ومن المناسب ذكر جزء من المعاهدة ، فهي تجري هكذا:"هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، وأعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم .. وعليهم أن يخرجوا الروم واللصوص ، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ، ومن أقام منهم فهو آمن .. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله إلى الروم ويخلي بينهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم".
ليتذكر القارئ أنه وقت كتابة العهد المشار إليه كانت الحرب لا تزال قائمة وعلى أشدها بين المسلمين والروم .
هل منهج الإسلام في العلاقات الدولية واقعي ؟ .
قد يخيَّل لشخص يعيش في هذا العصر أن منهج الإسلام في العلاقات الدولية وما يقتضيه من مبادئ حاكمة ، منهج مثالي ليس قابلًا للتطبيق في عالم الواقع ، ولكن يرد هذا أنه بالرغم من أن هذا المنهج كان يطبق من جانب واحد فقد طبقه المسلمون كما يشهد تاريخهم على مساحة واسعة من الزمان والمكان . صحيح أن تطبيق المبدأ الثاني من مبادئ الحرب لم يظهر بالوضوح الكافي بسبب أن حالة الحرب الدائمة في العالم كانت حينذاك هي القاعدة . وصحيح أن المبدأ الأول وجد الإخلال به عدة مرات بخاصة في الحروب بين الجماعات أو الدويلات الإسلامية ، ولكن هذه الحروب لم تعتبر قط جهادًا ولا حروبًا مشروعة لا من قبل الفقهاء الذين عاصروها ولا من قبل كتاب التاريخ اللاحقين .
ولكن المبدأ الثالث طبق باستمرار من قبل المسلمين ، وربما يذكر التاريخ حالة واحدة تم الإخلال فيها من قبل المسلمين الملتزمين بأحكام الإسلام .
فيما سبق كان الحديث عن منهج الإسلام في التطبيق في حالة الحرب ، أما في حالة السلم فإن المسلمين الملتزمين بالإسلام في كل زمان ومكان قد اعتبروا القوة الإلزامية للمعاهدات قوة مطلقة ، وهذا بالطبع يختلف تمامًا عن المنهج الغربي للعلاقات الدولية ، إذ يحكم المعاهدة كما يحكم غيرها المصلحة القومية والقوة فإذا كانت المصلحة القومية للدولة الحديثة انتهاك المعاهدة وكانت قادرة على ذلك بحيث لا تتوقع أيَّ جزاءٍ ، فإنها لا تتردَّد في تلبية ما تقتضيه المصلحة الوطنية:
-على سبيل المثال والمقارنة ، كلا الدولتين إسرائيل والمملكة العربية السعودية وقعتا الاتفاقية الدولية الخاصة بالملكية الفنية . ومع ذلك لا تضج الشركات الأمريكية من انتهاك حقوقها بموجب الاتفاق في أي دولة بقدر ما تضجُّ من انتهاكها في إسرائيل . إسرائيل بالطبيعة صديقة لأمريكا وشريكة إستراتيجية . ولكنها كدولة حديثة لا تهتم أجهزتها التنفيذية بحماية حقوق الملكية لدولة أجنبية على حساب مصلحتها القومية في حدود استطاعتها . وبالعكس فإن الأجهزة التنفيذية في المملكة العربية السعودية تطبيقًا لاتفاقيات الدولية لا تحمي الحقوق الأمريكية الفنية بأكثر من حماية الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق المملكة العربية السعودية فحسب ، بل أكثر من حماية الأجهزة التنفيذية الأمريكية نفسها حقوق المواطنين الأمريكيين . والسبب أنَّ المسلم في المملكة العربية السعودية ينظر إلى نصوص المعاهدات كما لو كانت نصوصًا مقدَّسةً لا يتصوَّر أنَّه يمكنه التردد في تنفيذها .
وبصرف النظر عن حكمة أو عدم حكمة سلوك الأجهزة التنفيذية السعودية في الالتزام بما يلزمها قانونًا ، إلا أنَّ المقصود (وهو المطلوب ) للدلالة على الروح التي تحكم المسلم تجاه المعاهدات .
-وللمقارنة أيضًا ، في حرب الخليج وقعت مجندة أمريكية أسيرة في يد العراقيين ، فاهتمّت إذاعة B.B.Cالسؤال عن قواعد الإسلام التي تحكم الأسرى ، بالطبع السؤال لا محلَّ له ، لأنَّ العراق حكومة العراق حكومة بعثَّية علمانية ، وعقدة البعث لا محلَّ فيها لتحكيم الدين أي دين . فحكومة العراق بمقتضى الحال لن تبحث عن أحكام الإسلام لتطبيقها على أسراها ولا أدري بماذا كان الجواب على السؤال الإذاعة . ولكن الجواب الصحيح في حالة الدولة المسلمة التي وقعت على اتفاقيات جنيف الدولية التي تحكم معاملة الأسرى أنها سوف تلتزم كحد أدنى بما تنص عليه هذه الاتفاقيات ، ثم من وراء ذلك ومن فوقه ستعامل الأسير وفق المعايير الخلقية التي يهدي إليها القرآن والسنة الصحيحة ، وهي بالطبع أوفى من الحد الأدنى الذي تلزم به الاتفاقيات الدولية .
نقارن هذا المثل بمثل"طازج"هو معاملة قوات التحالف الدولي لأسرى الحرب في أفغانستان بالطبع لا نتوقع من اتفاقيات جنيف أن تسمح بقصف الأسرى ، أو حرقهم بالديزل ، أو إغراقهم بالماء المجمد ، أو رميهم بالرصاص وهم مكتوفو الأيدي من الخلف ، أو وهم يصلون ، أو المعاملات اللاإنسانية الأخرى .
ولكن الأسوأ من ذلك أن الأمر لم يقتصر على انتهاك أحكام الاتفاقيات ، بل تعدي إلى الجناية على نصوصها ، إذ لكي يفر التحالف الدولي من نسبته إلى انتهاك الاتفاقيات الدولية أو نسبته إلى ارتكاب جرائم الحرب سمى المحاربين الذين أسروا وهم في حالة الدفاع ضدَّ الهجوم في المعركة الحربية والبرية إرهابيين ومعتقلين ، مقرَّرًا سابقة خطيرةٌ لإلغاء الالتزام كليًا بقواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية عن طريق تغيير الاسم والتلاعب بالألفاظ .
بالطبع ليس المقصود هجاء أحد ، وليست هذه المقالة مجال هجاء ، وإنما كان المقصود رد الحقائق المقلوبة والمشوَّهة إلى وضعها الصحيح .
الحقيقة أن المعاهدات محور ارتكاز في منهج العلاقات الدولية في الإسلام: يوضح ذلك أنَّ المعاهدات يمكن أن تكون هي نفسها أساسًا لعلاقة أيَّ دولة تلتزم تطبيقَ الإسلام وتوقعها مع أي دولة أخرى ، إذ إن القوة الإلزامية للمعاهدة في جانب الدولة المسلمة ليست هشةً ، ولا قلقة، كما شاهدنا في المعاهدات في منهج الحضارة الغربية إذ سوف تظلُّ المعاهدة وشروطها نافذةً في جانب الدولة المسلمة ، حتى لو تغيَّرت الظروف وحتى لو ظهر فيما بعد أنَّ المصلحة الوطنية للدولة المسلمةِ في انتهاكها ، وكانت قادرةً على ذلك .
لقد طبق المسلمون الملتزمون بالإسلام منهج الإسلام في العلاقات الدولية في حالة الحرب وفي حالة السلم كما وصفنا ، في كل وقت ، وفي كل مكان - بالرغم من أن هذا المنهج كان دائمًا يطبق من جانب واحد - وذلك أكبر دليل على إمكانية تطبيقه عمليًا .
ولو تحوَّلت الدولة الغربية إلى دول متحضَّرةٍ فعلًا ، لارتضت الالتزام بتطبيق القانون ومعايير الأخلاق الإنسانية .
تذييل:
لا يفوت التنبيه إلى أن التأثير الثقافي الطاغي للحضارة الغربية على العالم الإسلامي جعل دول العالم الإسلامي في كثير من الأحيان تطبَّق المنهج الغربي في العلاقات الدولية ، سواء فيما بينها وبين الغرب ، أو ما بين بعضها البعض ، وغابت في كثير من الأحيان عن الفكر الإسلامي المعاصر مبادئ المنهج الإسلامي ، ولم يسلم من ذلك حتى الحركات والجماعات الداعية لتطبيق الإسلام منهج حياة .
والمجال لا يتَّسع للتفصيل وإيراد الأمثلة ، وإنما المقصود التنبيه ليتذكَّر من تنفعه الذكرى .
الفصل الثالث