فهرس الكتاب

الصفحة 2100 من 2255

وقال الإمام القرطبي في تفسيرها: أي: الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشدّ من القتل"وقال في تفسير ] وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ[: قال مجاهد وغيره: الفتنة هنا الكفر ... وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنة المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا ، أي: إن ذلك أشدُّ اجترامًا من قتلكم في الشهر الحرام".

ويلاحظ أنه لا خلاف بين التفسيرين ، فيما فسَّر"الفتنة"بالشرك أو الكفر عني النتيجة ، ومن فسَّرها بتعذيب المسلم حتى يكفر عني السبب .

وقال تعالى: ] وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ [ ] البقرة آية:193[ .

أخرج البخاري في تفسير هذه الآية عن نافع أنَّ رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ[ ؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلًا فكان الرجل يُفتن عن دينه ، إما قتلوه وإما يعذبونه ، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة .

المبدأ الثاني: أن يكون القتال ضدّ من يقاتل:

قال تعالى: ]وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {60} وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ ] الأنفال آية:61-62[ .

وقال تعالى: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [ ] البقرة آية:193[ .

قال الإمام الطبري:عن مجاهد: ]فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ[ يقول:"لا تقاتلوا إلا من يقاتلكم".

وقال في تفسير قوله تعالى: ] وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [ ] البقرة آية:190 [ . عن سعيد بن عبد العزيز قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: إني وجدت آية في كتاب الله: ] وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ[ ، أي: لا تقاتل من لا يقاتلك"وردَّ الطبري على من قال بنسخ الآية بقوله:"وأولى هذين القولين بالصواب القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز ، لأن دعوى المدَّعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكُّمٌ ، والتحكُّم لا يعجز عنه أحدٌ"."

وقال تعالى: ] فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [ ] النساء آية:90[ .

قال ابن كثير"أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك".

وقال تعالى: ] فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا [ ] النساء آية:91[ .

فسر ابن كثير"السلم"بالمسلة والمهادنة والمصالحة .

وقال تعالى: ] لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ [ ] الممتحنة آية:9[ .

المبدأ الثالث: عدم تجاوز ضرورات الحرب:

وهذا المبدأ قيد على قاعدة"المعاملة بالمثل"فلا خيار للمسلم في عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية الإسلامية في معاملة العدو ، وإن كان العدو لم يلتزم بها . ولا خيار للمسلم في عدم الوقوف عند حدود الله ، وإن كان عدوه المحارب تجاوز هذه الحدود ، فإذا مثَّل محاربو المسلمين بقتلى المسلمين منهم فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوا نساء الأعداء أو صبيانهم أو غير المقاتلين منهم .

وقد أفاض المفسرون عند تفسيرهم للآية السابقة: ] وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ[ في ذكر ما ورد من النصوص عن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه تطبيقًا لهذه الآية .

من ذلك ما روى مسلم عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ]إذا بعث جيشًا[يقول:"اغزوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوليد ، ولا أصحاب الصوامع".

وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشًا إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان ... فقال:"إنَّك ستجد قومًا زعموا أنَّهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا ، أنهم حبسوا أنفسهم له ... وإني موصيك بعشر: لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبيًا ولا كبيرًا هرمًا ، ولا تقطعنَّ شجرًا مثمرًا ، ولا تخربنَّ عامرًا ، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ ، ولا تحرقنَّ نخلًا ولا تفرقنَّه ولا تغلل ، ولا تجبن".

قال الطبري: عن يحيى الغساني قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أساله عن قوله تعالى: ] وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ[ فكتب إليَّ أنَّ ذلك في النساء والذرية ، ومن لم ينصب لك الحرب منهم .

وعن ابن عباس في تفسير الآية:"لا تقتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ، ولا من ألقى إليكم السلم وكفَّ يده ، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم".

وروى الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى:] وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [ ] البقرة آية: 193[ . قال:"يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم".

وقال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة: ] وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ [ ] المائدة آية: 2 [ ."معناها ظاهر ، أي لا يحملكم بغض قوم قد كانوا صدُّوكم عن المسجد الحرام ... عن أن تعتدوا حكم الله فيهم ، فتقتصوا منهم ظلما وعدوانًا ،بل احكموا بما أمركم الله من العدل في حق كل أحد ... وهذه الآية كما سيأتي في قوله: ] ِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ["قال: ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: هي محكمةٌ ، أي: قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ،ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم"."

وقال عمر بن الخطاب:"اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب"وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حرَّاثًا .

ويدلُّ تاريخ الإسلام في كل العصور على أنَّ المسلمين الملتزمين طبَّقوا هذا المبدأ دون استثناء .

ثانيًا: في حالة السلم:

أبرز مظهر للعلاقات الدولية في حالة السلم المعاهدات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت