فهرس الكتاب
وقد عني القرآن في زهاء ثلاثين موضوعا منه بالتأكيد على وجوب وفاء المسلم بالعهد وتحريم الإخلاء به علي سبيل المثال قال تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [ ] المائدة آية: 1[ .
قال ابن كثير: ]أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ[ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود . وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك"."
قال:" (والعقود ) ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره".
وعن ابن عباس ] في تفسيرها[:"لا تغدروا ولا تنكثوا".
وقال تعالى: ] وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا [ ] الإسراء آية: 34[ .
وقال تعالى: ]إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [ ] التوبة آية: 7[ .
وقال تعالى: في ذكر صفات الناجين: ]وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [ ] المؤمنون آية: 7 والمعارج آية:32[ .
وقال تعالى: ]بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [ ] آل عمران آية: 76[ .
وقال تعالى: ]وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ [ ] البقرة آية: 177[ .
وقال تعالى: ]الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ [ ] الرعد آية: 20[ .
وقال تعالى عن الناكثين: ]وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [ ] الرعد آية: 25[ .
وأكد القرآن أنه حتى في حالة ظهور شواهد نقض العهد من الطرف الثاني ، واضطرار المسلمين الذين أبرموا العهد اضطرارهم بسبب ذلك على إنهاء العهد ، فإنه لا يجوز لهم استغلال هذا الإنهاء لتحقيق مصلحة لهم على حساب الطرف الثاني ، بل يجب أن يتم إنهاء العقد في وضع من التوازن بين الطرفين . قال تعالى: ]وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ [ ] الأنفال آية: 58[ .
وروي الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد. فجاء رجل على فرسٍ أو برذونٍ وهو يقول:"الله أكبر ، الله أكبر ، وفاءُ لا غدر"فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة ، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشُدُّ عُقْدَةً ولا يُحلَّها حتى ينقضي أمدُهُ ، أو ينبِذَ إليهم على سواءٍ"فرجع معاوية بالناس ."
والعقود في الإسلام على العموم واجبة الاحترام ، ويجب الدخول فيها بنية الوفاء بشروطها مهما تغَّيرت الظروف . ولكنَّ المعاهدات الدولية في الإسلام لها تُّميزّ في هذا ، فقد روى مسلم ٌفي صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"لكلَّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة ، يُرْفَعُ له بقدر غدره ، ولا غادرَ أعظمُ من أميرِ عامَّة".
والفقهاء وهم يرون أن الجهاد يكون مع الأمير الصالح والفاسق ، يذهب أكثرُهم إلى أنَّ الجهادَ لا يكون مع الأمير الذي لا يلتزم الوفاء بالعهود .
وعلى خلاف القانون الدولي في الحضارة المعاصرة فإن تغيير الظروف لا يبرر نكث العهد ، وحتى إذا عجز المسلمون في ظروف معينة عن الوفاء بالتزاماتهم يجب عليهم مراعاة التزامات الطرف الثاني .
ومن هذا الباب القصة المشهورة أيضًا عندما استولى القائد المسلم أبو عبيدة بن الجراح على حمص ثم اضطر إلى الانسحاب منها فردَّ الجزية التي أخذها من السكَّان ، وقال: إننا أخذنا الجزية مقابل حمايتكم وما زلنا الآن لا نستطيع أن نحميكم فقد وجب أن نردَّها . والأمثلة كثيرة من هذا النوع في التاريخ الإسلامي .
فتغُّير الظروف ، والمصلحة القومية لا تبرَّر في الإسلام نقض العهد ، كما لا يُبرَّره أن يرى المسلمون أنفسهم في مركز القوة تجاه الطرف الثاني . وقد ورد النص الصريح في القرآن يؤكد ذلك ، قال تعالى: ] وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ {91} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ [ ] النحل آية: 91-92[ .
ثم يقول بعد ذلك: ]وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [ ] النحل آية: 95[ .
مما له دلالة أن نتذكَّر أن الآيات القرآنية نزلت بالتشديد على المسلمين بالوفاء بالعهد في وقت وفي بيئة لم تكن القاعدة فيهما الوفاء بالعهود ، يقدم القرآن صورًا لهذه البيئة في قوله: ]إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {55} الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ [ ] الأنفال آية: 55-56[ .
وقال تعالى: ]كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ {7} كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ {8} اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {9} لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [ ] التوبة آية: 7-10[ .
وقال عن اليهود: ]أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [ ] البقرة آية: 100[ .
وبالرغم من إيقان المسلمين بأنه لا خيار لهم في عدم الوفاء بالعهد تحت أي ظرف ، وبالرغم من معرفتهم أن الطرف المقابل لا يحمل مثل هذا الالتزام ، إلا أنهم كانوا - كما يظهر ذلك تاريخ الإسلام - يقبلون على إبرام العهد تفاديًا للحرب كلما كان ذلك ممكنّا بصرف النظر عن عدم تعادل الشروط .
ومعاهدة الحديبية"بالرغم مما تضمنته من شروط تبدو للوهلة الأولى مجحفة في حق المسلمين"، مثل بارز في هذا .
ومثل آخر بارز في العهد العمري بين المسلمين والفلسطينيين سكان إيلياء . فبعد انتصار المسلمين على الروم في معركة اليرموك الفاصلة ، وهزيمة جيش أرطبون كانت فلسطين مفتوحة أمام جيش المسلمين ولم يكن شيء يحول بينهم وبين الاستيلاء على إيلياء عنوة ، فلما عرض السكان إبرام معاهدة الصلح لم يتردَّد المسلمون في قبولها بالرغم من اشتراط الفلسطينيين شرطًا غير عادي ، وهو أن يحضر الخليفة نفسه - في سفر لمدة شهر - ليوقع المعاهدة والذي يقرأ المعاهدة الآن خالي الذهن من ظروف إبرامها لا يتوقع أبدًا أن تكون معاهدة بين جيش منتصر وجيش مهزوم .