لا تعدلوا في معاملتهم .
ويشهد لهذا التفسير الآية الأخرى: ]وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ ] المائدة آية: 2[ .
ولم يكن أحد أعدى للمسلمين من الذين صدوهم عن المسجد الحرام وقاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم . (أنظر أيضًا الآية 135 من سورة النساء ) .
والعدل مطلوب في القول والعمل: ويشهد لهذا التفسير الآية الأخرى: ] وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ [ ] الأنعام آية: 2[ .
العدل هو الحد الأدنى من معاملة المسلم لغيره ، ولكن المسلم مدعو وراء العدل إلى درجات أعلى: فإذا كان العدل يتحقق بالمعاملة بالمثل ، فالمسلم مدعو في القرآن والسنة إلى الصبر والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة والبر والإحسان .
قال تعالى: ]لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [ ] آل عمران آية: 186[ .
وقال تعالى: ]وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ {39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {40} وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ {42} وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ ] الشورى آية: 43[ .
وقال تعالى: ]وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ ] البقرة آية: 109[ .
وقال تعالى: ]ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [ ] البقرة آية: 95-96[ .
وقال تعالى: ]وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ ] فصلت آية: 34-35[ .
وفي وصف عباد الرحمن قال تعالى: ]وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [ ] الفرقان آية: 63[ .
وعلى القاعدة الأساسية - العدل - تبنى أحكام العلاقات الدولية في الإسلام ، سواء في حالة الحرب وفي حالة السلم ، على التفصيل الآتي:
أولًا في حالة الحرب:
يلاحظ في البداية من نصوص القرآن دلالتها على أن أشنع عمل للإنسان في علاقته بغيره (سفك الدماء ، وإرادة العلو في الأرض ، والفساد فيها ) .
قال تعالى: ] قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [ ] البقرة آية: 63[ .
وقال تعالى: ]مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [ ] المائدة آية: 32[ .
وقال تعالى: ]وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [ ] الإسراء آية: 4[ .
وقال تعالى: ]وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [ ] البقرة آية: 205[ .
وقال تعالى: ]وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [ ] الإسراء آية: 33[ .
وفي وصف المستحقين للجزاء الأخروي الحسن: ]تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ ] القصص آية: 83[ .
وقال تعالى: ]وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ ] هود آية: 33والشعراء آية:183[ .
وفي التشنيع على فرعون قال تعالى: ]وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ [ ] يونس آية:83[ .
وقال تعالى: ]إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [ ] القصص آية:4[ .
وقال تعالى: ]وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [ ] البقرة آية: 27والرعد آية:25[ .
وفي ذم اليهود قال تعالى: ]كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [ ] المائدة آية:64[ .
وبالجملة فإن ذم القتل بغير حق والعلو في الأرض والفساد فيها ورد في القرآن في أكثر من مائة وعشرين موضعًا .
لكل ما سبق كان من الطبيعي أن تكون الحرب في الإسلام مكروهة في الجملة ، ينبغي ما أمكن تفاديها ، وفي المعنى جاء الحديث الشريف عن أبي هريرة t عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لاَ تَتَمَنَّوْا لَقاءَ الْعَدُوَّ ، وَاسْألُوا الله الْعَافَيِةَ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا"]متفق عليه [ . وكان من الطبيعي أن لا يسمح الإسلام بالحرب إلا في حالة الضرورة الشرعية ، وفي هذه الحال تحكم الحرب مبادئ ترتكز على القيمة الأساسية (العدل) .